تعتبر ظاهرة منع الكتب ومصادرتها واحدة من اقدم قضايا التضييق على الحريات وقمعها, على حريات الافراد في التعبير عن آرائهم والمجاهرة بها في اي وقت ومكان يختارانهما. وعلى حريات الجماعات في الافصاح عن مكنوناتها الفكرية على اختلافها، ونشرها فالى اليوم لاتزال بعض الانظمة تقيد حرية التعبير عن الرأي ولاتزال بعض الدول الى يومنا هذا تمنع طباعة اي كتاب او منشور قبل ان يخضع لرقابة اجهزتها. ولاتزال بعض المجتمعات الى ساعتنا هذه على موقفها في عدم نقاش اليقينيات المتجذرة في الوعي واللاوعي واي تعامل جدي وجدلي معها يعتبر على انه ـ دق بالمقدسات ـ وتجاوز للمحرمات ويأتي في طليعة هذه المجتمعات مجتمعاتنا العربية الرازحة ومنذ قرون من الزمن تحت ضغط التحريم والتحليل وبخاصة تحليل قراءة هذا الكتاب وتحريم قراءة ذاك. وهذا الضغط لم يقف عند عصا التحليل والتحريم لقد زاد ثقله لما انزل بعض الانظمة والمراجع اوزانا اضافية على الكتاب بناء على تقارير صادرة عن اجهزتها المختصة لان المخطوط الذي لم يصبح بعد كتابا منجزا يمس مفاهيمنا وتقاليدنا. كما حصل لرواية الكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ (اولاد حارتنا) التي منعت من الطباعة في مصر لتطبع في مطابع بيروت. والتي تمثلت ايضا بمصادرة هذا الكتاب الذي اصبح منجزا ومتداولا في المكتبات وبعد ان مر على اعين الرقيب الذي فاته حسن التقدير (وهو ليس حسنا بالمعنى المجرد بل سوء بمعنى حرية النشر والتعبير) الذي فاته ان مضمون النص اي نص (يتطاول على الثوابت واليقينيات وعلى الخطوط الحمراء, فبهذه التهمة صودر كتاب (نقد الفكر الديني) للباحث السوري صادق جلال العظم. وبالتهمة ذاتها صودرت كتب المفكر الليبي الصادق النيهوم والمؤسف ان المصادرة تمت في بيروت التي كانت الى يومنا هذا منارة الحرف والكلمة والكتاب على ما قيل ويقال لنا عن بيروت قبل ان تبدأ حرب اقتحامها وتدميرها من قبل جهات لا حصر لها والتي قامت بدورها بمصادرة كتاب (حديقة الحواس) للشاعر اللبناني عبده وازن تحت ذريعة ان مضمونه خال من الحشمة وفيه من الجرأة بالتعامل مع المرأة ما يسيىء الى الذائقة العامة ويضر بها. وهي تهمة ما ان تختفي حتى تطل برأسها من جديد مثل الحية التي تحسن التلطي والكمون لتنقض على الفريسة في لحظة مباغتة وهكذا باغتت حية الرقابة رواية (سفر الحنين الى القمر) للكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي في الستينيات وحية الرقابة هذه لا تهتم كثيرا بشكل الفريسة ولونها, ما تهتم به هو طعم الفريسة, وفريسة الانظمة والمراجع هي الكتاب الذي يجرد الحقيقة ويعريها اكانت هذه الحقيقة, حقيقة المعتقدات الدينية وكيفية التعامل النقدي معها ككتب نصر حامد ابو زيد التي كفر جرائها وهو الباحث الاسلامي المتعامل مع المعتقدات من الداخل دون تجن اوشك بالخالق عز وجل وغايته حث العقل على البحث وما تعرضت له كتب ابو زيد تعرض له كتاب (في الشعر الجاهلي) للكاتب الكبير طه حسين الذي اراد من خلاله وضع الامور في ميزان الحقيقة. والقمع ذاته تعرضت له كتب الصادق النيهوم (الاسلام في الاسر) و(الاسلام ضد الاسلام) وغيرها من كتبه التي فيها نقرأ حقيقة الاسلام المسنود الى وقائع واثباتات وما يقبله العقل وما يرفضه ايضا. الضحية واحدة, انه هذا الكتاب المسكين قنديل المعرفة الذي بسببه نفي الفيلسوف العربي ابن رشد قبل اكثر من ثمانية قرون من يومنا هذا. فابن رشد دعا الى تشغيل العقل وكان قريبا من امراء المؤمنين الذين تعاقبوا على الخلافة الاسلامية. منهم من قرّبه اليه ليشرح له الفلسفة اليونانية ومنهم من ابعده وأذله الى ان اتخذ قرار ترحيله من قبل الحاكم المنصور جراء وشاية, رغم ان الثابت عن ابن رشد سعة علومه ومعارفه التي سخرها في خدمة الحياة النظيفة من المطلقات اليقينية والخزعبلات, النظيفة من الممالقة ومدح الفارغين للسلاطين وهنا بيت القصيد بشأن الكتاب, القنبلة الموقوتة والخطر الكامن, والبعبع السام الذي تغلق الحدود في وجهه وتنصب له الكمائن ويوضع مؤلفوه على لائحة القتل مثل نجيب محفوظ. ومنهم من اتخذ بحقه قرارات لا تقل تعسفا عن قرارات القتل كقرار النفي والسجن مثلما حصل مع غالب هلسا وعبداللطيف اللعبي وعبدالقادر الشاوي وصنع الله ابراهيم... عشرات الاسماء الاخرى. الأمور ضبابية د. روحي بعلبكي أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين يرى انه في الجواب على هذه القضية المثيرة نفاجأ دائما ان الجهة التي تتخذ قرار المنع غالبا لا تقرأ ما تمنع مما يضاعف جريمتها اولا, في اقدامها على اتخاذ مثل هذا القرار الاعتباطي. وثانيا في عدم اطلاعها على مضمون الكتب التي تمنعها او تصادرها, وثالثا في مصداقية الجهة المانعة التي احيانا تأخذ قرارا بمنع هذا الكتاب او مصادرته وبعد مدة تتراجع عنه. وعليه كيف تريدنا هذه الجهة ان (نحترم) قراراتها التي نعتبرها انها نوع من الانفصام في شخصيتها الرقابية كيف تريدنا ان نصدق المبررات والحيثيات المرفقة بقرار المنع والمصادرة على الرغم من تحفظاتنا المسبقة على مثل هذه القرارات المتسرعة فدائما توقعنا الجهة المانعة فيما نخشى الوقوع فيه, اي دوامة الفراغ والتردد والضبابية متمثلة في القرارات التي تتخذها والاخطر من ذلك ان الحرية الكتابية والابداعية والصحفية تصبح معطلة او مرجأة بقرار ممن يستطيعون ايقاف النشر ومنع تداول الكتاب وحظر مناقشة الاراء والافكار من خلال قراراتهم المتسرعة ومن خلال اقفالهم اقنية النشر والمعلومات التي يجمع العالم المتحضر بأسره على ضرورة فتحها وتعميمها على ضوء اقرار المجتمعات والمنظمات الاهلية والمؤسسات الثقافية والحقوقية بضرورة تدفق المعلومات سمة الديمقراطية الاساسية الحقة في العصر الراهن. اننا نشهد من وقت لاخر اغتيالات للقواعد والمعايير المتعارف عليها لحرية الرأي والتعبير والفكر. ولذلك ادعو الى إعادة نظر جذرية بوسائل التعامل مع الكتب وبانماط استشراف القضايا التي تطال المجتمع. وباعتماد نظرة ديمقراطية تحررية يكون جوهرها التفاهم على اننا لا نسمح بسماع الرأي الذي يعجبنا بل ان نتيح الفرصة لسماع الرأي الذي لا يعجبنا. كل ذلك من اجل ان نعطي لحرية التعبير مضمونا عمليا ولكي لا نقضم المرة تلو المرة رأي الاخر بتوقيفات وتكميمات في عصر لم يعد يحبذ فيه كم الافواه على نحو عشوائي. بل في عصر لم يعد مقبولا فيه التعامل مع المعرفة وكأنها قنبلة موقوتة وبديهي القول ان حرية الرأي تخضع للنظام العام والقانون وكلا هذين المعيارين لا يغترفان لا بالاستنسابية ولا بالتعسف ولا بالكبت ولا بالعيش في القرون الوسطى. ان سيادة لغة الحوار بين مختلف الجهات هي الاسلوب الامثل للتعامل بين السلطات القابضة على قرارات المنع والمصادرة وبين الكتاب والمبدعين الذين لهم الحق كل الحق في كتابة ما يريدون قوله ولهم الحق كل الحق في التعامل الابداعي مع اي مسألة يرونها مناسبة للغوص والتفكيك والنقد وحتى النقض. يبقى ان نقول ان السيف الذي يتهدد حرية الكاتب والكتاب مستنكر بالقدر ذاته الذي هو مدعو فيه (اي السيف) الى الغاء لغته واسلوبه في التعامل مع منتجي الثقافة والمعرفة وتاليا مع واسطتها الاولى, الكتاب. كبح لتطور المجتمع جوزيف أبوعقل عضو مجلس نقابة الصحافة في لبنان يرى ان منع الكتاب ظاهرة غير صحية بتاتا في مجتمعاتنا. ويجب ان يسمح لكل الاراء اية اراء ومهما كان موقف الاخر منها الاخر فردا وجماعة وسلطة ومرجعا مهما كان موقفه منها ان يسمح لها ويستمع اليها ويصغي ويحاور ويناقش. اي ان نطلق الحرية بالتعبير عن هذا الرأي او ذاك. لا بل يجب ان تقدم المساعدة لنشر هذه الاراء والافكار والمفاهيم. وكل قرار منع سواء كان اداريا او دينيا او سياسيا او لاي سبب كان هو قرار تعسفي. ويسيء اول ما يسيء الى الجهة التي اتخذت القرار. لان منع الفكر من ان ينشر بمثابة جريمة. ان منع الافكار والاراء منعها في النشر والانتشار لا يؤدي الى التخلي عنها وتحديدا من قبل حاملها انما يؤدي الى ادانة المانع. فالمانع والحال هذه يكون في موقف ضعف تجاهها او في موقف ضعف لدحضها. الاراء يجب ان تخضع لعملية نقاش لتبيان صوابها او خطئها. من اجل اقامة حد من الصوابية او الخطأ يساهم في خلق قناعة مشتركة لدى اي فريقين مختلفين على اي قضية من القضايا وفي الوقت الذي نفهم (لا اقصد نتفهم) نفهم فيه دوافع من هم في موقع سلطة المنع اكانت سياسية او دينية او خلافهما. فلا يمكن ان ندرج المنع الا في خانة الدفاع الخاطئ عن الرأي الخاطئ وعن السياسة الخاطئة وعن السلوك الخاطئ وتاليا عن الثقافة الخاطئة. ان المجتمعات التي تعيش حالة صحية لا يمكن ان تتطور وتواكب التقدم العلمي والحضاري والانساني الا بمشاركة واسعة من شعوبها ومنهم بالذات المتنورون والمثقفون واصحاب الرأي. ان منع الكتاب او مراقبته هو بحد ذاته كبح لتطور المجتمع ومصادرة لحرية الناس ونحر للديمقراطية لان الحرية والديمقراطية كل لا يتجزأ فعندما تقمع الديمقراطية في ميدان فهي حكما مقموعة في كل مجالات الحياة الاجتماعية. وليس من الصدفة ان تكون ظاهرة منع الكتب لاتزال موجودة في البلدان المتخلفة. الخطر مسألة ذاتية د. موسى وهبة مدير تحرير ملحق (نهار الكتب) يرى ان الخطر مسألة ذاتية. احساس قد يكون صحيحا او خاطئا من الناحية الموضوعية, بهذا المعنى وحسب كل الاشارات يبدو ان الكتاب مازال يشكل خطرا فعليا بالنسبة الى بعض الانظمة والسلطات المدنية, بدليل انها ما زالت تمنعه او تصادره او تحاكم كاتبه ومنتجه. اكثر من ذلك, تعتقد معظم الانظمة العربية, ان الكلمة المكتوبة لها فعل السحر ربما كان هذا الاعتقاد راسخا في وعينا العربي اللاوعي. ولذا تهتم هذه الانظمة بالرقابة وتتقن فن منع وصول الكتاب وانتشاره, او مجرد وقوعه تحت اعين السكان حتى لا اقول (المواطنين) لان كلمة مواطنين تستدعي حقوقا وواجبات وهي شبه معدومة. لكي تحميهم (نفسها) من خطر التحرر بالفكر او بالقول. تقيم السلطات اذا, سياجا منيعا بين الكتاب والقارئ العربي تمنع كل جديد ولافت او مثير للقلق او داع للتفكير في يقينياتنا الثقافية وبلادتها. اقول ان الشعور بالخطر امر ذاتي. ولا اعرف ما اذا كان الكتاب يشكل خطرا موضوعيا او فعليا, لكن مصادرته ومنعه هما بالتأكيد ضمانة لاستمرار البؤس والسفاهة والبلادة, لكأنما سلطات المنع تحمينا من الدخول في العصر. وتفرض على الكاتب العربي سياسة القهر والذل. فالى مئتي مليون عربي يتقن القراءة منهم عشرة ملايين على الاقل لا يصل الكتاب الى اكثر من ثلاثة الاف قارئ في حده الاقصى. في هذا المنظار تبرر السلطات وجودها بمنع الكتاب اي بمنع تداول خلاصة حضارات البشرية. فهي ليست فقط لا تفعل شيئا لدعم انتشار الكتاب ولا ترسم سياسة تدعم من خلالها الكتاب والمبدعين بل تمعن في اضطهاد من يكتب وفي افقاره وعزله وربما في قتله. قد يكون هذا الوضع البائس ميؤوسا منه لكن رغم الكارثة لا ازال متفائلا بمستقبل للكتاب العربي قد يبدأ هذا المستقبل باعلان عيد الكتاب العربي السنوي فيتهادى الناس الكتاب بدلا من ان يتهادوا الزهور, لعل في ذلك بداية لعصر جديد. حدود ومعطيات الناقد أحمد بزون اشار الى أن الكتاب ليس شيئا مستقلا عن مضمونه فهناك كتب تشكل خطرا على من تنتقد وتنقض واخرى لا تمس رموزا او حكومات او مؤسسات او ايديولوجيات او اخلاقا, اما الكتب التي تمنعها الحكومات, فهي تلك التي تلامس حدود التحرر من السلطات ومعطياتها وافكارها وثوابتها وقد اعتاد اصحاب دور النشر والمؤلفون مثل هذه الاجراءات التي تضع سدوداً امام الكتاب, الذي يتوقف عند حواجز كثيرة ويحتاج الى اجازة مرور مثله مثل المؤلفين هم انفسهم. كل بلد له ثوابته والافضل الا يفكر الكتاب العرب باجازات المرور اثناء الكتابة لانها على كثرتها في البلدان العربية كفيلة بالا ينشر شيء او يكتب حرف له معنى, فالكتابة ذات المعنى هي تلك التي تدعو الى التقدم ومواكبة العصر, اي الثورة على المجتمع وثوابت السلطات وحدود الدول وهي كتابة ممنوعة سلفا. ان مسألة المنع والمصادرة مرتبطة بتكرارها بقضايا المجتمعات العربية وازماتها. ولا يمكن ان تتوقف قبل ان تتطور الانظمة وهذا يحتاج دائما الى جهد تغييري من قبل المثقفين اصحاب المصلحة في التغيير. بيروت علي سرور