ترتسم على محيا الفنان يوسف العاني ملامح المسرح العراقي عبر رحلة عطاء تمتد لأكثر من نصف قرن من عمر الزمن. وبما ان المسرح العراقي من المسارح العربية العريقة, لذلك كان الفنان يوسف العاني ملتزما باخلاقيات المسرح, مما جعله من وجوه المسرح العراقي البارزين واكد حضورا فاعلا على الساحة العربية والعالمية.. فلنرحل معه في رحلة عطائه. اذا اردنا ان نستعرض النتاجات التي قدمها الفنان يوسف العاني في خط التأليف المسرحي اولا وخط التمثيل ثانيا: اولا: التأليف المسرحي, يمكن ان اضعه بتواز مع بداية وقوفي على المسرح ممثلا في عام 1944.. والذي كان اول دور مسرحي لي في مسرح حقيقي, اعني هناك منصة وستارة وجمهور وكان ذلك في اول حفلة سمر تقيمها جمعية العلوم في الثانوية المركزية ببغداد.. وكانت المسرحية كما اشرت من تأليفي.. اعتمدتها عن حادثة حقيقية وقعت في مقهى شعبي في محلتنا بجانب (الكرخ) في بغداد. اقول: رغم بساطة البداية الا انها دفعتني لأن استمر في اطار المسرح المدرسي.. فمن المدرسة الثانوية الى كلية الحقوق؛ حيث الانسان, هو المادة الاساسية في مواضيع مسرحياتي, لذا اقبل الناس ليروا مسرحا امتزجت فيه المأساة والملهاة ـ كما قلت ـ لتحرك الساكن في النفس والذهن عبر جمعية (جبر الخواطر) التي اسستها مع مجموعة من الطلبة في كلية الحقوق. اول مونودراما يواصل العاني حديثه قائلا: كانت هناك مسرحيات: (في مكتب محام) و(محامي نايلون) و(محامي زهقان) العام 1949 و(المعذبون في البيت) بالاشتراك مع الراحل (شهاب القصب). و(جبر خاطر قيس) وهي فكرة متكررة يمكنني ان اضعها الان في اطار مسرح التجريب الذي عرفناه بعد سنوات طوال وكان ذلك العام 1950. هذه الرحلة الاولى ثم اتسعت الرؤية في الكتابة, فقدمت اول مونودراما تنتمي الى مسرح اللامعقول مجنون يتحدى القدر. وسرت في مجال المسرحية الاجتماعية الناقدة, فألفت تؤمر بيك ـ ,1952 موخوش عيشة ـ ,1953 فلوس الدوه ـ ,1955 (ست) دراهم ـ ,1955 جحا والحمامة ـ 1957 ـ اول مسرحية عربية ـ بانتومايم ـ تقدم على مسرح ستانسلافسكي بموسكو ضمن مهرجان الشبيبة الذي اقيم في الاتحاد السوفييتي ـ آنذاك ـ. هذه المجموعة ومعها الصرير ـ ,1987 والضربة الموجعة ـ 1989 وانيسة ـ 1995. كلها مسرحيات الفصل الواحد وان اختلفت مشاهدها.. لكنها تعتبر من المسرحيات القصيرة. اما المسرحيات الطويلة فقد بدأت بكتابتها منذ العام 1957.. ومنها مسرحية (آني امك يا شاكر) التي قدمت العام 1959 وكانت انموذجا للمسرحية السياسية الممتزجة بالتوثيقية لمرحلة عاشها العراق قبل 1958. كتابات ما بعد النكسة ان اهم مرحلة في مسار كتاباتي المسرحية كانت عام ,1968 وكانت تعبر عن تراكمات واحداث حلت بواقعنا السياسي بعد نكسة يونيو 1967.. فكانت مسرحية (المفتاح). ثم مسرحية (الخرابة) وفيها الملحمة والوثائقية علامتان بارزتان دون ان تبتعد عن الحس الشعبي والاصالة. ثم (الشريعة) و(الخان) و(خيط البريسم) و(نجمة) و(الزعفران).. لأعود بعد ذلك الى المسرحيات ذات الفصل الواحد مسميا الاتجاه بـ (السالوفة) والاصطلاح جمع بين (السالوفة) و(المسرحية) ليكون النص المكتوب (سالوفة). * وماذا عن التمثيل؟ ـ مثلت وانا صغير دور (يوسف الطحان) وانا في الصف الرابع الابتدائي, ثم رحت أدرس هذا الفن وتعرفت في مرحلة ما على فرقة (البرلينز انسامبل) اي مسرح برشت فأثرت تجربتي. رائد المسرح العربي والافريقي * ما الجوائز العربية والعالمية التي نلتها؟ ـ نحن سنتجاوز الجوائز الكثيرة والمتنوعة التي نلتها داخل العراق, لنتحدث عن الجوائز على الصعيد العربي: افضل كاتب سيناريو عن تمثيلية (ثابت افندي) في مهرجان اتحاد اذاعات الدول العربية بتونس عام 1983. توجت رائدا (مسرحيا) لمسرح العربي والافريقي في مهرجان قرطاج المسرحي بتونس عام 1985. كرمت في مهرجان الجامعة الوطنية لمسرح الهواة في المغرب 1994. بطاقة تقدير من نقابة الفنانين ـ سوريا عام 1979. بطاقة شرفية من اتحاد الممثلين المحترفين ـ تونس 1987. جائزة مهرجان الرواد العرب ـ تحت رعاية الجامعة العربية في 7/12/1999 القاهرة. عالميا ـ ابرزها: انتخبت عضوا في اللجنة التنفيذية للمركز العالمي للمسرح في المؤتمر العام المنعقد في برلين عام 1983 للفترة ما بين: 1983 ـ 1985. جائزة تكريم معهد العالم العربي في باريس ,1998 ضمن مهرجان السينما العربية في دورته الرابعة. ومازال ينتظر جوائز اخرى..! مسرح الرداءة * الظاهرة التجارية التي ظهرت في المسرح العراقي.. الى ماذا تعزوها؟ ـ ليست هي ظاهرة في المسرح العراقي حسب, بل في كل المسارح العربية في الوقت الحاضر.. وانا ابتداء لا اسمي هذه الظاهرة بـ (التجارية) وانما ادعوها بـ (الرداءة) فالمسرح رديء, وعلى الرغم من انه يأتي بايرادات كبيرة لكنها في تقديري (حرام) لأنها لا تأتي عن طريق العروض المسرحية الحقيقية.. التي تحمل قيمتها وافكارها الانسانية الكريمة ومتعتها العالية, بل تعتمد على التهريج والاسفاف والرقص المتدني.. لهذا لا يمكن ان نسمي عروضا كهذه بـ (مسرح) بل هي نوع من انواع (الملاهي) المعروفة والتي تحول المشاهد الى متفرج (مخدر) لا تعنيه غير المتعة السطحية حتى وان سفت او سقطت في السوقية البذيئة. في العراق شاعت وانتشرت هذه الظاهرة بصورة خاصة بعد الحصار, فصار امام بعض فناني المسرح الجيدين منفذ للرزق بعد ان ضاق بهم العيش.. وطبعا انا لا اعتبر ذلك عذرا بقدر ما اعطي الحق حين تخنقهم الحياة الصعبة الى حد الموت!!. * هل يمكن ان نعتبر (المسرح الشعبي) هوية للمسرح العراقي؟ ـ المسرح الشعبي ليس هوية للمسرح العراقي وحده بل هو واحد من سمات ذلك المسرح الذي ارتبط بالشعب قضية وموقفا, مضمونا وتعبيرا. المسرح العراقي اساسا بدأ مسرحا سياسيا, ومثقفا في آن واحد. حضور دائم * ماذا عن مساهمة المسرح العراقي في المحافل العربية والعالمية؟ ـ اكد المسرح العراقي حضوره الدائم في المحافل العربية والدولية ولاسيما قبل الحصار الذي فرض عليه. المسرح العراقي, نال الجوائز, وكانت عروضه في مقدمة العروض المسرحية على صعيد النص والاخراج والتمثيل, فمهرجان قرطاج المسرحي في تونس يؤكد ذلك عبر سنوات.. وكانت اخر الجوائز.. جائزة افضل عمل مسرحي متكامل في المهرجان الاخير للقرن العشرين لمسرحية (الجنة تفتح ابوابها متأخرة). اما المحافل الدولية من ندوات ومؤتمرات فقد كان حضور المسرحيين العراقيين فيها تأكيدا على المستوى الرفيع الذي يقدمونه وقد اسندت لهم وفي اكثر من مؤتمر وندوة المواقع المتقدمة فيها. بغداد سامر المشعل