منذ مسرحيات (الشهادة) , (بس) , (هم) و(عسى خير) يشتغل المخرج عبدالله المناعي مع مجموعة من الشباب الهواة في خط مغاير للسائد والمألوف في الحركة المسرحية المحلية, انه يشكل مختبره المسرحي برفقة هؤلاء الشباب الباحثين عن حقيقة اللعبة المسرحية مدفوعين الى السير خلف مخرجهم الذي يوجههم ويديرهم وينحت في اجسادهم اشكالا من الافعال المسرحية, ويصر المناعي على مواصلة هذا الطريق دون التفات من الجميع, انه في معمله يفتش عن فكرة ومكان لتأسيس اللعبة الجديدة, بدعم قليل وهوس جارف يقود المناعي شبابه المتعطشين للفعل دوما الى طقس اخر للمسرح يدخله الجسد ليتحول الى وميض لا ينطفئ حتى بعد انتهاء العرض المسرحي, لكن عبدالله المناعي يعاني ومن في صحبته من الوحدة, ان العرض الذي سيقدمه في يوم واحد من ايام السنة سينطفئ فور خروج الجمهور حيث لا جهة تحتضن هذا المختبر الذي يقذف درته اللؤلؤية كل عام مرة واحدة فقط. قدم المناعي عبر مسرح الشارقة الوطني وهي الفرقة التي احتضنت تجاربة مسرحية (صرخة) في اليوم الرابع للدورة العاشرة لأيام الشارقة المسرحية ليستقبل النقاد درة اخرى جديدة ويبدأ النقاش من جديد حول ما يفعله عبدالله المناعي في معمعة الحراك المسرحي المحلي. فالمخرج عبدالله المناعي الذي تجول في ديوان الشعر العربي فأخرج هذه الصرخة المدوية بانتمائها الانساني ليتدخل تأسيسا قائما على الصراع والجدل عبر اكتشافات تنمو زمنيا وتطول في قامتها فاصبحت موطنا حاضنا للحداثة التي استوجبت تكسير هذه الصورة المعرفية بمعنى تفكيك وزعزعة الذاكرة المركبة الى منظور اكثر حداثة وتطورا منصرفا الى قوة ذهنية خارقة ومجموعة قادرة على دمج الشخصيات والامكنة محركة الحوار في خطوط متكسرة لا تتقابل بل نافذة الى المتلقي لتستفز وعيه, والبحث عن خصوصية الشكل عند المناعي اصبحت تمتلك خصوصية ثابتة في التجريب بوعي انتمائي, فالتجريب عموما سمة اساسية من سمات الحداثة بحيث يميل المناعي الى التجاوز في كشف واستكشاف اشكال فينحو بذلك الى كسر الشكل المتناسق المرسوم ذهنيا, فنحن امام مجموعة من الدلالات تبدأ عند قارعة مدخل المسرح ولا تنتهي مطلقا او تتوقف انه زمن متوالد باستمرار فلا يتوقف عند اللحظة بل يمتد بصريا وذهنيا في كثير من الاسئلة القائمة على الكون والانسان والمكان مع انه المكان الخاص في ذاكرة المناعي التي تأتي متناثرة جامحة بكثير من الرموز الفاعلة. لقد تعامل المناعي مع نص هو مزيج مختلف ومركب من مجموعة شعرية تنطلق من شعور مرير وتجربة غنية قد يكون ابطالها شخصيات مجهولة لكنها كانت فعلا جسديا واتصاليا استنطق في سياق النموذج المعرفي للعملية برمتها (جسد ـ صورة ـ اتصال) انها مدركات حسية وتعبيرية رمزية منطوقة او غير منطوقة كالايماءة الجسدية والاشارات التي تتبلور الى تكوين المعنى الانساني في القادر من الخروج من تراكيب الشعر الى الحياة الجمعية. ورغم ان قاعة المناعي الصغيرة كانت اقرب الى السجن ليس بمعناه الحياتي بقدر ما هو سجن الذات وهي تجربة خلاقة يتسع فيها العالم بحالاته المكانية والزمانية المتعددة حيث يعتمد على تقنية المشاركة, فالاتهام متبادل والارتداد بوعي مدروك انه الجريان الى وقائع وازمنة تعيش في منظور الزمن المعكوس وهو المنظور الخاص او المقابل للذاكرة بمستوييها الفردي والجماعي, فيتم تداخل الازمنة في محطات متتابعة فالممثلون لا يسترجعون زمانهم الخاص انما ينثرون محتويات الذاكرة على هذه الخشبة او المساحة الضيقة في الصالة فتجسم صورا واماكن وعلاقات وتواريخ في جميع الحالات فانما يعبران عن طاقة باهرة على تكوين العالم بتفاصيله الجزئية. ومهما يقال عن المناعي فإنه قليل بحقه فإنه تجربة غنية قادرة على الانفجار ابداعيا.. انه خزين هائل من التراكم الصوري الشعوري والحسي مع ان المسرح الشعري الذي تعامل معه يحتاج الى جهد تشكيلي وفني منسق لاعتباره قائما على ايقاد اللحظة المشهدية التي تتوافق مع ابعاد الجملة الشعرية المركبة فإنه اي المناعي بنى تصورا مؤثرا لا يريد ان يضيق منه المتلقي بل يدخله في صيرورة عذابات اللحظة وهي غاية في التجسيد برهنت ان المناعي مخرجا مولعا بطقوس خاصة ينتمي اليها فالطبول القارعة والاسوار الشائكة وصرخات الجياع عوامل اخترقت ذاكرة المتلقي وجعلته يدرك ان المسرح هو المكان الطقسي لحرث الذاكرة. وحينما نشير الى الاداء نضع هذه المجموعة في قمة ادائها النفسي والفكري فهم لا يعرضون فقط وانما يعتبرون انفسهم ضحية في عملية مسرحية طقسية مانحين انفسهم للعمل والجمهور معا في حالة من التوهج المتوقد ابداعا. انهم مشاركون في اكتشاف الانسان بجسده وهذا الاكتشاف مهد لهم اختصار الطريق للتآلف باعتبار ان الممثل عنصر لا غنى عنه في العملية المسرحية لذلك اتوقف لأشيد بصناعة ممثلين موهوبين هم أمل للحركة المسرحية في الدولة مثل محمد العامري وعادل الراي وسيف المنظور واحمد يوسف واحمد دلالي. وايضا اضاءة محمد صالح التي نقلت هذه الاحاسيس المؤثرة فكانت صادقة معبرة عن انتماءات الروح والجسد للعرض والموسيقى الحية للفنان علي السلومي وقرعات طبول عبدالله شمسان. تغطية: مرعي الحليان ظافر جلود