أثار ظهور شيخ مصري بالزي الأزهري أثناء مباريات كأس الأمم الأفريقية الأخيرة, ردود فعل غاضبة بين رجال الأزهر, الأمر الذي جعل لجنة الشئون الدينية والأوقاف بالبرلمان تعقد اجتماعا خاصا في المجلس لمناقشة هذه القضية, ليس هذا فحسب بل قامت اللجنة بإعداد مشروع قانون خاص يحظر ارتداء الزي الإسلامي على غير العلماء. وإذا كان الإسلام لا يلزم أتباعه بزي أو لباس معين ويترك ذلك لعادات الشعوب وتقاليدها إلا أن عادة المسلمين في كل مكان جرت على أن يكون لعلماء المسلمين زي خاص تم اقتباسه من زي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان يرتدي الجلباب ـ وكان يسمى القميص ـ وكان يرتدي الإزار أو السروال تحت القميص ويضع على كتفيه القباء أو البردة. ويلبس على رأسه قلنسوة أحيانا وأحيانا يلبس العمامة أو يجمع بين العمامة والقلنسوة. يشير الدكتور محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر , إلى أن الزي الأزهري ارتبط وجوده في مصر بالأتراك موضحا أن الأزهر كان يفرض على طلابه وأساتذته هذا الزي حتى عام 1946 وكان يطرد كل من يخالف هذا الزي سواء من الطلاب أو الأساتذة لكن بعد هذا التاريخ أصبح هناك تساهل في ارتداء هذا الزي لأسباب عديدة. ويؤكد أن القول بأن الإسلام لا يعرف زيا محددا يعد مقولة غير علمية لأن الزي الذي يرتديه علماء الأزهر ـ مع تغيرات بسيطة ـ هو زي ارتداه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وارتداه علماء المسلمين على مدار التاريخ والصحابة والتابعون وقادة المسلمين والفاتحون الذين نشروا الإسلام في آسيا وأفريقيا. وتعد الجبة والعمامة أقرب إلى الزي الذي كان يرتديه كبار الفقهاء أمثال مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وابن حزم والأوزاعي.. وهو زي الأطباء مثل ابن سينا والفلاسفة مثل ابن رشد وعلماء الفلك والجغرافيا أمثال الإدريسي. ويضيف أن الأوروبيين عندما صنعوا تمثال لابن حزم جعلوه يرتدي عمامة وجبة وكذلك فعلوا مع ابن سينا وابن رشد .. موضحا أن الجبة والعمامة هي زي العلماء سواء كانوا من علماء الشريعة أو من علماء الطبيعة والفلك والجغرافيا والتشريح والطب. ويرى أن الأزياء من مميزات الشعوب فلكل شعب زي وملابس تميزه وتدل على شخصية الفرد والمجتمع بل لكل أصحاب مهنة زي محدد. فقدماء المصريين مثلا لهم أزياء تميزهم عن الصينيين والهنود وغيرهم, وللمسلمين أيضا زيهم الذي يميزهم عن غيرهم وهو عبارة عن لباس فضفاض وعمامة فوق الرأس. ويشير إلى أن هذا الزي الإسلامي أخذ يقتصر على العلماء مع دخول الاستعمار الأوروبي إلى البلاد الإسلامية فقد كانت الدول الاستعمارية تعمل على تغيير أنماط حياة الشعوب وعاداتها وتقاليدها وطبائعها. وقد أشار الجبرتي إلى أن نابليون بونابرت حاول تغيير زي علماء الأزهر. وكذلك كانت إنجلترا تحارب الزي العربي في القرن الأفريقي في الصومال وإريتريا وغيرهما وكانت تسجن كل من يتم ضبطه مرتديا هذا الزي, وفي العصور الوسطى إبان محاكم التفتيش في أسبانيا كان يتم قتل كل من يتم ضبطه مرتديا الزي العربي. ويخلص إلى أن الزي الأزهري بدأ ينقرض مع دخول أوروبا إلى العالم الإسلامي وانتشار ثقافتها بين الشعوب الإسلامية وبدأت الأزياء الغربية تنتشر لتحل محل الأزياء العربية والإسلامية, رغم أن هذا لم يتم بسهولة فأوروبا لم تستطع تغيير زي محمد علي باشا وإسماعيل وتوفيق وسعيد وأزياء الأشراف والبكرية والحرفيين وأصحاب المهن. ويشير إلى أن الزي الإسلامي حورب في تركيا وبذلت جهود مستميتة لإحلال القبعة محل الطربوش وهكذا انتشرت الأزياء الغربية في البلاد الإسلامية. ويرى أنه لا يزال الكثيرون من أبناء القرى والأحياء الشعبية يرتدون الملابس العربية الإسلامية سواء العمامة والجلباب أو الطاقية والجلباب والعمامة تبركا بها حتى لو لم يلتحق بالأزهر بل كان العمد يرتدون العمامة ليحظوا بالاحترام فقد كانت العمامة ولا تزال رمزا للجلال والهيبة في النفوس. ويؤكد أن الزي الأزهري له احترامه وهيبته في النفوس وينبغي أن يعود إلى رأس كل أزهري وإلى كل من ينتدب نفسه للدعوة إلى الله في هذا العصر الذي تحاول فيه العولمة أن تكتسح تراث وهوية الشعوب وثقافتها وخصوصيتها .. موضحا أنه شارك في مؤتمر الأديان العاشر الذي عقد في عام 1996 في مدينة كيوتو باليابان هو والدكتور أحمد عمر هاشم .. وعندما ألقى الدكتور عمر هاشم ـ وكان يرتدي الجبة والعمامة ـ كلمة الأزهر ضجت القاعة بالتصفيق وتم تسليط أضواء الكاميرات طويلا عليه على عكس ممثلي الأديان الأخرى كما عرضت صورة بالحجم الطبيعي لشيخ الأزهر كممثل للعالم الإسلامي. ويضيف : وقد لمست كل احترام وتقدير في كل جولاتي في بلاد العالم بسبب ارتدائي للجبة والعمامة سواء من المسلمين أو غير المسلمين. زي العلماء ويرى الشيخ محمد محمود الطبلاوي ـ قارئ القرآن المعروف ـ أن العالم لا يكون عالما والقارئ لا يكون قارئا إلا بارتداء الزي الذي تعارف عليه المسلمون واتفقوا على أنه زي العلماء مشيرا إلى أن أهم ما يميز مصر الإسلامية الأزهر والجبة والعمامة كما أن أهم ما يميز مصر الفرعونية الأهرامات. ويشير إلى أن كل دين له زي يرتديه علماؤه وممثلوه وبالتالي لا يجوز لنا أن نهجر هذا الزي الذي أصبح تراثا للمسلمين جميعا, وتعارف الشعب المصري والشعوب الإسلامية على أنه زي العلماء. موضحا أن المصريين والمسلمين جميعا أعربوا عن استيائهم لهذا الشخص الذي كان يرقص بالزي الأزهري ويمسك بالمزمار أثناء مباريات كأس الأمم الأفريقية. ويؤكد أن إصدار قانون لمعاقبة كل من يسيء إلى الزي الأزهري وكل من يرتديه من غير العلماء قد يكون وسيلة رادعة لهؤلاء العابثين والمتطفلين ويحافظ على حرمة التقاليد الأزهرية وهيبة الزي الأزهري واحترامه. ويطالب بالتركيز على التوعية والتبصير بأهمية هذا الزي ومكانة الذين يرتدونه من خلال وسائل الإعلام والعمل على حمايته لأنه زي مثل التراث والعراقة وبالتالي فلا بأس من إصدار قانون يحافظ عليه قياسا على زي القوات المسلحة والشرطة والقضاة وغيرهم. ويعرب عن أسفه لأن بعض المسلسلات والأفلام تسخر من الزي الأزهري وتظهر العلماء في صورة مضحكة .. موضحا أن هذا من شأنه التأثير على الأجيال الجديدة التي لم تعرف للعمامة قداستها واحترامها وبالتالي سيسقط احترام هذا الزي وهيبته من نفوسهم ولذلك لابد من اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتدارك هذا الخطر سواء من خلال إصدار قوانين أو من خلال التوعية و تبصير المسلمين بخطورة ما تتعرض له الأمة في ثقافتها وعاداتها وتقاليدها. تجريم الاستخفاف ويرى الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإِسلامية بالأزهر والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة عين شمس , أن الزي الأزهري أصطلح على أنه زي علماء المسلمين لذلك فالإساءة إليه أو الاستهانة والاستخفا ف بمن يرتديه عمل ينبغي أن يجرم مشيرا إلى أن إصدار قانون لتجريم هذه الإساءة وذلك الاستخفاف من شأنه أن يمنع ظهور شخصيات العلماء في مواضع السخرية والإضحاك في المسلسلات والأفلام السينمائية ورسوم الكاريكاتير في الصحف والمجلات. ويشير إلى أن هذه السخرية لا تحدث إلا مع علماء المسلمين فلا يحدث مع القساوسة لأن الكنيسة لن تسكت عن مثل هذه السخرية وتقيم الدنيا ولا تقعدها موضحا أن العلمانيين في مصر هم الذين يقفون وراء هذه الأعمال التي تشوه صورة علماء الإسلام وتنال من زيهم ومن مكانتهم. ويؤكد على ضرورة مساءلة وعقاب كل من يسئ إلى الإسلام وعلماء المسلمين مشيرا إلى أن الزي الأزهري رمز للأزهر والأزهر رمز إسلامي تنحني له الجباه احتراما في جميع أنحاء العالم. فأينما وجد العالم الأزهري يقابل بالإجلال والاحترام ويتسابق الناس إلى تكريمه وبالتالي فالذين يهزأون ويستخفون بالزي الأزهري إنما يستخفون ويهزأون بالإسلام بشكل مباشر أو غير مباشر. ويشير إلى ضرورة أن يكون العقاب في مثل هذه الحالة مناسبا لكل من ارتكب هذا الجرم ورادعا لكل من تسول له نفسه أن يسئ إلى العلماء وزيهم مؤكدا أن هذه العقوبة سوف تكبح جماح هذا الانقلاب والتخفيف من هذا الإيذاء للعلماء الذين هم رمز لدين الله ـ عز وجل ـ وتحقيق الاحترام لمؤسسة الأزهر التي تعد أكبر جامعة إسلامية في العالم. ويرى أن الذين يسخرون من الزي الأزهري إنما يسخرون من الإسلام ومثل هذا العمل لا ينبغي أن يمر هكذا دونما عقاب أو حساب. فئة محددة ويرى الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف السابق أن يقتصر الزي الأزهري على خريجي الأزهر فقط وأن يلبس قراء القرآن الكريم غير الأزهريين الطربوش بدلا من العمامة ويمكن التأكد من ذلك من خلال الإطلاع على بطاقة أو هوية من يرتدي هذا الزي ومعاقبة من يرتديه من غير خريجي الأزهر مدة لا تقل عن ستة شهور وذلك قياسا على ما يطبق بالنسبة لزي الجيش والشرطة. ويضيف: وبذلك يمكننا أن نقصر الزي على طائفة معينة لها فكر وتوجه معين مع اعترافنا بأن الإسلام لم يحدد زيا ولم يتقيد بلباس دون آخر لكننا نريد لفئة العلماء أن تكون معروفة بين الناس حتى يلجأوا إليهم في الفتاوى وحتى يؤموهم في الصلاة. ويشير إلى أن الزي الأزهري عرف في العصر العثماني وتعارف الناس على أنه زي العلماء وزي خريجي الأزهر وطلابه لذلك لابد من اتخاذ الإجراءات ووضع القوانين التي تضمن لهذا الزي احترامه و عدم السخرية ممن يرتديه. ويرفض الشيخ الرفاعي فتح الباب أمام قراء القرآن والشخصيات العامة من غير خريجي الأزهر لارتداء هذا الزي لأن ذلك يفتح المجال أمام المتاجرين بهذا الزي والذين يستغلونه استغلالا سيئا ويقللون من هيبته. وبذلك تعود لعلماء الأزهر هيبتهم وكرامتهم. القاهرة البيان