الكاميرا تجول حول حقول المنطقة الريفية لوسط الغرب الامريكي التي تقطنها فقط ـ على ما يبدو للوهلة الاولى ـ كلاب شاردة. وتصوب العدسة على منزل معين لتعرفنا على دوروثي (تلعب الدور جن جالواي هايتز), وهي امرأة بدينة تضع رقعة سوداء على احدى عينيها, وهي تدخل وتخرج من المنزل حاملة الطعام. منظر المرأة يوحي, في افضل الحالات, انها غريبة الاطوار ـ واسوأ من ذلك, في اسوأ الاحوال. بهذه الطريقة حدد دافيد لينتش لنا في العام 1986 الجحيم الكامن تحت سطح امريكا, وذلك في فيلم (المخمل الازرق). لكن الصدمة الحقيقية للفيلم المحبب الجديد الذي صنعه لينتش (قصة ستريت) تأتي من كونه فيلما مباشرا خاليا من التورية والمجاز. ان كل افلام لينتش الاخرى من (الرأس الماسحة) و (الرجل الفيل) الى الفيلم الناضج اكثر من اللزوم (متوحش القلب) تسكن في عالم هذياني غامض حيث كل المظاهر مخادعة وحيث السلوك الانساني مريع. وهذه المرة يدخل لينشر فئة الافلام المخصصة للعموم بالنظر الى خلوه الملفت للنظر عن عنصرين اساسيين من عناصر الافلام التي اشتهر بها المخرج أي العنف والاثارة. وهل يقدم لينتش الافلام الجديدة للتفكير عن الماضي؟ مهما كانت الاسباب فإن ثمة حقيقة واحدة واضحة. ان هذه الصورة لرجل في السابعة والثلاثين ينطلق في اول رحلة يقوم بها في حياته تمثل الرحلة التأملية جدا التي لم يتصور احد ان يقوم لينتش بها. في سيناريوهات اخرى من تلك التي اشتهر بها لينتش قد يتبين ان دروورثي تعاني من مرض نفسي دفين. اما في (قصة ستريت) كل ما تفعله هو انها تتوقع ان نتعرف على الفين ستريت (يلعب الدور ريتشارد مارنسوورث), الرجل المهووس برسالته ـ وبآلة قطع الاعشاب التي ينجز بها مهمته تلك. ولا يعني ذلك ان الفين في حالة تسمح له بأن يقود عربة قطع الاعشاب ماركة جون دير 400 كيلومتر من اجل زيارة شقيقه الاكبر لايل المصاب بنوبة دماغية. ألفين نفسه يعاني من الامفيزيما (انتفاخ جيوب الرئة), ووركه يؤلمه الى حد انه لا يستطيع الوقوف على قدميه. انه يسند ثقل اعوامه الثلاثة والسبعين بعكازتين. وقبل الانطلاق في رحلة الستة اسابيع من لورنس بولاية ايوا الى ماونت زيون في ويسكانس, يقول الفين لابنته روز (سيسي سباسيك): (انني لم امت بعد) . هل ما يقدم عليه ألفين عمل جنوني ام شجاع؟ بمعنى انه قرر خليط بين الجنون والشجاعة, معه ان النص السينمائي الذي اعده جون روتش وماري سويني اكثر وقارا من ان يطلق الاحكام ضد شخصية تمارس الافتتان الخاص الذي لا تفسير له. والحقيقة ان عدم مساءلة الاعمال التي يقوم بها الفين هو جزء من الاسلوب السينمائي للفيلم ـ ما عدا من قبل المتفرج الذي لابد من انه سيتساءل. ففي (قصة ستريت) على المرء ان يعمل ما يتوجب عليه ان يعمله. والقسم الاكبر من الفيلم تستهلكه الرحلة نفسها ـ مع ان على كل من يتوقع مسرحيات من النوع التقليدي الذي يكبر في افلام الطرق, ان يفكر من جديد, اذ ماذا تتوقع من انسان قارب الثمانين ويقود عربة قطع اعشاب مهلهلة ان يفعل؟ احيانا؟ يرفض محرك العربة ان يدور. واحيانا يدور افضل مما يجب ـ بسبب خلل في قشاط نقل حركة المحرك. ومحاولة تثبيت قبعته على رأسه تشكل تحديا دائما لألفين. ان اضطراب الهواء بسبب سرعة سيارات الشحن المارة يطير القبعة من رأسه. ثم يأتي الناس الذين صادفهم الفين في الطريق, وهم اناس بسطاء ونزيهون ليسوا من فئة الناس الذين يتناولهم لينتش عادة في افلامه. خدمة أب