مرت ذكرى رحيل الفنان عبدالحليم حافظ وكأنه لم يرحل منذ قرابة ربع قرن, وبدا حضوره مكثفا, فما زالت أغانيه تلقى آذانا يطربها أداؤه الجميل السلس المشحون بدفء المشاعر وصدق الأحاسيس, وما زال يتصدر قوائم الفنانين, وتحصد ألبوماته أعلى أرقام التوزيع, رغم انه رحل قبل ظهور فنون الابهار السمعي والبصري المعروف بالفيديو كليب, والذي لا يضفي جمالا على الأغنية, بقدر ما يواري عورات أصوات تستولد النشاز وتعانقه. ومع كل ذكرى لرحيل العندليب عبدالحليم حافظ تقام سرادقات إعلامية, لتسويق قصص وحكايات وأسرار, معظمها مختلق, وبعضها حقيقي, وهدفها استثمار طاقة حب الجماهير له لتحقيق الانتشار. ومن غرائب الحكايات التي ترتبط دوما بذكرى رحيل عبدالحليم حافظ, تلك التي تساق وتروى على ألسنة بعض الفنانين الشكائين من ظلم حاق بهم زمن العندليب, الذي حجب عنهم الشهرة, ومنعهم من تصدر الصفوف, وأبعدهم عن دائرة الضوء. ويغيب عن أذهان مرددي تلك الحكايات, حقيقة ان عبدالحليم رحل منذ عام ,1977 وترك لهم الساحة خالية والفرص سانحة, ليحققوا ما حرمهم منه, ومع ذلك لم يظفروا بأكثر مما تحقق لهم زمن عبدالحليم, بل معظمهم تراجعت مكانته, وهبط أداؤه كثيرا, مقارنة بفترة وجود العندليب في ساحة الطرب. على ان الأمر كله, لا يخرج عن كونه محض أكاذيب على شاكلة كذبة ابريل التي تنتزع منا الضحكات, بعد أن نكتشف أن ما تعاملنا معه على انه حقيقة مجرد كذبة كبيرة صيغت ترحيبا باليوم الأول من ابريل. ولان الشيء بالشيء يذكر, فلقد حدث فعلا أن وقع جمهور العندليب في فخ كذبة ابريل قبل رحيله بخمسة أعوام, عندما نشر الناقد الصحفي المبدع الراحل نبيل عصمت في بابه اليومي بصحيفة الأخبار, ان كلية التربية الموسيقية بالزمالك ستعقد لجنة لاختبار صوت المطرب الشاب هاني شاكر أول ابريل, وللتحقق من اتهام عبدالحليم حافظ له, بأنه يضع آلة ميكروسكوبية في حنجرته, تظهر صوته قويا وأداءه مميزا. وفي اليوم المحدد احتشد عشرات الآلاف أمام الكلية, وتسببوا في اختناق مروري, ولم ينصرفوا إلا بعد تدخل الشرطة واكتشافهم ان الأمر كله مجرد كذبة ابريل. وضحك عبدالحليم, وبعد رحيله اعترف نبيل عصمت ان الهدف من الكذب كان تشجيع مطرب شاب ومنحه شهرة على جناح العندليب... وهكذا ستبقى ذكراه وحضوره مميزا بفضل دأبه واخلاصه لموهبته وثقافته وعصاميته... وزمنه.. زمن الحب والكفاح. سيد زهران