قبل حرب يونيو, كان سعد الله ونوس يكتب مسرحا للقراءة فقط, وظل ـ على حد تعبيره ـ يكتب مسرحيات, وليس في ذهنه اي تصور لخشبة المسرح, ولعل هذا كان وراء الذهنية التي صبغت تجاربه المسرحية السابقة, والتي وجه اهتمامه فيها الى تصوير ما يمكن تسميته بأزمة الانسان المعاصر ـ او ازمته هو شخصيا ـ النفسية والفكرية, ومحاولة تصوير نزعات النفس الرومانسية والوجودية. وجاءت حرب يونيو, ليكتب في اثرها عمله المسرحي الذائع (حفلة سمر من اجل 5 يونيو), وهي مسرحية تمثل تجربة مميزة (فنيا وموضوعيا), في رحلة سعد الله ونوس المسرحية, حيث اتجه بعدها الى التراث, ليكشف من خلال توظيفه, ارتباطه بالبيئة العربية في ابعادها السياسية والاجتماعية. ولعل ما يمنح تجربة حفلة سمر ونوس هذه الغرابة والتميز, هو اعتمادها على الارتجال كقالب فني للتجربة, وهو قالب غير شائع في الطرح المسرحي العربي, الذي يتجه فيه المؤلف ـ عادة ـ الى الجمهور بفكر واضح لينقله اليه (باستثناء بعض التجارب المسرحية, ليوسف ادريس وغيره). واضافة الى لجوء سعد الله ونوس الى الارتجال كقالب فني, فإنه اختار التناول (التسجيلي) لموضوع الهزيمة, وكأنه اراد ان يتضافر الشكل والمضمون ليقدما معا عملة واحدة تؤكد ارتجالية الحدث, او ارتجالية التعامل معه, او لنقل حتى ما مثله من مفاجأة للجميع, اضافة الى الرغبة في محاسبة/ ومحاكمة المسئولين عن الهزيمة, والذين يعانون نتائجها, على اختلاف اتجاهاتهم واحجامهم, ولذلك يكتب سعد الله ونوس في الصفة الاولى, وتحت عنوان المسرحية مباشرة: (يشترك فيها الجمهور والتاريخ والرسميون وممثلون محترفون) . ويكتشف العنوان, باعتباره بوابة للعمل, هذا كله, حين يجعل المحور الرئيسي (حفلة سمر) وحين يجعل المناسبة (5 يونيو) ليلمح الى المحتوى, وهو ما تسفر عنه عادة حفلات السمر من احاديث متنوعة المجالات والاتجاهات, تتسم بالعفوية والارتجالية, وهي رغم ذلك لا تخلو من مغزى, اذ يخدم ـ بدوره ـ فكرة الارتجالية التي تخيرها الكاتب قالبا فنيا لمسرحيته. في الملاحظات التي دونها المؤلف في بداية المسرحية, يمكن ان نتبين بعض سمات الخلل في الواقع الذي يطرحه المؤلف بشكل ساخر, وذلك برصد احد وجوهه المسرحية, فيبين: (كما هو الحال في بلادنا, المخرج في هذه المسرحية هو في الوقت نفسه مدير المسرح والمخرج فيه, استطيع ان اضيف بأنه ممثل, وبأنه مسئول, وبأن لحضوره امتدادا اوسع وابعد من خشبته او بناء مسرحه) . يحدد ونوس نوع المسرح الذي تعرض عليه المسرحية/ الحفل, كما يحدد نوع الجمهور الذي يحضره, ويحدد الزمن في وضوح, مسرح رسمي يدعو الجمهور لمشاهدة مسرحية (صفير الارواح) تأليف الكاتب المسرحي عبدالغني الشاعر, هناك ليلة الافتتاح, الليلة التي تجرى فيها احداث مسرحيتنا, ثمة دعوات تقليدية للرسميين, وأعمدة السلطة, وكذلك دعوات تقليدية اخرى لعدد من اللاجئين, ومواطني الدرجة الثالثة, بمثل هذه الدعوات الاخيرة, تموه عادة الاوضاع القائمة ملامحها وحقائقها الجوهرية. تبدأ احداث المسرحية بتأخير بدء العرض المسرحي, رغم امتلاء المسرح بالمشاهدين, ليتوالى تساؤل الجمهور, ثم اندهاشهم, ثم غضبهم, ليظهر المخرج على خشبة المسرح ليكشف للحضور انه وقع ضحية موقف لئيم من المؤلف, الذي استعاد ـ في اللحظات الاخيرة ـ نصه المسرحي: (فكرت بأن افضل ما افعله هو ان اتعاون مع احد الكتاب لتأليف نص يستلهم موضوعه الاحداث الاخيرة.. فعلت ذلك من قبل.. تعاونت مرارا مع عبدالغني الشاعر, وكنت مخطئا احب العمل معه.. ما اقسى الغدر, وما اقسى الضربات التي يكيلها الاصدقاء!. ويتم تقديم مشهد حي, يجسد فيه ونوس, من خلال المخرج, اسباب الخلاف بينه وبين المؤلف, بأمانة وموضوعية, وحتى يحقق ونوس للعمل المزيد من الاثارة والواقعية ـ رغم ما فيه من ذهنية تنعكس على الحوار ومستوياته بدرجة ما ـ وحتى يشرك المتلقي فيما يطرحه من افكار, يعلن المؤلف الاصلي (عبدالغني ناصر) عن وجوده بين الجمهور, وينتقل ـ تبعا لذلك ـ الى خشبة المسرح للتعبير عن نفسه بصوته هو بدلا من الممثل الذي يؤدي دوره, ليطرح وجهة نظره في الخلاف, بجوار مخرج العرض, فيكتسب المشهد حيوية تدفع عنه ذهنية الخلاف وثرثرته. ويلجأ ونوس الى حيلة فنية, وهي (المسرح داخل المسرح) , فأثناء الخلاف النظري بين المؤلف والمخرج يجرى عرض للمشاهد المسرحية, التي تعتمد في بطولتها على رجال السلطة العسكريين, والجماهير, ومن خلال ذلك يتم الافصاح عن تصور السلطة للشعب وموقفه من الهزيمة, كما يتم بيان رد فعل الجماهير ازاء الحدث, كما يكشف ونوس رفض الجماهير لما تبثه وسائل الاعلام الرسمية. وفي الحوار يعمد ونوس الى التعامل مع التراث, رغم التقنية الارتجالية للعمل, ليفضح من خلاله خواء المخرج/ السلطة, وفساد تصوراتها, في الكثير من السخرية المرة: المخرج: .. ارى ان يظل للموقف بعد روحي, ان الجندي الثاني سيجيب. الجندي2: لا تجدف.. فماذا يمكننا ان نفعل اذا فقدنا عون السماء الجندي3: في القديم امطرت السماء على اعدائها حجارة من سجيل. الجندي1: وطيرا ابابيل. الجندي4: واليوم على رؤوسنا تمطر الحجارة والطير الابابيل (بغضب) لكن لا افهم معنى لهذا الهدوء المفاجئ, الانذال, ما الذي يدبرونه ايضا؟ الجندي1: هل رأيت مدرعاتهم؟ انها الشياطين ذاتها. الجندي3: واسلحتهم الاخرى.. انها كأعمال السحر. الجندي1: (بعد فترة) الحسابات مخيبة!. نحن اذن.. لسنا امام حدث سياسي انفعالي فحسب, كما ذهب البعض, وانما نحن امام محاولة ـ لا تخلو من عمق, ولا تخلو تجربتها الفنية وتقنياتها من ثراء ـ لتعرية الذات, في بعدها الثقافي الاتكالي, ولا يمالئ ونوس الجماهير, بل يبدي اندهاشه من مواقف بعضهم, ويشير الى السلطة في الوقت نفسه, فنراه يقول على لسان المؤلف (عبدالغني) : (بعد واحدة من تلك الغارات خرجت الى الحارة, شعرت برجفة اذ رأيت كل شيء في مكانه, الناس يتبادلون من الكلمات ما كانوا يتبادلونه, ويفعلون ما كانوا يفعلونه, والشوارع مازالت كسلى تتلوى بين البيوت) وفي تهكم مرير يرد متفرج من الصالة على هذا الاتهام: (كنا ننفذ الاوامر العليا) . وفي المرحلة الاخيرة من المسرحية, ينمي ونوس الصراع, اذ يرجع البعض اسباب الهزيمة للتعتيم الاعلامي, وعدم الاستعداد, ويشترك كثيرون في النقاش, او فلنقل الجدل, لتنتهي المسرحية, بأن تحكم السلطة قبضتها على الوضع, وتلقي القبض على كل من على خشبة المسرح, عدا المخرج, ويتم القبض على المؤلف, حيث يصرخ المخرج: (اجل هو بداية البلاء.. البلاء ذاته) , وترفع السلطة حجتها الفضفاضة التي لا تخيب ابدا, فيصرح الرجل الرسمي: (نحن امام مؤامرة لا نعرف بعد وسع ابعادها) . (المسرح داخل المسرح) , واسقاط الحائط الرابع, من خلال المسرح الارتجالي, يشير الى مرجعيات برختية, بل ان العمل كله, حفلة سمر (يذكر بمسرحية براندللو الذائعة: (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) . واذا كانت تلك هي (التيمة) المسرحية التي تخيرها ونوس ليصب خلالها تجربته, فإن ذلك قد انعكس على الديكور في المسرحية, فنجد في البداية (الصالة مضاءة, المسرح مضاء ايضا وبلا ستارة, تتدلى في مقدمته لوحة سوداء كتب عليها: (في تمام الساعة التاسعة الا ربعا من صباح الخامس من يونيو عام 1967 شنت اسرائيل..) . واثناء العرض يتم وضع الديكور المناسب للحدث, فنجد احد الممثلين يدخل حاملا كرسيين يتبعه اخر يحمل صورتين واحدة لموليير والثانية لبيكت.., ويتغير الديكور بعد ذلك تبعا للمشهد وهو ما يتناسب مع تقنية المسرح الارتجالي. (ليس في هذه المسرحية شخصيات بالمعنى التقليدي) هكذا صدر ونوس مسرحيته, واضاف ان الشخصيات مجرد اصوات ومظاهر من وضع تاريخي معين, انهم يعكسون مواقف وانتماءات فكرية, وبالتالي لم يطرح ونوس لهم اية ملامح او ابعاد بدنية او نفسية, انه يذكرنا بمسرح توفيق الحكيم الذي كانت الشخصيات فيه رموزا لأفكار. والحوار ـ عصب المسرحية ـ تأثر بالارتجالية ايضا, ويمكن رصد اربعة مستويات للحوار, مستوى للمخرج والمؤلف وحوارهما, وقد جاء مكثفا وقصيرا وحاسما, ومستوى للمسرحية التي تعرض داخل المسرحية, وهو مستوى عال من الحوار, جاء ليؤكد عمليا اعداده المسبق للمسرح, ومستوى للجمهور, وهو يتصف بالمباشرة ويفتقد التكثيف ثم مستوى الصوت الرسمي, ويتميز بالحدة والحسم والخطابية, فجاءت مستويات الحوار متلائمة مع مضمون المسرحية. ولا يمكن لقارئ حفلة سمر ان يغفل مرجعيتها البريختية, خاصة في مشاهد نصب الديكور التي جاءت لتسقط الايهام, وتضع الجمهور في قلب اللعبة ايضا, مع الاشارة الى ان موقف الممثل في حفلة سمر ليس ذا مستويين, كما يفترض ان يكون في المسرح البريختي. ولكننا على اي امام عمل مفتوح على نوافذ من الجدل السياسي والفكري والفني, كان بمثابة مرحلة انتقالية في تجربة ونوس بين المسرح الذهبي والتاريخي. كتب مشهور فواز