انها ارض محرمة وجزيرة معزولة في قاع الكرة الارضية لا يوجد فيها غير البرد القارس والرياح اللاسعة, ثم المنارة المقامة في نهاية العالم. كفتى يافع في فرنسا كان اندريه برونر منبهرا بكتاب لجول فيرن يقدم وصفا, لفنار (منارة) خشبي مقام في القرن التاسع عشر على جزيرة (ايزلا دي لوس استادوس) بين الارجنتين والقطب الجنوبي, ولقد اصبح بناء (مثل هذه المنارة طموحا) لازم برونر في حياته. هذا الملاح الفرنسي يعمل منذ سنوات في المشروع الذي اراد ان يكرم به ذكرى فيرن, مثله الاعلى منذ طفولته. هذا الطموح قاده الى الجزيرة الواقعة قبالة الطرف الجنوبي الاقصى للارجنتين لاعادة بناء المنارة التي كانت موضوع آخر روايات جول فيرن (المنارة في نهاية العالم) . في حديث مع برونر بعد قيامه برحلة دامت اربعة ايام للجزيرة قال برونر: (لقد استولت قصة هذه المنارة على حواسي لأن هذا المشروع بأكمله هو عن اهمية ان يحلم الانسان, وهذا الشيء تعلمته من جول فيرن, وقد شئت ان ابرهن للناس ما يمكن انجازه عن طريق ملاحقة الاحلام) . برونر يبتسم ابتسامة عريضة ويضحك ملء رئتيه عندما يتحدث عن فعل محبته الذي طالما اضطره للانتقال الى احد اصعب المناطق على الكرة الارضية والتي يمكن الوصول اليها برحلة بحرية تستغرق 12 ساعة من اوشوايا, اقصى مدينة جنوبية في الارجنتين. والحقيقة ان جزيرة ايزلا دي لوس استادوس هي من الوعورة والمناعة الى حد انه لا احد يزورها سوى عدد قليل من العلماء البحريين الارجنتينيين الذي يعيشون هناك كجزء من واجباتهم العسكرية. والجزيرة التي تعتبر ارضا (عذراء لم يلمسها الانسان معروفة بسوء احوال الطقس فيها, فدرجات الحرارة هي دون الصفر على مدار السنة تقريبا) والامطار الغزيرة تهطل ما معدله 248 يوما في السنة. وتصل سرعة الرياح الى 80 ميلا في الساعة احيانا والامطار الباردة تقنع الناس بعدم زيارة الجزيرة مرة اخرى. الا انها لم تثن برونر فهو زار الجزيرة للمرة الاولى في العام 1993, وبحث في جزء من ساحل الجزيرة الوعر البالغ طوله 40 ميلا عن المخلفات البالية للمنارة المهجورة منذ وقت طويل. وقد كادت تلك الزيارة الاولى ان تكلفه حياته وهو يقول: (غرقت في الثلوج حتى ركبتي طيلة خمسة ايام وتجمدت أصابعي واصبت باكتئاب شديد وشعرت مثل روبنسون كروز محتجزا) على جزيرة متجمدة ومهجورة. ولكن ما ان رأيت بقايا المنارة حتى عزمت على العودة الى الجزيرة) . وكان برونر افضل استعدادا في رحلته الثالثة. فقد اقام الفريق في خيام صلبة اكثر واصطحب معه عازفا موسيقيا من اجل رفع المعنويات. وتولت وحدة من رجال البحرية الارجنتينية نقل ألواح الخشب الكندي على الاكتاف عدة اميال فوق الصخور الوعرة الى موقع المنارة على حافة جرف صخري. وبعد ان عمل الفريق 40 يوما, قام نموذج لمنارة 1884 في نفس الموقع الذي كانت منه تهدي السفن الطريق الصحيح للدوران حول طرف القارة الامريكية الجنوبية. وقد وقع 21 حادثة تحطم سفن على الاقل قبالة سواحل الجزيرة في الفترة بين العام 1876 و1905. وقد اوقفت الارجنتين المنارة عن العمل سنة 1902 لان البحارة في المحطة لم يستطيعوا الصمود في وجه الطقس القاسي في الجزيرة. اما المحطة الحديثة التي اقامها برونر فمزودة بألواح الطاقة الشمسية بدلا من براميل النفط الكبيرة كما في الاصل, كما ان تجهيزاتها العصرية لا تحتاج الى اشراف بشري. ولكن رغم ان مصباح المنارة اخذ يشع من جديد, إلا ان عملها شيء رمزي لان السفن تعتمد اليوم على اجهزة الرادار المتطور وتستعين بالاقمار الصناعية للبقاء ضمن خطوط الملاحة المقررة. وبما ان السفر الى الجزيرة ممنوع فإن رؤيتها غير متاحة إلا لعدد قليل من البحارة الارجنتينيين. وقد تبرع برونر بالمنارة لسلاح البحرية التي تتولى مهمة الصيانة فيها. وقد بنى برونر منارة مماثلة في ميناء لا رونسيل الفرنسي حيث امضى بعض مراحل طفولته, وهو يعتقد ان تكريمه لذكرى جول فيرن سيكتمل عندما يضيء زملاؤه مصباح هذه المنارة في الوقت نفسه مع اضاءه مصباح المنارة على حافة القطب الجنوبي.