خذ من الطين روحه ومن الشجر عطره, خذ من النوافذ اطلالتها ومن الاصوات احلاها, خذ من السماء نجمة ومن الارض وردة, خذ وحلق عاليا لترى ذلك العربي الجميل وهو يخط بحروف ابجديته اروع الكلام واسمى العواطف. لغتنا مسئوليتنا, وحصادها مشروعنا وحضارتنا, اذا رويناها ازدانت اصالتنا بالحق, واذا اهملناها غاب عنا الحق. وتاريخ الحرف العربي بكل فصوله اثبت اننا امة تملك فضاء التعبير في كل الفنون والاداب وفي كل العلوم والمعارف ولعلنا بالعودة قليلا الى هذا التاريخ نبوح بأهمية ما نملك. للحروف العربية قدسية, وأقدار مرعية, الباء لها حرمتها لأنها اول حرف في القرآن الكريم (بسم الله) وللألف اهمية خاصة جدا لانها في مقام (أحد) فهي رمز للوحدانية المطلقة, يقول سهيل التستري (الألف اول الحروف وأعظم الحروف هو الاشارة الى الله الذي الف بين الاشياء وانفرد على الأشياء) . والحلاج سمى ديوانه الغامض المليء بالأسرار والكشوف كتاب (الطواسين) والاسم جمع للطاء والسين, وهي حروف يرى ان لها قدراتها الخاصة. حتى العلماء في اللغة يرون ان للحروف دلالات مختلفة فالراء في الكلمات التالية (جر, فر, كر, الخ.. لها صورة الحركة, كما ان الدال في الكلمات (مد, عد, ود, رد فيها معنى البذل, وقد اعطى العرب للحروف قيمة حسابية, واستعمل هذا الحساب في قراءة الطالع وعمل الاحجبة, واستخدمه الشعراء في تأريخ الأحداث الكبرى والولادة والوفاة, أو عند بناء المساجد والقصور, وأطلقوا على هذا النوع من الحساب اسم حساب (الجُمل) بضم الجيم. ومن الأمثلة التي تذكر على ذلك: إنه في أيام المماليك اسرف احد الحكام في الاستبداد والظلم فقام الشعب بحرقه حيا, فقال الشاعر مؤرخا هذا الحدث الفريد. حرقه بالنار نور وهو في التاريخ ظلمة قاصدا بذلك اثبات تاريخ حرق الحاكم حيث يحسب بجمع قيمة حروف كلمة ظلمة لكن من وضع الخط العربي؟ هناك من يقول ان ملوك (مدين) هم الذين وضعوا الخط العربي حسب اسمائهم مثلا: ابوجاء (أبجد) وهواز (هوز) وهناك من يقول ان اولاد النبي اسماعيل هم الذين وضعوا الحروف العربية, وبان ارم بن سام بن نوح اول من كتب العربية وكان ذلك بالطائف. كما تقول البحوث العربية ان اقدم أشكال الخط العربي مشتق من النبطية, والانباط عرب كانوا يعيشون في شمال الجزيرة العربية ولأسباب تتعلق بالنشاط التجاري استعملوا اللغة الآرامية واستخدموا نوعا من الخطوط الآرامية في الكتابة, ومع الغزو الروماني في أول القرن الثاني بدؤوا في إحلال لهجتهم العربية في النصوص المكتوبة بدلا من اللغة الآرامية كما بدأت النبطية منذ تلك الفترة في التحول الى الأبجدية العربية وهذا ما تتحدث عنه النقوش النبطية في (سيناء) التي يرجع تاريخها الى القرنين الثالث والرابع الميلاديين والنصوص هذه ذات لهجة عربية قديمة متأثرة بالآرامية ومكتوبة بالأبجدية النبطية. اما ميزات وخصائص الكتابة العربية فقد ظهرت في نقش (زيد) عام 512 ميلادية ونقش (حران) عام 568 ميلادية وكل هذه الكتابات بلغة عربية نقية. والحرف العربي الذي بين يدينا لم يكن على ما هو عليه الآن, ولتطوره تاريخ يبدأ من النقطة على الحرف ولا ينتهي, فهو الان عماد الفنون الجميلة والإبداع الفني. النقاط على الحروف ماذا لو كتبت الكلمات دون نقاط على الحروف هل يمكننا قراءتها؟ ان نطقها بدون نقاط صعب للغاية لهذا اعتبر العرب واضع نقاط الحروف للغتنا العربية رجلاً شجاعاً مقداماً, ذلك ان العرب كانوا يعتبرون وضع النقاط على الحروف وتشكيلها في رسالة ما سوء ظن بالمكتوب اليه, ولهذا فالعرب حتى اليوم يقولون هذا الانسان شجاع لانه يضع النقاط على الحروف. ان الضرورة هي التي دفعت العرب لوضع النقاط للحرف العربي وذلك للمحافظة على القرآن من اللحن والتصحيف وكان البادئ بالفكرة زياد والي البصرة حيث طلب من ابي الاسود الدؤلي وهو اللغوي الشهير في ذلك الوقت ان يجد حلا للناس والعامة التي بدأت تختلف في قراءة القرآن. اخذ أبو الأسود طلب الوالي وغاب, فأرسل اليه رسول من اللغويين في مجلسه, ومر الرسول في إحدى الطرقات التي يمر بها أبو الأسود, واقترب منه وقال: (ان الله بريء من المشركين ورسوله) بكسر (اللام) في رسوله. فنظر أبو الأسود الى الرسول وقال (عز وجه الله ان يبرأ من رسوله) . وهكذا عاد أبو الأسود الى زياد قائلا: قد اجبتك ايها الوالي بما سألت, ورأيت ان ابدأ بإعراب القرآن فاعطني كاتبا. وجلس ابو الاسود الى الكاتب وقال له, انظر الي وانا اقرأ ان رأيتني فتحت شفتي بالحرف ضع نقطة واحدة فوق الحرف واذا كسرتها فنقطة واحدة في أسفله, وعند الضم نقطة بين يدي الحرف فاذا كان غُنّة ـ بتشديد النون ـ ففي الحرف نقطتين. نطق وفن جميل وهكذا بدأت اولى خطوات النطق الصحيح للحرف العربي بعد وضع علامات التشكيل والنقاط فوق الحروف سنة 69 هجرية في بداية العصر الاموي بنظام أبي الاسود الدؤلي. وبعد التشكيل والبحث عن حل الالتباس بالقراءة في أحرف القاف والفاد والجيم والحاء والباء.. الخ.. قام تلاميد أبي الاسود يحيى بن يعمر وناصر بن عاصم وجعلوا النقطة جزءا من الحرف واصبح النص مليئا بالنقط السوداء والحمراء, لان التشكيل كان بالاحمر والنقط بالاسود, واصبح النص العربي مهرجان نقاط وألوان فوق الحروف, الى ان فك الارتباط عن الاحرف على يد الخليل بن احمد في اوائل العصر العباسي. الخليل بن احمد وضع مكان نقط الشكل الحمراء جرات علوية وسفلية للدلالة على الفتح والكسر وعبر عن الضمة براس (واو صغيرة, وعن السكون بدائرة كرأس (الميم) وعن الشدة برأس (س) وعن الحرف المنون بتكرار العلامة. وبعد هذا التطور للحرف العربي كان الخط, والخط هو القلم, والخطوط العربية ستة: الكوفي, الثلث, النسخ, الفارسي, الديواني, الرقعة. وكانت الة الكتابة للخط العربي القصب (البوص) تقطع بنظام معين وزاوية معينة, والأقلام أنواع مثل الخطوط, واول من اخترع القلم (قطبة المحرر) في القرن الثالث الهجري وسماه (الجليل الشامي) هذا القلم عرضه 24 شعرة من شعر ذيل الحصان, واصبح هذا القلم مقياسا للاقلام كمقياس الذهب 24 قيراطا ومن قلم (الجليل الشامي) تفرعت الخطوط. وأصبحت الأقلام أنواعاً مثل الخطوط ومنها قلم الثلثين واستخدم في كتابة السجلات وقلم النصف وهو 12 شعرة واستخدم في مراسلات الامراء, وقلم صغير الثلث ثماني شعرات وهو قلم الرقاع. وللخطوط العربية مميزات فالخط الكوفي امتاز بتنظيمه الهندسي وكان يعرف قبل الاسلام بالخط (الحيري) نسبة الى الحيرة والخط النبطي هو الخط اللين الرشيق والخطان الكوفي والنبطي هما اصل الخطوط العربية. يأتي بعدهما خط النسخ الذي انتشر في العقود والمراسلات والصحف وصار لبساطته واختزاليته هو الشائع في حياتنا اليومية حتى انه اصبح خط الكمبيوتر باللغة العربية. وانسحب الخط الكوفي من ميدان الكتابة الاجتماعية ورضي ان يكون زاهدا, ناسكا, قانعا بسكنى المساجد والمحاريب وزخرفة المصاحف وعناوين الكتب. ومن اهم رواد الخط العربي الاديب الخطاط (ابن مقلة) وهو اول من طور الخط الكوفي ووضع اسسه وقواعده الثابتة. وجاء بعده في مجال تطوير الخط العربي (ابن البواب) وله خط (الريحاني) وخط (المحقق) , وبعدهما المستعصي الذي سمي قبلة الكتاب لانه اضاف الجماليات على الخط العربي. وهكذا بدأ العرب باستخدام جماليات الخط في التزيين والتصوير والنقش فرسموا بالخط القباب والمآذن والحيوانات بجمل مثل لا اله الا الله او البسملة وتطور هذا الفن واصبح من الفنون الرائدة. وبقي محافظا على قيمه الجمالية والصوفية على يد جماعة الحرف العربي, التي بقيت مرتبطة بتقاليد الخط العريقة. والفنان شاكر حسن قام بتأويل مناسب للخط يقوم على البعد الواحد ويعني ان الوجود يتحقق بالعودة من الحجم الى اصله الشكلي ومن الشكل الى اصله الخطي, وهذا ينطبق على فلسفة الفنان شاكر حسن التي تقول ان العالم الخارجي له طبيعة روحية اي انه غير تصويري وغير التصويري يعبر عن نفسه بالحرف. ومع جماعة الحرف صار الحرف العربي عبارة عن رحلة معاكسة, من الشجرة الى البذرة, او من الحجم الى الحرف, اي كمروحة في يد امرأة جميلة تضمها فتختفي الرسوم او تفتحها فيتحول الحرف الى حدائق وانهار وشموس مشرقة, واهم مظاهرة فنية لجماعة الحرف تعبر عن روعة هذا الخط تلك المجموعة الفريدة للوحات التشكيلية في مطاري (جدة والرياض) اشترك في انجازها فنانون من جميع الجنسيات هم: ضياء الغزاوي, وجيه نحله, شيرين, الملحي, سعيد عقل, شاكر حسن, عبدالحليم رضوي, نجا المهداوي وغيرهم. كتبت مروة محمد