الناقدة المسرحية د. نهاد صليحة مهتمة بوضع اسس موضوعية للنقد المسرحي العربي, ليس على المستوى النظري فقط, بل على مستوى تناول العروض المسرحية التي تقدم بالتحليل والنقد من خلال مفردات العمل المسرحي, تلك المفردات المتنوعة والتي تقتصر على النص الادبي فقط, وذلك من منطلق ايمانها بالتفاعل بين الثقافات الانسانية المختلفة وعلينا نحن النقاد العرب الاستفادة من النظريات والتجارب الادبية والامريكية في هذا المجال من اجل مواكبة روح العصر الذي نعيش فيه, ولا يجب ان تركن للكسل الذهني تلك الافكار المغايرة للسائد والمألوف جعلت العديد من النقاد المسرحيين ينتقدونها ويفتحون النار على مقالاتها وتناولها للنصوص.. وفي هذا الحديث نستطلع قسمات افكار د. نهاد ونطرح ما يطرحه البعض على مائدة النقاش معها: هناك العديد من الاتهامات التي توجه الى النقد العبري الادبي بشكل عام والنقد السياحي بشكل خاص.. من هذه الاتهامات جنوح النقد الى المنهج الاكاديمي التنظيري فما سبب هذا الجنوح؟ اختلف معك في هذا, واختلف مع الذين يرددون هذا الاتهام.. انني ارى ان ما يسمى بجنوح النقد الى المنهج الاكاديمي او الاستفادة من بعض المناهج النقدية الحديثة التي راجت منذ الستينيات يعود بالدرجة الاولى الى ادراكنا نحن النقاد العرب بأن لغة ومناهج النقد التي واكبت الابداع العربي في النصف الاول من القرن العشرين لم تعد تصلح لمواكبة الابداع في شتى مناحيه بعد التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها النصف الثاني من قرننا هذا والتي غيرت مسارات الابداع العربي.. فقد ظهر ما يسمى بالحساسية الجديدة وظهرت الموجة الجديدة في الشعر وتغير وجه المسرح من التقليدية الى دروب التجريب واستلزم ذلك تغيير وتثوير لغة النقد. وسأضرب لك مثالا من النقد المسرحي., انك اذا فحصت معظم المتابعات للعروض المسرحية التقليدية تجد ان المعظم ينصب على النص الادبي ولا ينال العرش المسرحي.. باعتباره تشكيلا جماليا من لغات عدة, اي فحص او تحليل.. ربما كان هذا ما دفع المخرج الكبير: جلال الشرقاوي الى ان يقول عن حق في رأيي (انه ليس لدينا نقد مسرحي) بمعنى انه لدينا نقد ادبي جيد للنصوص التي تقدمها العروض لكن ليس عندنا نقد يتناول مفردات العرض اللاأدبية. مفردات نقدية * هل معنى هذا انه ليس لدينا منهج نقدي يتناول مفردات العرض المسرحي؟ ـ الى حد كبير, ليس لدينا منهج نقدي موحد فليس لدينا في حقيقة الامر في مجال تدريس النقد مناهج مستقرة تصلح لأن تتناول جزيئات العرض المسرحي بعيدا عن الانطباعية والعشوائية في التقييم, ولقد بدأت بالفعل في تدريب الطلاب الذين ادرس لهم في اكاديمية الفنون في تناول بعض النصوص في ضوء المنهج (الاعلامي) وذلك لأنه منهج يتيح للطالب ان يرصد العلاقات المختلفة بين العناصر الادبية والمسرحية في العروض دون ان يغلب احدها على الاخر او يتجاهل أي عنصر من العناصر.. ولكن عند التعرض بالكتابة لعرض من العروض في ضوء هذا المنهج تظهر ما تسمى بمشكلة (غرابة المصطلح) ولقد تعرضت انا شخصيا للنقد من بعض النقاد الذين يتمتعون بالكسل الذهني, والذين يرفضون دون مناقشة ان يتخلوا عن منهجهم الانطباعي الصرف القديم, وان يرهقوا انفسهم في اكتساب مهارات تقدميه جديدة.. وكان سبب الهجوم على تحليلي لعرض (رقصة العلم) الذي قدم في القاهرة وكانت كتابتي عنه تحليل نشر بمجلة (المسرح) القاهرية المتخصصة.. ولم اتردد في استخدام بعض المصطلحات الجديدة مع مراعاة شرحها ولكن الناقد الذي هاجم هذا الاتجاه كان يتصور ان على المجلات المتخصصة ان تتناول العروض بنفس الاسلوب السطحي الذي تتم به المتابعات الصحفية البسيطة في الجرائد اليومية والمجلات الاسبوعية. تجربة شخصية هذا يقودني الى سؤالك عن مناهج النقد.. هل منهج الناقد المسرحي المتخصص في تناول عرض مسرحي على صفحات مجلة يختلف عن تناوله لنفس العرض على صفحات مجلة اخرى؟ من واقع تجربتي الشخصية البحتة اؤكد لك ان لكل ناقد منهجا واحدا يلتزم به في كل كتاباته.. ورغم ذلك فلكل ناقد عدد من مستويات الخطاب, اي مستويات اللغة بساطة او تعقيدا.. انني ـ مثلا ـ عندما اكتب متابعة لعرض مسرحي في مجلة اسبوعية ـ كما يحدث كثيرا لا اتخلى عن منهجي الذي ذكرته من قبل.. لكنني اتجنب استخدام المصطلحات الغربية التي لا يفهمها غير المتخصصين.. واعمد الى استخدام لغة بسيطة سهلة تشرح عناصر العرض المسرحي للقارئ بحيث يدرك ادق تفاصيل العرض وتشكيله العام. لكني: عندما اكتب لمجلة متخصصة في المسرح تخاطب المسرحيين والمثقفين, فإنني اعطي لنفسي الحق في استخدام بعض المصطلحات التي بدأت تشيع مع شرحها ـ كلما امكن ـ وذلك لاعتقادي اننا في حاجة لأن نروج هذه المصطلحات على الساحة النقدية. لا يوجد تعسف * لكن المناهج الاوروبية عندما نطبقها على نصوصنا الابداعية.. الا يوجد في هذا تعسف وعدم انصاف للنص العربي؟ ليس هناك اي تعسف في الاستفادة بصورة انتقائية من المناهج النقدية الاوروبية الحديثة, ذلك لأن هذه المناهج تنحو الى العلمية والموضوعية بصورة كبيرة وتحاول في مجموعها ان ترصد وتحلل بناء النص ومستوياته اللغوية.. سواء كانت اللغة مرئية او مكتوبة.. وتبتعد في مجموعها عن التقييم التقليدي المتعسف. ان النظرة العامة الى النقد في اوروبا وامريكا الآن تميل الى اعتبار النقد دربا من الابداع استنادا الى النظرة الى النص الفني باعتباره رسالة مشفرة CODEO والنظرة الى القارئ باعتباره مساهما في انتاج دلالة النص.. لقد تخلى النقد الحديث عن النظرة السلبية باعتباره متلقيا لمعنى او لدلالة ثابتة وكامنة ومستقرة في النص الادبي وعلى هذا تحول النقد الى درب القراءة الكثيفة, الابداعية والتي تساهم في ابداع معنى النص. القاهرة خالد محمد غازي