استضافت دائرة الاراضي والاملاك بدبي الداعية الاسلامي الكبير الدكتور يوسف القرضاوي على مسرح غرفة دبي ضمن فعاليات (ارض المعرفة) , ليلقي محاضرة تحت عنوان (المشروع الاسلامي في ظل العولمة) . في البداية توقف الشيخ يوسف القرضاوي عند عنوان المحاضرة مشروعنا الاسلامي في ظل العولمة ، (كما اقترحه عليه القائمون على الندوة في دائرة الاراضي والاملاك, وبدأ بالتساؤل هل لنا مشروع اسلامي؟ واجاب بان هناك عدة مشروعات الاول ليبرالي رأسمالى والثاني اشتراكي والثالث قومي, وكلها مشروعات مختلفة تنادى بها تيارات متنوعة, فهل لنا مشروع اسلامي ينهض بامة الاسلام ويحررها ويوحدها لبنائها بناء راسخا؟ ولاشك ان لهذه الامة مشروعها وهو الذي دعا اليه المصلحون والمجددون والعلماء والمفكرون الاسلاميون منذ زمن طويل ومازالت تعمل من اجله جماعات ومؤسسات وحركات في عدد من الاقطار الاسلامية وهو مشروع الحضارة الاسلامية, وانا افضل تعبيرا آخر غير تعبير (المشروع) وهو الرسالة لاننا امة مبعوثة ومرسلة, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) . وقد قال الصحابي ربعى بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس (من انتم وماذا اتى بكم؟) فيما يؤكد رسالية الامة الاسلامية: (ابتعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد الى عبادة الله وحده, ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام) ورسالة الاسلام كما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (الى كلمة سواء بيننا وبينكم.. ألا نعبد الا الله وألا نشرك به شيئا وألا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله) وهذا هو اساس الاخوة والمساواة التي تكمن في التوحيد وتؤدي الى ان يتساوى الناس جميعا فلا يخضع احد لاحد ولا ينحنى احد لاحد, فاشتراك الناس في العبودية لله وفي البنوة لآدم تفرض اخوة المساواة, وقد قال محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (ايها الناس.. ان ربكم واحد وان آباكم واحد) . ونخرج من مقولة ربعي بن عامر الى نتيجة مؤداها ان الاديان والنحل السابقة ضيقت على الناس ما وسع الله وعسرت عليهم ما وسع الله حتى وجدنا هناك من يفرض على الناس ان يعذبوا اجسادهم على اساس ان تعذيب الجسم يرقى ويسمو بالروح وكل راحة للجسم تبعد الانسان عن صفاء الروح, فوجدنا البوذية في الصين والبرهمية في الهند والرهبانية في المسيحية والرواقية في اليونان, والحانوية في فارس, واديانا وفلسفات مختلفة تجتهد كلها في تعذيب الجسم الانساني والتضييق على الناس وتحريم الطيبات وقد وجدنا في رهبان القرون الوسطى باوروبا من يتعبدون الى الله بالقذارة فيقول احدهم: (يرحم الله القديس فلان بن فلان لانه عاش طوله عمره ولم يقترف اثم غسل الرجلين) ويقول احدهم (وا أسفاه.. لقد كان السابقون يعيش الواحد منهم عمره كاملا لايبل اطرافه بالماء.. ولكننا اصبحنا في زمن يدخل فيه (يقصد ان الناس فسدت فأصبحت ترتاد الحمامات التي عرفها الغرب من خلال المسلمين في الاندلس, حيث كان في قرطبة بالاندلس 600 حمام عمومي, بينما كان الاوروبيون يتقربون الى الله بالقذارة والوساخة. والخلاصة ان الاسلام جاء رسالة لتعديل جور الاديان على الفرد لحساب المجتمع, او الجور على المجتمع لحساب الفرد, او على الروح لحساب الجسد, او على المادة من اجل الروحانية او على القلب من اجل العقل, وجاء الاسلام منهجا وسطا لامة وسط( وكذلك جعلناكم امة وسطا) أي اننا امة مبعوثة صاحبة رسالة وهي رسالة حضارية ليست مجرد رسالة لاهوتية تتعلق بالجانب الديني او الروحي, وانما رسالة للحياة كلها تشرع للحياة الفردية والاسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية, توجه الانسان في المسجد والبيت والمزرعة والمصنع وفي الطريق, توجه الانسان فقيرا او غنيا, حاكما او محكوما, هي رسالة شاملة, وكما قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) الاسلام رسالة حياة الانسان من صرخة الوضع الى أنة النزع وفي الاسلام احكام تتعلق بالمولود والصبيان والبالغين والانسان في شيخوخته وعند الاحتضار وبعد الموت.. وحتى ما قبل الولادة, واحترام حق الجنين في الحياة ولو كان من زنا ولنذكر قصة المرأة التي جاءت للرسول صلى الله عليه وسلم ليقيم عليها حد الزنا وهي حبلى فردها حتى تلد وترضع طفلها.. اي ان الاسلام لا يقتص من المرأة وهي حبلى رعاية لحق الجنين في الحياة, حتى لو كانت قاتلة او زانية والاسلام رسالة شاملة ترقى بالحياة في كل جوانبها, حياة سياسية تقوم على البيعة وعلى الشورى وعلى الرضا والاختيار, وحياة اقتصادية تقوم على زيادة الانتاج وترشيد الاستهلاك وسلامة التداول وعدالة التوزيع والنظام والتعاون.. رسالة حضارية تنشىء امة متقدمة وقد اقام الاسلام بالفعل حضارة شامخة في المشرق والمغرب, وتعلم منها الاوروبيون وظلت قرونا من الزمن.. اي اننا لسنا دخلاء على الحضارة, ولا عجب ان يكون لنا رسالتنا الحضارية المتميزة ليست كحضارة الرأسماليين في امريكا والشيوعيين في روسيا او الصين, هي حضارة ربانية انسانية اخلاقية عالية. هي ربانية لان كل شيء فيها ممزوج بأمر الله, ونهي الله وحكمه, واول ما نطق به القرآن (اقرأ باسم ربك) اي القراءة المؤمنة العلم الايماني, فيكون علما معمرا لا مدمرا محببا لا مميتا, يجلب الخير والخصب للبشر وليس الهلاك والدمار, فهناك فرق بين العلم الناشىء في حضانة الايمان والعلم المنعزل عن الايمان, كما هو الحال في الحضارة الغربية.. هو علم اشبه بعلم ذي القرنين حين بنى سده العظيم, طلب منه الناس ان يبنى لهم سدا مقابل ان يعطوه خرجا, لانهم لا يستطيعون عمل شيء يتكلون على غيرهم ليدافع عنهم مثل كثير من العرب والمسلمين حاليا ممن يتكلون على الآخرين للدفاع عنهم, فقال لهم ذو القرنين (فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما) اي انه طالبهم بالفعل والعمل المباشر.. وبعد ان بنى السد قال: (هذا رحمة من ربي, فاذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا فما استطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقبا) اي ان ذا القرنين لم ينسب الفضل لنفسه وانما هو رحمة من الله.. وهذا هو العلم المقترن بالايمان, كذلك نجد سيدنا سليمان, حين جيء اليه بعرش ملكه سبأ (بلقيس) كما ذكرت القصة في القرآن (قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد إليك طرفك وهو رجل من الملأ اي بشر خلافا لما يقوله بعض المفسرين وعلم الكتاب هو العلة التي تعطيه القدرة على الاتيان بعرش بلقيس من اليمن الى فلسطين في زمن غمضة العين.. (فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم اكفر) اي انه لم يغتر ويركبه الفخر والغرور.. اي ان رسالتنا ربانية, كل ما فيها موصول بالله, كل امر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله هو ابتر.. وهي حضارة انسانية قامت لتكريم الانسان وتحريره ورفع مستواه وضمان كفالة عيشه والدفاع من اجله والقتال من اجل المستضعفين. لقد وقف رسول الله حين مرت جنازة لم يكن فيها مسلما بل يهوديا وقال: (أليست نفسا! اي ان النفس البشرية لها حرمتها وكرامتها الواجبة, اي كانت اللغة والطبقة واللون والجنس والموطن.. لانه خليفة الله في الارض.. وحضارتنا اخلاقية في العلم والعمل والاقتصاد والسياسة والحرب, على خلاف الحضارة الغربية حيث ينفصل الاقتصاد عن الاخلاق والعلم مفضول عن الاخلاق, والحرب والسياسة لديهما مبدأ الغاية تبرر الوسيلة اما الاسلام فيريد الغاية الشريفة من خلال الوسيلة النظيفة, لان الله طيب لا يقبل إلا طيبا, ولا يقبل الاسلام الوصول الى الحق عن طريق الباطل. الاسلام اذن رسالة حضارية عالمية لكل البشر والمسلمون حملة هذه الرسالة فما موقف الاسلام اذن من ظاهرة العولمة المعاصرة؟ ولنبدأ اولا بما هي العولمة ـ هي في اللغة العربية مصدر على وزن (فوعلة) مشتقة من العالم, اي جعل الامر عالميا, وهم يقولون ان المراد بالعولمة ازالة الحواجز وتقريب المسافات بين القارات بين الشمال الغني والجنوب الفقير, العالم الاول والعالم الثالث بين البلاد المتقدمة والبلاد المتخلفة كما يسمونها تأدب البلاد النامية.. هم يريدون ازالة الحواجز للتقريب بين هذا كله باسم تبادل السلع والمنافع ويسوغ لهم ذلك ان العالم اصبح قرية صغيرة, يعلم الناس من اطرافه اخبار الآخرين في التو واللحظة. في موقفنا من هذا؟ البعض يقولون ما المانع من ذلك, ما المانع في ان يتقارب الناس من بعضهم البعض, وهذا يتفق مع رسالة الاسلام العالمية وبالتالي يرحبون به, لكننا نقول ان رسالة الاسلام وان كانت عالمية إلا انها تحترم خصوصيات الاقوام والشعوب والقبائل.. والقرآن: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) اي انه اقر بوجود الشعوب والقبائل واختلافها ولكنه لم يطلب محوها ولم يسمح بالتعدى على الخصوصيات والاسلام احترم حتى (الأمم الحيوانية) ففي الحديث الذي رواه ابو داوود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ان الكلاب امة من الأمم لامرت بقتلها) والقرآن يشير الى الكائنات الحية كأمم مثلنا, لكل منها لغته وكينونته وخصوصيته.. ليس خلق الكائنات والبشر على اختلافهم هذا عبثا او باطلا, وانما لكل شيء حكمته.. فإذا كان الاسلام يحترم الامم الحيوانية فما بالنا بالامم الانسانية وبالتالي نقول ان العولمة الجديدة مرفوضة لانها لا تراعي خصائص كل أمة وتريد محوها والسيطرة عليها وتهيمن عليها وتستعمرها بصورة جديدة.. العولمة بهذا المعنى هي وجه جديد للاستعمار القديم الذي يغير جلده كالثعبان ويغير لونه كالحرباء, ويغير اسمه كالمغرور المحتال.. والحقيقة ان الغرب لا يريد عولمة العالم, وانما يريد (امركة العالم) وان يسير في ركابها.. مثلا يريدون خفض سعر النفط الى اقصى درجة, فاذا ارادت دول الاوبك رفع السعر من خلال خفض الانتاج تهدد امريكا وتتوعد بأنه لابد من زيادة الانتاج وإلا عاقبكم الكونجرس (الاله الجديد) الذي يعاقب كل من يخالفه من ليبيا الى العراق والسودان وايران وكوبا كل من لا ينحني له, هذه العولمة تريد ظلم الناس تسرق عرق الفقراء والضعفاء عبر المضاربات والبورصات ومثال جورج سوروس الذي تلاعب في اقتصاديات ماليزيا وتسبب في انهيار اقتصادها وتأثرت بذلك دول النمور الآسيوية. الذي يتيح التحكم في العالم عن طريق المؤسسات الدولية, صندوق النقد الدولي, البنك الدولي, مؤسسة التجارة العالمية (الجات) وعن طريق الأمم المتحدة, تريد أن تأخذ المواد الخام بأبخس الأسعار ثم تصنعها وتردها الينا بأغلى الأسعار, ولكن كيف تنجح في ذلك؟ تنجح عن طريق (عولمة الثقافة) أي (عولمة العقول والأفكار) فتجد الناس تروج بينهم ثقافة الاستهلاك والمبالغة في الشراء من دون احتياج حقيقي, عن طريق الدعاية المكثفة, والاعلانات المغرية التي تدفعهم لشراء كل جديد, بحجة ان المنتج الجديد يحمل ميزة جديدة أو اضافة خاصة, فيلقون القديم ويتخلصون منه.. هذا استحلال للناس, وبعض الناس تصدق ذلك, وتؤمن بضرورة الدعاية المبالغ فيها والتي تؤدي الى مضاعفة سعر المنتج, واذا ما الغيت المبالغة وظلت الدعاية معقولة في تكلفتها لانخفض سعر المنتج على المستهلك وأصبح سعره معقولا ومقبولا, وهناك من يصرفون 90% من ميزانية منتج معين على الدعاية فقط, والباقي على تكلفة تصنيعه وانتاجه, على خلاف فلسفتنا الاسلامية, ففي مأثورنا ان اطيب الكسب هو كسب التجار الذين (اذا باعوا لم يمدحوا واذا اشتروا لم يذموا) ويقول سيدنا عمر مستنكرا (أوكلما اشتهيتم اشتريتم!!) ومن الاسلام ايضا (الا تأكل كل ما تشتهي) أما عولمة اليوم فتريد لنا ان نكون امة مستهلكة, خاصة واننا لا ننتج, نستورد ولا ننشىء, نستقبل ولا نرسل.. يريدون ان نعيش على استهلاك (الكوكا كولا) والهمبورجر والبيتزا هت, وان يصبح اطفالنا مهووسين بتلك المنتجات على الرغم من تحذيرات كثير من المتخصصين من أضرار تلك المنتجات, بينما كنا قديما نأكل كل شيء من بيتنا ومن ارضنا ومما ننتجه بأنفسنا, اليوم حدث تحول حتى في قرانا الصغيرة, حدث هوس بالمنتج الخارجي من الدجاج الى الكوكاكولا الى المعلبات والمجمدات, رغم ما تحتويه كثير من هذه المنتجات من اضرار واخطار, لان القائمين عليها لا يقيمون وزنا للطبيعة وقوانينها, تجد من يعلفون الابقار تلك الكائنات العشبية بأطعمة حيوانية, او يدخل فيها لحوم, فينتج ظاهرة مرض جنون البقر, وحتى الدجاج يعيش حياة غير طبيعية في مزارع مضاءة ليل نهار, لابد ان ينجم عنها خلل في تركيبته البيولوجية, يؤدي في النهاية. هذه العولمة بدأت, وماحدث من سحوبات وخلافه هو من ثمارها وينبغي ان نقاومها فنحن لنا ثقافتنا ونحن أمة وسط لها ذاتيتها وخصوصيتها, ولا يمكن ان نكون ذيولا لأحد, او نتسول الثقافة من احد فكيف نقبل دخول ثقافات الاخرين علينا واقتحامها حمانا وتوجيهنا الى ما تريد.. وبعض البلاد الغربية تحاول ان تحمي ثقافتها من (الامركة) من الاعلام والافلام والمسلسلات الامريكية, وفي فرنسا ـ مثلا ـ ترى في ذلك خطرا عليها.. والمطلوب ان نستورد ما ينفعنا فقط, وما يعيننا على الانتاج, لا ان نظل اتباعا في الاستهلاك خاصة في الكماليات وصناعة الترف, فيما نحتاج الى الضروريات فقط, ينبغي ان نراعي الاسس والقواعد في (الاستيراد) . والخلاصة اننا نرفض عولمة الثقافة والاقتصاد بهذا المعنى, اي التي تؤدي الى الضعف والتبعية والدينونة والمطلوب ان نحافظ على استقلالنا الفكري والثقافي والاقتصادي وان نتعاون تعاون الند للند, وهذه المقاومة لا تستقيم اذا بدأناها فرادى, لابد لنا من تكتل عربي اسلامي, مثلما هو الحال بالنسبة للاتحاد الاوروبي, فعندنا من الثروات ما يكفي ومن المخزون الثقافي والفكري والشخصية المتزنة والسلوك المهذب ما يكفي لاقامة كيان انساني متحالف يمكنه مواجهة الانانية والرأسمالية والاحادية الغربية المتزينة بوشاح العولمة اي الاستعمار الجديد, وعلينا الا نترك اليأس يدب في اوصالنا, ويجعلنا نرى انفسنا اقزاما في مواجهة الاستعمار المتعولم او الذي يريد عولمتنا.