تتواصل عروض وفعاليات ايام الشارقة المسرحية في دورتها العاشرة لليوم الثالث على التوالي حيث قدمت امس فرقة مسرح دبا الفجيرة مسرحية العارضة تأليف واخراج محمود ابو العباس وبطولة عبدالله مسعود وعبدالله راشد, فيما قدمت فرقة مسرح دبي الاهلي عرضا لمسرحية (عنتر وعبلة) تأليف واخراج جمال مطر, واستطاع العرض الاول ان يحقق درجة عالية من التواصل بين جمهور الصالة وما يعتمل فوق الخشبة حيث برع اداء الممثلين في تجسيد مأساوية الاحداث وعبثيتها. فيما حقق عرض مسرحية (عنتر وعبلة) تواصلا من نوع اخر مع حالة الجمهور حينما تمكن الممثل الكوميديان جابر نغموش ان ينتزع ضحكات جمهور الصالة وتصفيقهم لخفته. قدم عرض (العارضة) مضمونا فكريا انسانيا غائرا في الجرح الانساني المعذب بسوط الجلاد.. والعارضة مقطعا جوهريا في القضية الاكبر في نزوع الانسان الى البحث عن الحرية والخلاص في استلاب كيانه في عالم تسوده الانانية والفردية ويقوم على اخضاع جميع الاشياء الى برمجة قائمة على نظام السلوك والتصرف والتبعية والوقوف في دائرة الموت. ففي العارضة اكتشفنا هذا الصراع المرير والمزمن يقف على رأسه نص عميق وسلس ومفعم بالدلالات وبايقاع مونتاجي ولغة شعرية عالية شحونة تصل الى العمق والوجدان مباشرة متجنبة الوقوع بالمباشرة, والشعاراتية.. وهو نص يحمل هموما انسانية بخصوصية معروفة تنطلق في اغلب الاحيان الى ابعاد كونية غارفة في صرخة لن تكون مكتومة فالوجع مستفز والاكمام لم تعد قادرة الوقوف امام هذيان الحقيقة. فالغائب هو الساكن في الذاكرة.. انه جثة هامدة بمفهومها الشعري العام لكنها قادرة على توجيه الفطام الداخلي المؤسس والمبرمج في حياة المجموعة وهذا التحكم لن يكون بمعزل عن ماضي الشخصية وحاجزها بل ينطلق قويا رافضا هذا التمشكل مع انه محوم بكاشف وباعث يطوق جميع التصرفات المزدحمة بالفعل الانساني والمتصادقة مع حرية الفرد.. حرية الجماعة.. حرية الوطن.. انها رؤيا مشبعة بالمسئولية والانسانية. ازاء هذا القصور يقدم النص اشكالية واضحة مبنية على اساس الغربة والبحث عن قيمة وجودية عليا تجعل مكان الاحداث متطابقا مع بنية العمل المتمثل بالشكل المركب الذي يعطي وعيا متباينا وبالتالي يفسح المجال للتأمل والتأويل, انه مليء بالدلالات الواضحة والصريحة مع الواقع الاجتماعي وفي انقطاعه نحو الذات الانسانية المستلبة. ان عارضة ابو العباس النبه قد وضعت مسرحة القضية دون تسيس بل وضع نصب عينيه مسرحة العالم الخارجي جنبا الى جنب مع مسرحة عوالم الذات الداخلية.. انها نظرة تكاد تكون فلسفية تكشف بعمق ان كل ذلك التنوع والغنى لا يعدو ان يكون مجرد تفريعات تتبنى في اصولها قيمة رصيدة هي الحرية.. اي بمعنى ان الحرية لا تغيب مطلقا عن الضحية فردا او جماعة انما تغيب ايضا عن الجلاد الذي يمارس الاضطهاد والقمع والقهر وهي بطبيعة الحال ممارسات لا انسانية تجعل صاحبها فاقدا لحريته ايضا.. اذن فالضحية والجلاد يلتقيان في بؤرة هذه الاحداث والاثنان معا في صراع جدلي قائم منذ هابيل وقابيل. اضف الى ذلك ان العارضة قالت ان الحرية ليست متعالية علي الواقع بل هي ممارسة ضمن اطاره وداخل نسيجه.. فالحياة لا تستقيم الا بعارضة وسكين وسلطة وموت يومي منظم. وحضور العارضة واضح بعد توافق ذهني وفكري وفيها مشتركا لمفردات البناء المسرحي خاصة ان المؤلف هو ذاته المخرج فجاءت التوليفة متوهجة ومتكاملة وغنية بالدلالات والدراما.. وكاشفة عن موهبة تحركت في هذا الفضاء عبر حس بصري جميل ومؤثر حيث اكد ابو العباس انه بالامكان استحداث لغة بصرية قائمة بين جميع الدلالات التي على الخشبة, انه تناغم بين جسد الممثل وحركته وبين الموسيقى والديكور.. فجاءت جمالية العرض موثقة بوعي وادراك تبعث عبر الكلمة. ومما يبعث على السرور ذلك الاداء الجميل والمؤثر عند عبدالله راشد وعبدالله مسعود حقا كانا قد سرقا العمل برمته في اداء متقن وحرفة تمثيلية كشفت عن مدى الجهد الذي بذله فنان مثل ابو العباس مع ممثليه.. فقدما ايقاعا مشحونا ومدورسا حافظا على ما يحمله النص من دلالات وشفرات ونقلها الى المتلقي. وفي عرض (عنتر وعبلة) تأليف واخراج الفنان جمال مطر وهي مستقاة كما هو معروف من القصة التاريخية المعروفة وساكنة في الذاكرة الشعبية برؤيا اخرى وتصور فكري قائم هذه المرة على الحرية.. عنتر في هذه المسرحية او بهذه الواقعة التاريخية الجديدة يأتي باحثا عن كيانه وحريته ومهما كانت عبلة صدفا ماضيا ولعبة لخيال واسع فانها تبقى في اطار هذه الذاكرة المستلة وهذه التصور المبنى بما فيه, فإنه احيانا قد يفسد المتعة الفكرية القائمة.. لكن المسرح بما فيه من التأويل والمشاركة الحسية القائمة على استغلال هذا العمق والموروث فإنه يبقى مؤثرا ومستجيبا لصياغات متعددة الجوانب. وانطلاق مؤلف ومخرج المسرحية من هذه النقطة الجوهرية حملت عرضه دلالات جديدة جاءت اغلبها مشتركة في شكل العرض والتي تجلت بتلك الحركة القائمة على التوازن ما بين الفعل التاريخي وردود الافعال الاخرى بين شخصيات العرض برمته, واعتقد ان الفنان جمال مطر قد استفاد كثيرا من الملاحظات السابقة وقدم هذه المرة عرضا يليق به كفنان باحث عن تكوين رؤيا سينوغرافيا اضافت لعرضه تشكيلا من حسية عالية في تكوين المشهد المسرحي. ومع مرور الوقت يكتشف عنتر ان الحرية التي اشتراها في حب غير متوازن كانت بمثابة تفجير حتمي للعلاقات في سياق حديث بعد سبر اغوارها في الوجدان والتفاعل معها بشحنات تاريخية مؤطرة خاصة انها اوطرت باسقاطات واضحة وان تجلت بابعاد ايديولوجية لكنه شبعت بالتفخيم الشعري للزجل العذري فمنحت العمل دفئا ونسقا من المشاعر المؤججة للاحداث فالمكان, هو الصحراء والمشبع بمناخية العرض فاستطاع المخرج ان يؤلف وحدة مكانية شيدت هرمية العرض وتنوع في انتقال الاحداث فامتلك حضوره الفني وخاصة بعد تفاعل مؤديه الذين كانوا مؤثرين قادرين على التنوع في الاداء, فالفنان جابر نغموش طاقة هائلة من الكوميديا استطاع ان يقف بالضد من عنتر في لعبة غلب عليها المحاكاة الساخرة واللمحات التي اضفت روحا مرحة اضافت نكهة للعرض. تغطية مرعي الحليان ظافر جلود
في اليوم الثالث لأيام الشارقة المسرحية ، العارضة تفلسف الخلاص من ثنائية السيد والمسود ومعنى السلطة ، عنتر وعبلة الحرية والرهان وكوميديا شيبوب في رحاب الاسطورة
