مفارقات مؤلمة بين حياة الفنان وإبداعه تنتهي دائماً برحيل مفاجىء, وسرعان ما يكتشف المجتمع اهمية من رحلوا او غابوا باجسادهم عنا لتبقى ابداعاتهم خالدة, وشاهد عيان على معاناة حياتية عاشها هؤلاء ليثروا حياتنا باعمالهم الابداعية والفنية. وعبد الحكيم قاسم (1990-1935) واحد من هؤلاء الكتاب الذين انصهرت احاسيسهم في بوتقه الابداع, فهو من كتاب الجيل الذهبي (الستينيات) الذي وضع بصمته الابداعية في جميع مجالات الادب والفن. ولد عبد الحكيم قاسم في قرية صغيرة من قرى مصر (البندرة ـ بمحافظة الغربية بمصر) تلك القرية التي كان يباهي العالم بها, ويعتبرها مركز الكون, ويدعو اصدقاءه من شتى بقاع الارض لزيارتها والتجوال في حواريها وشوارعها التي شهدت ايام طفولته وصباه. لم يغادر عبد الحكيم قريته الا لاستكمال دراسته في جامعة الاسكندرية حيث درس الحقوق وحصل على الليسانس عام 1966, وسافر الى برلين في يناير 1974 وانتسب لمعهد العلوم الاسلامية بجامعة برلين الحرة, وبدأ عبد الحكيم في اعداد رسالته للدكتوراة عن ادباء الستينيات في مصر. يقول الكاتب الراحل عن تجربة اغترابه: كانت تجربة ثرية في حجم اضافاتها الى حياتي, وانا ارى ان العالم مصنوع من حضارتين, الشرق والغرب, وعندما رأيت حضارة الغرب بكل ما فيها, اعطتني سعة افق لاحد لها, اصبحت ارى العالم بحقيقته, لكني اعترف اني منحاز للشرق. عاشق النثر يقول الناقد د. محمد برادة: لقد كان قاسم ذا طبيعة منفعلة شخصيا وروائيا, ولكن انغماسه في وصف تفاصيل العالم القروي, يبدو وكأنه حال دون ظهور هذا الانفعال فهذبه بدلا من ان يبدو صارخاَ مباشراً. وقد بدأت لحظات الاكتشاف في سن مبكرة, وادرك قاسم ان الكتابة قدر لا مفر منه, فقد كان شغوفا بموضوعات الانشاء التي يأخذها في المدرسة, فمرة يكتب قطعة نثرية ومرة يكتب ابياتا من الشعر. يصف قاسم تلك المرحلة بقوله: عرفت الفرق بين تلك الاجناس الادبية, وعرفت الكتابة في خطاباتي التي كنت اكتبها الى اقاربي واصدقائي نعم بدأت رحلتي مع الكتابة للآخرين من خلال خطاباتي اليهم, والحقيقة ان هذه الخطابات كانت محاولة لفهم مشاعري, وبدأت اعرف انني قوال, احمس الناس, ويتحمسون لي... ورغم كتابتي للكثير من الشعر الا انني كنت ميالاً وعاشقاً للنثر. ويضيف الراحل: وقد نشرت اشعارا وقصاصات من تأملات في مجلة الحائط بكلية الحقوق بجامعة الاسكندرية وكان هذا اول لقاء لي مع الجمهور, وكنت اتردد على ندوة حسين القباني صباح كل جمعة في كازينو على النيل في منيل الروضة بالقاهرة, وهناك قرأت قصتي الاولى, وتقدمت بقصص قصيرة لنادي القصة الا انها رفضت, فقررت الا اشارك في اي مسابقة بعد ذلك! ايام الانسان نشر عبد الحكيم قاسم قصته الاولى في مجلة (الآداب) البيروتية عام 1965, ليتتابع النشر بعد ان فتحت المجلات الادبية صفحاتها للكاتب الشاب الذي اصبحت اعماله محل تقدير وحفاوة عدد من الاساتذة امثال يحيى حقي وغالي شكري, وفاروق عبد القادر ورجاء النقاس, وعبد الفتاح الجمل وغيرهم. واقترنت اعمال قاسم بتفاصيل العالم القروي, وكانت اولى اصداراته روايته الرائعة (ايام الانسان السبعة) والتي صدرت عام 1968. وقد احتفى النقاد بالرواية فور نشرها, واعتبروها مرجعية هامة للريف المصري بعاداته وطقوسه الخاصة, واضافة لكتابات عبد الرحمن الشرقاوي ومحمد عبد الحليم عبد الله في هذا المجال, ويقول قاسم: كان وراء نشر روايتي الاولى ثلاثة اشخاص هم: صلاح عبد الصبور وسهير القلماوي, واسعد حليم, وقد كتب صلاح عن روايتي كتابة رائعة اعدها من افضل ما كتب عنها. ويكشف الكاتب الراحل عن سر تعلقه بعالم القرية بقوله: ان كتابتي عن القرية نوع من كشف الواقع وتحريكه, فالعلاقة بين العالم الروائي والقصصي وعالم الواقع علاقة حميمة, ولا يمكن ان تنفصل ابدا عن الواقع... حتى اللغة التي يتعامل بها الاديب تنبت من الواقع, تكتب بها للناس, وهم ابناء الواقع, فهم يفهمون طالما هي مستمدة من حياتهم, ومن واقعهم, ومن هنا فالعلاقة بين العالم الواقعي والعالم الروائي علاقة لا تنفصل... ومن هنا اكثر اعمالي تدور حول القرية, ذلك العالم الذي عرفته وعشقته. وبعد الرواية الاولى كتب عبد الحكيم قاسم عدة اعمال هامة تراوحت بين الرواية والقصة من بينها: قدر الغرف المقبضة (رواية) , محاولة للخروج (رواية) سطور من دفتر الاحوال (قصص) , رجوع الشيخ (قصة) ,الديوان الاخير (قصص) , الاشواق والاسى (قصص) . كما كتب العديد من المقالات النقدية التي تناولت ما يعتمل داخل الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي, وكان الراحل يرى ان الحالة الثقافية العربية بشعة!, ويتعجب من هذا العدد الهائل الذي يقذف به في عالم القصة... اسماء لا اول لها ولا آخر.. ينشرون في جرائد ومجلات كبرى ويستمرون عاماً او اقل ثم يذهبون الى طي النسيان وتأتي اسماء اخرى وهكذا... ويصرخ الراحل في إحدى حواراته: هذه مؤامرة يدبرها اناس بلا ضمير ودون ان يتعرضوا لمساءلة او حساب من احد! الحب والجمال عندما قرر الكاتب ان يمارس نوعاً آخر للتعبير لم يسعفه جسده النحيل, وفي ابريل 1987 اصيب قاسم بجلطة مخيفة خلال حملته الانتخابية كمرشح لمجلس الشعب, تلك التجربة التي اراد بها ان يكون لصيقا بالناس دون حواجز, وكانت شعاراته الانتخابية مفعمة بروح مثالية طامحة الى تغيير الانسان ذاته, وتتضمن عبارات الحب والخير والجمال وكرامة الانسان... وهكذا اقعدته تلك التجربة بعض الوقت, لكنه قاوم المرض بعناده واصراره وعاد لساحته الابداعية من جديد اكثر قوة وادهاشا, فقد كتب كثيراً وبغزارة عما كان قبل مرضه. يقول الناقد د. صلاح فضل: ان اعمال عبد الحكيم قاسم الاخيرة لا تكاد تحكي شيئا على الاطلاق, فهو مهموم بالنفاذ في جوهر الاشياء والسعي لتأسيس بنيان فني لا يحاكي الحياة, بل يصنع المواجد الداخلية لشخوصه كحياة بديلة ومستقلة, وقد ساهم تجويده للنص وقدرته الفائقة على نحت كلماته وبنيان جمله على استخراج انبل مواد اللغة لبلورة نسق تلك الحياة الفنية الموازية للحياة الواقعية. وقد رحل عبد الحكيم قاسم في عام 1990, مدركاً ان فقدان الرغبة في الكتابة يهدد الكاتب بالموت لذلك حملت رأسه العديد من الافكار الروائية والمشاريع المؤجلة والتي كانت زادا له, وبقدر اتساع العبارة ضاق الجسد عن الاحتمال. القاهرة: رابح بدير