قدم سيد يسين مساء الاربعاد الماضي في ندوة الثقافة والعلوم قراءة تحت عنوان (في وداع قرن) جال فيها بشكل دقيق وفكري على ابرز وقائع واحداث القرن العشرين, وحاول استشراف ملامح من القرن الجديد. وعرف به د. عبدالخالق عبدالله موضحا انه العمود الفقري لمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وشغل مناصب الامين العام للمنتدى الفكري العربي وله العديد من المؤلفات والدراسات آخرها (العالمية والعولمة) . في البداية اعتبر سيد يسين انه في نهاية كل قرن تدور عمليتان اساسيتان, الاولى محاولة لمراجعة حصاد القرن والثانية محاولة استشراف القرن الجديد. وحول تقييم القرن العشرين تدور خلافات فكرية شتى تحار في وصفه بين الايجابي او السلبي. واستشهد بكتاب عن الموضوع للمؤرخ البريطاني ايريك هو بسباوم بعنوان (عصر النهايات القصوى, وجيز القرن العشرين) , ينطلق من 1914 حتى 1991 ويقول فيه ـ هو الذي عرف مؤرخا للقرن التاسع عشر ـ اجرب ان اؤرخ للقرن العشرين باعتباري مشاهدا وليس متخصصا فحسب. وقد اورد اقتباسات لاثنتي عشرة شخصية تختلف في آرائها, منها كلمة لفيلسوف السياسة ايزايا برلين يقر فيها انه عاش القرن دون معاناة من مصاعب شخصية لكنه لا يتذكره الا بوصفه القرن الاشنع في الغرب. ويقول رينيه ديمو (عالم فرنسي معروف بشئون الزراعة والبيئة) لا اراه الا قرن المذابح والحروب. وتقول ريتا مونتا ليشيني (ايطالية فائزة بجائزة نوبل للعلوم) رغم كل شيء كان هناك ثورات من اجل حياة افضل في هذا القرن, نهضة الصحافة, وتحرر المرأة بعد قرون من القمع ويعلق وليم جولدن (بريطاني حائز على جائزة نوبل في الآداب): لا استطيع ان أنسى أن هذا القرن كان من اكثر القرون عنفا في تاريخ البشرية. ويقول ارنست جومبردج (مؤرخ بريطاني) ان التكاثر السريع لسكان العالم هو السمة الاساسية للقرن العشرين, انه كارثة, مصيبة, لا يسعنا ان نفعل شيئا حيالها. اما يهودي منوحين عازف الكمان المشهور فيورد شهادته موضحا (اذا كان علي ان اجمل القرن العشرين, اقول انه احيا اعظم الآمال التي استوعبتها البشرية وحطم جميع الاوهام والمثل العليا. ويقول سفيرو اخوا الحائز على جائزة نوبل في العلوم ان أهم شيء هو تقدم العلوم الذي كان بحق امرا متميزا هذا ما يميز قرننا. ويقول ريمون فيرس (عالم الانثربولوجيا المعروف) من الناحية التقنية افرد تطور الالكترونيات من اهم تطورات القرن, اما بالنسبة للأفكار فهي التحول من نظرة علمية وعقلية نسبيا للأشياء الى نظرة لا عقلانية واقل عملية. ويقول ليوفالياني (مؤرخ ايطالي): يبرهن قرننا على ان انتصار مثل العدالة والمساواة سريع الزوال دوما لكنه يبرهن ايضا اننا اذا ما حافظنا على الحرية نستطيع ان ننهض ثانية نهضة شاملة, لا داعي لليأس حتى في احلك المواقف. ويختم فرانكوفانتوري (مؤرخ ايطالي) لا يستطيع المؤرخون الاجابة عن هذا السؤال, القرن العشرون بالنسبة لي هو المسعى المتجدد دوما لتفهمه. وقال سيد ان مرد الاختلافات في التقييم هو زاوية النظر لمن يحاول ان يشخص ويحدد السلبيات والايجابيات. والمشكلة حين التحدث في وداع قرن لا تتعلق فقط بالوقائع لأنها معروفة في سجلات التاريخ, انما في كيفية استخلاص الدلالات لأبرز الاحداث والمحصلة النهائية. وحين يمتد الزمن في مرحلة تاريخية مئة سنة نحتاج الى منهج في التقسيم الى فترات ويطلق عليها المؤرخون عملية التحقيب. ويستند المحاضر مرة ثانية الى هوبسباوم الذي قسم القرن العشرين ثلاثيا من 1914 حتى 1945 (نهاية الحرب العالمية الاولى والثانية) ويسميها الكارثة, حيث الحروب والازمة الاقتصادية وظهور النازية والفاشية والمرحلة الثانية من 1945 حتى 1970 ويصفها بالذهبية حيث الثورات وبزوع العالم الثالث ونهوض المرأة وثقافة الشباب وبروز قيادات فتية وعلاقات جديدة بين المرأة والرجل. والمرحلة الثانية يسميها الانهيار من اواسط السبعينيات حتى 1991 والابرز هو انهيار الاتحاد السوفييتي 1989 ومعه الكتلة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة والنظام الثنائي القطبية قابله بزوع نظام الاحادي القطبية حيث هيمنة الولايات المتحدة الامريكية على المسرح العالمي بحكم قوتها التكنولوجية والاقتصادية. وبما اننا عشنا جزءا من هذا القرن يوضح سيد يسين اننا بذلك نحتفظ في الذاكرة بعدد من الوقائع, وثمة فارق بين القراءة عن مرحلة تاريخية او العيش فيها, حيث في الشكل الثاني يتم التفاعل وتكوين وجهات النظر والاسهام في انتاج العهود لأننا كنا ملاحظين ومشاركين وليس مجرد شهود وقد شكلنا القرن حتى بسلوكنا في العالم العربي, مثل تأميم قناة السويس في مصر, وثورة الجزائر واستقلالها, واستقلال الدول العربية وتأسيس الدولة العربية المستقلة, والمساهمة كانت من قبل افراد وشعوب ودول. ويورد الشاعر ت.س اليوت في نهاية احدى قصائده جملة (هذه هي الطريقة التي ينتهي بها العالم, لا بضربة عنيفة بل بأنين البكاء) ويعتبر هو بسباوم ان القرن انتهى بالاثنين معا. ويرى المحاضر ان بداية القرن مختلفة عن نهايته من ثلاثة جوانب اساسية, اولا ان اوروبا لم تعد مركز العالم اذ تناقص الاوروبيون واحفادهم وانخفض معدل الاوروبيين من ربع البشرية الى السدس والى اقلية متقلصة في بلدان محاصرة تحصن نفسها ضد الهجرة من مناطق الفقر. وثانيا انه من 1914 حتى بداية التسعينيات اصبح العالم وحده اساسية مثلما عبر ماكلوهن (ان العالم اصبح قرية كونية) , وبالفعل انه اصبح وحدة انتاج واستهلاك وبدأ ذلك في الحقب الاخيرة للقرن. وثالثا ـ وبحسب هو بسباوم ـ انحلال النماذج القديمة للعلاقات الاجتماعية الانسانية, اضافة الى انقطاع الروابط بين الاجيال اي بين الماضي والحاضر وسيطرة قيم الفردية في الدول الغربية الرأسمالية. وفي تركيزه على الجوانب السياسية قال سيد يسين: ان نهاية القرن الفعلية هي 1989 اي سقوط الاتحاد السوفييتي المدوي الذي ما كان يظن احد انه يمكن ان يسقط يوما, ما عدا باحثة فرنسية واحدة تنبأت بذلك قبل حدوثه بعشر سنوات في كتابها المعنون (انفجار الامبراطورية) وانهيار الاتحاد السوفييتي اثار عدة اسئلة مثل انهيار الماركسية الايديولوجية ام سقوط الشمولية كنظام سياسي. وعبر المحاضر عن معارضته لتعبير (موت الايديولوجية) الذي ظهر في ندوة اوروبية ـ مصرية مؤخرا, فيمكن للانظمة ان تسقط مثلما حصل مع النظام الشمولي الذي لن يبعث مرة ثانية لأنه ثبت فساد الحزب الواحد لأنه مضاد للطبيعة الانسانية, انما الايديولوجية قد تختفي او تضعف او تتجدد لكنها لا تسقط, لو تعلقت بالقيم المرتبطة بالتطور الاجتماعي ويتبناها مثقف ما او نظام ما او مجتمع ما. ولذلك فإن سقوط التطبيق الشمولي والدكتاتوري لا يعني سقوط قيمتي الحرية الانسانية والعدالة الاجتماعية. وذكر مقالا للأمريكي دانييل بل بعنوان (نهاية الايديولوجية) في الستينيات اثار جدلا عاد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وصنف الانظمة السياسية الى شمولي حيث تبتلع الدولة المجتمع المدني, والاتحاد السوفييتي مثالا, وسلطوي حيث السيطرة منقوصة والنظام الناصري نموذجا, والليبرالي حيث الدولة لا تتدخل في الاقتصاد الا بالحد الادنى. ويعتقد المحاضر ان النظم السلطوية المعاصرة سواء في العالم او في الوطن العربي تحارب اخر معاركها, واننا نسير باتجاه التعددية السياسية المقيدة. ويتنبأ ان اتجاه التطور صوب الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الانسان, ويقول اننا نعيش الموجة الثالثة للديمقراطية وهي احد شعارات العولمة السياسية, والخطورة ان الحكم على شرعية اي نظام سياسي بمدى امتثاله لهذه الشعارات, وربما تفرض مستقبلا جزاءات اقتصادية وسياسية على النظم السلطوية التي تقهر شعوبها. وعلى مستوى العلاقات الدولية في نهاية القرن العشرين, اعتبر ان هناك سيولة ونوعاً من الفوضى وانفرادا للقوة الاعظم والتي ستبقى مؤقتا كما بين التاريخ وكما يقول الامريكي بول كيندي في (سقوط وصعود القوى العظمى) ان القوة الامريكية الى اضمحلال حيث استخلص عبر دراسة تاريخ الامبراطوريات من العام 500 حتى 2030 انه اذا زادت التزامات هذه القوة عن امكاناتها الاقتصادية تسقط وهو ما فعلته الولايات المتحدة استراتيجيا واخلاقيا. وربما يكون فوكوياما في (نهاية التاريخ ) قد رد على كيندي بطريقة غير مباشرة. وركز يسين على ظاهرة حق التدخل الخطرة والتي برزت عبر العقوبات التي فرضت على ليبيا والسودان وحصار العراق الذي يعد سابقة تاريخية, لذا ينبغي تقنين هذا التدخل وتكتل العالم الثالث لاعادة صياغة قواعد هذا الحق, اذ نرى ان الولايات المتحدة تستعمله منفردة وهو من ابرز الظواهر السلبية التي ظهرت في القرن. كما شدد يسين على سلبية تقلص فكرة السيادة الوطنية لأن الهيئات الدولية العظمى اصبحت لها كلمة خطيرة في تقرير السياسات الاقتصادية مثل البنك الدولي الذي يقرر للحكومات ماذا تفعل اقتصاديا, والشركات المتعددة الجنسيات التي تهيمن على ادارة الاقتصاد العالمي, ومنظمة التجارة العالمية التي نشأت كمحصلة لمفاوضات الجات وتحاول حراسة مبدأ حرية التجارة ووضع القواعد التي تعمل بغالبيتها لصالح الدول الكبرى وليس النامية. ومال المحاضر الى توصيف ظاهرة بروز المجتمع المدني العالمي بالايجابية في حصاد القرن, ويعني الجمعيات غير الحكومية والتطوعية وقد اصبح لها وزن واستطاعت افشال مؤتمر سياتل. ومنظمة العفو الدولية تصدر تقارير سنوية تهز الحكومات حول خرق حقوق الانسان. وفي مصر ثمة محاولة لاعادة احياء المجتمع المدني. وفي الجوانب الاقتصادية رأى أن احدى النتائج الاساسية هي زوال مصداقية التخطيط المركزي الذي يقوم على اقتصاد الاوامر, وثبت أن حرية السوق افضل منه, وجميع الدول تتجه إليه. وتحاول منظمة التجارة العالمية ضبط تدفق السلع والخدمات والافكار لاول مرة لذلك فان موضع الملكية الفكرية اصبح خطيرا مما سيشكل مشاكل كبرى للعالم الثالث في دفع اثمان برامج الكمبيوتر والافكار وغيرها. ولعل ابرز السلبيات هي ارتفاع معدلات البطالة حتى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة, وهناك تنبؤات بأنها لن تنتهي وستنشأ اجيالا لن يتاح لها ممارسة خبرة العمل, ويقول الاقتصادي الامريكي ريفكن في كتابه (نهاية العمل) انه نتيجة للتطورات التكنولوجية هناك احتمالات كبيرة في عقود قادمة ان يختفي العمل كنشاط انساني ويقال ايضاً ان الارهاب سيعيش معنا طويلاً ويتخذ صورا جديدة مثل الارهاب الالكتروني عبر اختراق الشبكات وثمة مصطلحان هما الحروب الالكترونية التي طبقت بروفة عامة عنها في حرب العراق يحث الحسم بحكم التفوق التكنولوجي وليس بحكم الشجاعة والاقدام مثلما كان يحدث في الحروب التقليدية, والنت وار ويقصد بها مجموعة من الظواهر السلبية (اختراق الشبكات السرية, الجريمة المنظمة, غسيل الاموال). وفي ناحية الجوانب الاجتماعية والثقافية ذكر ارتفاع معدلات الفقر في كافة المجتمعات وازدياد الفجوة الطبقية ونتائج البطالة. وفي قراءة عربية لوداع القرن طرح اسئلة حول الوحدة أو التشرذم, وصلة الصراع العربي والاسرائيلي سلام عادل أم استسلام واقعي, تحرير المواطن العربي او استمرار قهره سياسيا واستغلاله اقتصاديا, التعليم حقيقي أم مجرد قشور, ماذا فعلنا في استهلاك المعلومات, وهل نركز على مرجعية الماضي أم على استشراف المستقبل, وهل نتفاعل ايجابياً وبشكل خلاق مع العولمة أم عاجزون وخائفون منها, هل علاقتنا مع الآخر المختلف سلبية أم ايجابية, وهل نحن جاهزون للاسهام في حوار الحضارات؟ وردّ على اسئلته بالقول ان الخطاب القومي العربي التقليدي في الخمسينيات والستينيات أخطأ طريقه حين هاجم الدولة القطرية, وانه لايمكن للوحدة العربية ان تتأسس الاّ على اساس القطرية, وليتم البحث عن صيغة غير الاندماجية. وان الصراع العربي الاسرائيلي فيه مفهومان صراع وجود وصراع حدود وينبغي الاستناد الى المفهوم الثاني والافادة من كل الامكانيات لاستخلاص المشروعة واّلا سيظل التهديد الاسرائيلي قائماً دوماً. ودعا الى التركيز على جبهة العلم والتكنولوجيا والتطور الاجتماعي, كما رأى أننا نعيد طرح نماذج التحديث الثلاثة هي محمد عبده الذي دعا إلى تطبيق الاسلام, واحمد لطفي سلامة الى تطبيق الليبرالية, وسلامة موسى إلى التوجه للتكنولوجيا والعلم. وقال ان في الوطن العربي دكتاتوريات صريحة اسماها مجتمعات معتقلة مثل العراق وليبيا وسوريا في ظل غياب المجتمع المدني, وهناك مجتمعات تقوم على الشريعة التقليدية مثل الخليج, وهناك مجتمعات ذات تعددية سياسية مقيدة مثل مصر وتونس وغيرها, الا ان إرث الاستبداد السياسي لايزال قائماً. ما هي ابرز التحولات في نهاية القرن على المستوى الكوني؟ يجيب سيد يسين اولاً الثورة السياسية حيث العبور من الشمولية الى الديمقراطية, وثانياً انتهاء عصر الحرب الباردة واستراتيجية فناء العالم, حيث سادت رغبة البقاء ونزع الاسلحة النووية وغيرها. وهناك ثورة في القيم واتجاه ثقافي جديد, كما اصبحت الجماهير تحدى النخب السياسية التقليدية في العالم الغربي. وهناك ثورة معرفية تسمى الانتقال من الحداثة الى ما بعد الحداثة وتحدث يسين عن الطريق الثالث الذي ابتكر كبديل بين الاشتراكية والليبرالية ويدخل ضمن اطار النسق الفكري المفتوح الذي سيهيمن على القرن الواحد والعشرين. وقال ان ثمة احتمالات لعولمة الثقافة وتشيع القيم العالمية, وان علينا أن نتفاعل مع العولمة تفاعلاً ايجابياً وخلاقاً. وعرج على نموذج جديد اسمه مجتمع المعلومات العالمي وهو اقتصادي وسياسي وثقافي مستنتجاً اننا نحتاج الى الديمقراطية والحرية للاعتماد على المعلومة في انتاج المعرفة والثروة والاقتصاد وهذا تحدٍ خطير أمامنا, ونعتقد أن هناك رؤية جديدة للعالم تتشكل في الوقت الراهن وان حوار الحضارات احدى سمات القرن الجديد. كتبت رندة العزير
