يقدم الاسلام نظرية متكاملة لبناء المجتمع والانسان, يوضح ابعادها ومراميها الدكتور (ابراهيم الشهابي) المفكر الاسلامي في كتابه (استراتيجية القرآن) و(الشخصية الاسلامية). فهو يرى ان الاسلام يقوم على تحرير الانسان من الخوف وتأمينه من الجوع فحفظ كرامته ومنحه حرية التعبير وابداء الرأي وفي ذلك صياغة لمجتمع اسلامي عدته افراد مسلمون متحررون من عقد الخوف او الاستهواء. في مستهل حوارنا مع الدكتور (الشهابي) اوضح ابعاد الشخصية الاسلامية فقال: نحن نعلم ان الشخصية الاسلامية لها ملامحها الواضحة النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, ولقد ارسى الاسلام حضارة متكاملة ولذلك انتشر في افاق الارض ودخلت أمم كثيرة فيه, وهذا ما جعل اليهود يحقدون عليه, وجعل الغرب يحقد نتيجة اطماعه الاستعمارية لاستنزاف خيرات المسلمين بل محاولة تسخيرهم لصالح هذه الاطماع, ولهذا يحذرنا الله سبحانه وتعالى من اتقاء مكرهم وخداعهم او اتخاذ بطانة منهم لانهم أساسا لا يحبون المسلمين ولا يريدون لهم التقدم, ولا يعني ذلك انعزال العرب والمسلمين عن العالم او ابتعادهم عن التفاعل مع الحضارات الأخرى بل على العكس من ذلك فالقرآن الكريم يدعو الى التفاعل بين الشعوب والحضارات المختلفة, ولكن دون ان يكون المسلمون تابعين او مرتمين في أحضان الغرب او في احضان اليهود. هناك فرق بين تبادل الخبرات والعلوم والمصالح والارتماء في احضان الغير والاعتماد عليه في كل مناحي الحياة وهذا ما نهى القرآن الكريم عنه. لقوله تعالى (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير). وقد حذرنا القرآن من طاعة بعض هؤلاء الذين يضمرون للاسلام شرا وحقدا ويخططون للنيل منه لأن في ذلك مفسدة وردة عن الاسلام لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أوتو الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين). وبين لنا حقيقة هؤلاء الذين يحرفون كلام الله سبحانه وتعالى (أفتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون). * ما هي أبعاد هذه الهجمة على الشخصية الاسلامية عالميا؟ ـ الاحتواء أول أهدافهم لتوريط المسلمين والايقاع بهم في نهاية الأمر واستنزاف طاقاتهم وتسخيرهم لخدمة أغراضهم ثم التخلي عنهم في الأوقات الحرجة. هم يورطون المسلمين بالخلافات والمنازعات والفتن الداخلية وينسحبون من الساحة بعد اذكاء النار فيها, ويقولون للمسلمين أنتم فعلتم بأنفسكم ما فعلتم ويتنصلون من كل مسئولية وكانوا باستمرار يتخلون عن كل العهود والمواثيق التي يقطعونها على أنفسهم تجاه العرب والمسلمين وينفذون ما يخدم مصالحهم. والله تعالى يحذر المؤمنين مغبة الولاء لهؤلاء اذ يقول عز وجل. (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين, ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء, الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير). ففي هذه الآية الكريمة نلاحظ لفتة دقيقة ينبغي ان ينتبه اليها كل مؤمن ذلك ان الناس لا يمكن ان ينقطع بعضهم عن بعض وخصوصا الدول في هذه الأيام التي لا يمكن الا ان تتعامل فيما بينها على اختلاف مناهجها الحياتية ولكن في حال التعامل يجب اتخاذ الحذر والاعتصام بالله وكتابه ورسوله وبتقوى الله كي لا يتحول التعامل الى (عمالة) و(تبعية) فيصبح الكافرون أولياء المؤمنين والآية الكريمة تؤكد هذه الحقيقة, يقول الحق تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا الآيات ان كنتم تعقلون). وقال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين). * كيف يمكن تصليب الموقف الاسلامي ازاء مثل هذه الهجمات؟! ـ نبدأ بأنفسنا فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعتصم بحبل الله ليكون القرآن الكريم دستورنا ومرجعنا وليس الغرب وايديولوجياته المنهارة. والقرآن الكريم يأمر المسلمين ان يطبقوا هذا السبيل لقول الحق تبارك وتعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) . ويتابع في هذه الآية الكريمة لفت انظارنا ـ كمسلمين ـ الى عدم الفرقة لتصليب الموقف الاسلامي في مواجهة اعداء الاسلام لقوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم) . فتماسك المجتمع الاسلامي يبدأ من بناء الذات الاسلامية القويمة ولكن ينبغي الانتباه الى ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب الا يمارسه إلا من سلمت نواياه واثبت جدارته العملية على المودة والمحبة وروح التسامي عن المصالح الذاتية, هؤلاء هم من الاصفياء الانقياء الخيرين الذين قال القرآن انهم جزء من امة خير (كنت خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون) . * عالم اليوم يقوم على الاقتصاد المفتوح ونظام السوق والعولمة فكيف ترى موقف العالم الاسلامي في هذه المنظومة الدولية؟! ـ حث القرآن الكريم على ضرورة بناء اقتصاد قوي, لان الاقتصاد القوي يعد من ابرز عناصر قوة الامة خصوصا اذا ما اقترن ذلك بالايمان الذي دفع الى استكمال عناصر القوة وإلا كان ايمانا شكليا منقوصا وليس جمع المال غاية في حد ذاته, بل استخدامه لانعاش المجتمع والاقتصاد عن طريق تشغيله وانفاقه في وجوه الخير قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله, ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون, وانفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول رب لولا اخرتني الى اجل قريب فأصدق واكن من الصالحين) . والمقصود في هذه الآية الكريمة ان يذكر الانسان ربه في كل تصرف يقوم به ويضع مرضاة الله نصب عينيه ويجعل منه غاية علمية سواء في كسب المال او انفاقه للاعمار واسعاد الناس والمجتمع واقامة تضامن وتكافل اقتصادي واجتماعي ويقول تعالى: (وفي اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) . * ما هو الاطار الاسلامي للاقتصاد؟! ـ يقوم الاقتصاد الاسلامي على التكافل الاجتماعي فالمال فيه حق للطبقات الفقيرة وواجب على الاغنياء دفعه لان في ذلك تزكية لمال المنفق المانح ويشعر الممنوح ان هذا حق له من الله رب العالمين ورزاق الجميع الامر الذي يؤدي الى التفاعل الاجتماعي القائم على الود والمحبة وبذلك تنتفي عناصر الصراع ويحل محله التكامل فيغدو المجتمع الاسلامي كله طبقة واحدة ذات شرائح تتفاعل فيما بينها ويكمل بعضها بعضا, كل يقوم بواجبه وبمهمته لبناء اقتصاد سليم قوي ومجتمع نظيف يسوده الحب والسلام. ولقد حرم الله كنز المال والاحتكار الرأسمالي والربا بل حض على تداول المال لان ذلك يساعد على تنشيط الحركة الاقتصادية ويحول دون وجود بطالة من اي نوع ظاهرة كانت او مستترة وطمأن الله تبارك وتعالى عباده بان الرزق لا ينضب وان الخير من الارض لا ينفذ وان ما يفيض عن الانتاج لا يجوز اتلافه بذريعة المحافظة على الاسعار او خشية هبوطها بل ينبغي ان يوزع بالعدل فلا تكون هناك مجاعات ولا يكون هناك عوز يقول تعالى: (ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب) . وقال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) . يتبين من ذلك ان الله يحض المسلمين على تداول المال وعدم كنزه بل انفاقه في وجوه الخير وصالح المسلمين وفي ذلك يتحقق لهم المكانة المرموقة في الاستثمار وتطوير الانتاج ليواكب حاجات الناس وعدالة التوزيع, فتشغيل المال باستمرار وتداوله بموجب شريعة الله يحصن المجتمع الاسلامي فلا يواجه ازمات طاحنة ويتحقق الامن الاقتصادي لقوله تعالى (وجعلنا فيها معايش ومن لستم له برازقين) . وهذه النظرة الاسلامية للاقتصاد قائمة على العمل والكسب المشروع. * أهكذا تبدو النظرة الاسلامية للعمل ودوره في الكسب والتنمية؟ ـ نعم: العمل من وجهة النظر الاسلامية حق لكل انسان دون اسغلال او بخس لحق العامل في حياة حرة كريمة لكي لا يقوم صراع بين العامل وارباب العمل فتزداد الهوة والفوارق, فالعمل هو كل جهد مادي او فكري او معنوي يؤدي الى تحقيق مصلحة الفرد والمجتمع سواء كان موقع العمل صغيرا او كبيرا في اطار من التفاعل الحي والكريم. يقول تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ان ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم) . ويقول جل جلاله: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) . ولا تعني الاية الكريمة ان تستغل الطبقة الاعلى الطبقة الدنيا ففي العمل الجميع مكرمون مادام لكل انسان دوره وموقعه ولا يمكن الاستغناء عن دوره وفق قدراته مادام الامر في اعمار الارض والتنمية ولذلك قال تعالى: (وليبلوكم فيما آتاكم) اي لنختبركم في مهامكم, هل تقومون بأدواركم كما امركم الله ام تنحرفون عن سبيل الله الذي هو سبيل مرضاته وسبيل الاعمار والبناء.