تمكن عرض (ليلة عشاء بارد جدا) لفرقة مسرح الفجيرة القومي تأليف يعرب طلال, اعداد واخراج حكيم جاسم ان يمد خيطاً رفيعاً نحو جمهور صالة ايام الشارقة المسرحية بلغة اخراجية تمكنت من استغلال فضاء مليء بالمفردات والعناصر الديكورية التي تحركت، وصاغت جملها الداعمة والدافعة لاحداث العرض, المخرج والممثلون والمجموعة وعبر دقائق العرض تدفع بسردية نص هو في الاصل قصة سردية خالية من التمسرح, دفع الجميع هذه العربة بهدوء تام لتشكل فعلاً دراميا يتنامى في المطلق حتى اللحظة الاخيرة التي عبر فيها الجمهور عن حرارة ذلك التواصل بالتصنيف. نجح عرض مسرح الفجيرة القومي بقيادة المخرج حكيم عامر ان يدخل ايام الشارقة المسرحية من باب آخر كانت الفرقة نفسها قد أغفلته في الدورات السابقة, والأجدر ان توجه التحية الى ادارة مسرح الفجيرة التي استطاعت ان تضع الفرقة على أول الطريق الجاد نحو مسرح يؤسس تجاربه على اصول مسرحية طليعية نتمنى لها الاستمرارية. في عرض (ليلة عشاء بارد جداً) تألقت الممثلة العمانية سميرة الوهيبي التي امتلكت حرارة وطاقة كامنة فجرتها في المساحات التي اتيحت لها خلال لعبة العرض وايضا الممثل علي جمال والممثل عبدالحميد البلوشي, واذا كان لابد من كلمة في هذا الاطار فإنه بالضرورة يمكن الاشارة الى ان ادارة مسرح الفجيرة القومي مطالبة أكثر في المرحلة المقبلة بتأسيس فريق تمثيلي ينتمي الى المسرح نفسه للاستفادة من وجود المخرج حكيم جاسم. جدلية (عرض ليلة عشاء بارد جداً) قامت على فضح الخيانة دلالتها المتعددة زوجة تنتقم من طبيب اغتصبها وهي على فراش المرض وزوج يتهيأ لنيل حقيبة منصب حكومي ولايريد لهذا الانتقام ان يتم رغم انه يغسل ذلك العار.. ومرة اخرى تلامس هذه المسرحية في حدودها اطروحات ما سبقتها من مسرحيات في الدورة الحالية لايام الشارقة المسرحية, اعمال مسرحية تنوعت في تناولها فعل السلطة وتقاطعتها. ما في (ليلة عشاء بارد جداً) من مناطق باردة وساخنة جدا. هي تلك اللغة السينوغرافية التي عالج بها مخرج العرض حركة ممثليه وحركة اكسسواراته في فضاء الحدث ليخلق بذلك مجموعة من الحوارات المتوازية والمتقاطعة تتجه بتصاعد مستمر نحو النهاية, لا يمكن ان تتقفل عينك خلال العرض عن ذلك الكرسي المتحرك دوماً ولا عن ذلك السرير, الطاولة, المكتب في آن واحد. ان المرايا التي في الخلف ستدخل بك إلى عمق الشخصيات المتحركة والمتناحرة امامك.. هو عرض يقدم لك الاشارة واضحة ولا يقدمها جاهزة ومكررة. الانتقام, ذاكرة المرأة والبرد الشديد الهادىء الذي يتسلل عبر الانارة (الحمراء والزرقاء. استطاع مخرج (ليلة عشاء بارد جدا) ان يمتطي سردية النص ويذهب بها الى ساحة الفعل فتحرك الشكل وصاغ دلالاته المتولدة باستمرار. تحدث اقصوصة النص في أي مكان واي زمان لكن قد لا تسير احداثها بالرؤية التي ارادها المخرج, ولهذا جعلنا داخل لعبته, ويمكن القول اننا تخلصنا من النص في الربع الأول من العرض لانكشافه في ذاكرتنا, لكن الرؤية الاخراجية تنقذنا مرة أخرى وتربطنا باللعبة نتيجة تلك الدول في الحركة المستمرة لمفرادات الديكور فجعلتنا كمتفرجين نبني نصاً على هوانا مستمتعين بالبصري المتجدد. هكذا استطاع عرض (ليلة عشاء بارد جدا) ان ينتزع منا الحرارة فحولناها الى تصفيق حاد تحية لتلك اللحظات المتدفقة.. لكن كما قلنا تبقى المسألة امام ادارة الفرقة التي اختارت الولوج الى فضاء مخرج متمكن من ادواته المسرحية وقادر على تمريرها لاعضاء الفرقة التي نعتقد انها كانت بحاجة الى هذا منذ سنوات طويلة. المخرج العراقي حكيم جاسم يحيي الامل من جديد في تحول فرقة مسرح الفجيرة الى مساحات اكثر اصالة في المسرح, كما فعل المخرج محمود ابو العباس مع فرقة مسرح دبا الفجيرة ومن هنا نؤكد هذه المطالبة لادارة المسرح ان تعي ما بين يديها وأن تدعم عناصر الفرقة بعناصر جديدة من الدماء الشابة ليدخلوا في ورشة هذا المخرج لدفع الفرقة الى مزيد من التأسيس. العرض الثاني في خامس ايام الشارقة المسرحية لمسرح رأس الخيمة (الف باء) تأليف فرحان هادي اعداد واخراج الفنان خالد البناي قد امتلك صناعة اللحظة الدرامية فهو لا يدخل في تفسيرات ومتاهات فكرية بل يقدم حكمه مبنية على اساس الحلم لا يشيد واقعاً ملموساً لان الحياة تحتاج جهداً ابداعياً حقيقياً خلاقاً. المسرحية تقدم قضية الدكتور عارف الذي جاء باحثا عن وظيفة بعد تخرجه لكنه يصطدم بالواقع الذي يرفض شهادته تتحول دياته الى جحيم وخيبة امل متكررة فيدركه, الحلم في منامه ويدخل طرفا في لعبة فكرية قائمة بين العقل والزمن والسلطة الوهمية على صديقه القرد المعلق في ذاكرته باعتباره نموذجاً للمقارنة الدائمة بين الانسان والحيوان, ومع ان الفكرة فلسفية كبيرة فإنها تخرج بالتالي الى فضاء الواقع لينكسر الحلم وينجو الدكتور عارف من كابوس آخر هو موت العقل وتوقف الزمن. بمساحة هذه الافكار واتساعها استطاع المخرج خالد البناي ان يبني تصوراً كاملا لرؤية الاخراجية فقطع الديكور التي كانت قد مهدت لنا اكتشاف هذا الحلم الثري والزاخر بالمعاني والدلالات الفجة والمباشرة احيانا الى الرمزية المثالية فالعقل هو اساس الحكمة والزمن حقيقة وهمية متصارعة في شعورية كاملة عند الشخصيات وتبادل الادوار بين الحيوان والانسان نقلت المشاهد الى جوهر قضيته, اي انسانيته. قام بأداء الادوار في مسرحية (أ.ب) فرحان هادي في دور الدكتور عارف, عمر بن ظاعن في دور نايم, محمد العامري في دور ساهر ومحمد ديب في دور القرد وفيروز جمعة في دور جوربي بالاضافة الى مجموعة من الاطفال. تغطية: مرعي الحليان ظافر جلود
في اليوم الخامس لايام الشارقة المسرحية ، ليلة عشاء بارد جداً سينوغرافيا ذكية تعبر عن سردية النص ، ألف با تلجأ للحلم في البحث عن خلاص الحضارة
