قدمت فرقة مسرح الاتحاد ضمن عروض ايام الشارقة المسرحية امس مسرحية (البانيو) تأليف د. جواد الاسدي وصالح كرامة واخراج وسينوجرافيا, د. جواد الاسدي تصميم ملابس آلن كرم والاعداد الموسيقى مسعود امر الله وقام بالتمثيل كل من علاء الدين النعيمي, محمد جمعة, علي الجابري, عبدالله بوشامس, مبارك ماشي ومحمد آدم عازفا على آلة الساكسفون. صفق الجمهور كثيرا لهذا العرض الذي تكاملت معطياته وانسجمت مع اداءات رائعة لمجموعة الممثلين والمجموعة التي حولتها فكرة السينوجرافيا الى دالة متجددة تسحبها احداث المسرحية الى مناطق اكثر سخونة واكثر برودة في آن واحد, والحديث عن قامة عربية مسرحية مثل الدكتور جواد الاسدي يبقى منقوصا وهو المعروف بمشروعه المسرحي الذي جاب به ارجاء الوطن العربي ومع فرق وممثلين عرب, لكنه يحط رحالة للمرة الثانية مع فرقة الاتحاد بعد مسرحية (مندلي) لينقل هذا الفريق الى مستوى آخر من العلاقة بالمسرح.. وفرقة مسرح الاتحاد وهي تختط هذا النهج في تبني اعمالها المسرحية فإنها تؤسس لتيار مسرحي قد يخالف السائد المحلي في كثير من جوانبه.. ان مسرحية (البانيو) وهي تعالج فضاءات النص الذي كتبه د. جواد الاسدي وصالح كرامة قد يبنى على حكاية بسيطة استنطقها المخرج والممثلون في مناخات وبافعال فككت المقولات النصية الصغيرة وحولتها الى جمرات على ألسنة الممثلين واداءاتهم وحركة المجموعة العنيفة في كل شيء, وسينوجرافيا ملأت الصندوق السحري بجمل مكشوفة واخرى غائرة في عمق الحقيقة. كما هو مؤلم جبروت الانسان حينما تتحول سلطته الى خنجر مغروز في الصدور, وكم هو الالم جارح حينما تتألم ولا تستطيع الصراخ, والاكثر من ذلك ان تسقط الرجولة في مواجهة العنف ويسقد من يدها خنجر الخلاص. مقولة (البانيو) مفتوحة الى ابعد مدى على سبيل من الدلالات, سيل من الاسئلة الابدية.. يتحول كل هذا في اجساد الممثلين الى ما يشبه السم وسيبقى الاعمى الضاحك مفتونا ببصريته لا بصره المنطفئ, ان العرض الذي يفتح ابوابه وشبابيكه لصالح الجمهور وكراسي القاعة ليلقي بمفاتيحه دفعة واحدة يترك الدهشة واقفة في ركنها المحير والمقولة الواضحة التي تتحول الى فرجة قادرة على خلق توترها المستمر ستعمل على فتح الحوار الصامت بين الجالس في صالة العرض وذلك الذي يفتعل السحر فوق الخشبة. عبرت الحركة والايماءة الصغيرة والكلام السريع الموصول والكلام المنقطع والكلمات المفردة والمجتمعة كلقمة في فم الممثل الفارغ لتغلقه ويبقى الآسر هو العامل البطل في البصري الذي ارادت له الجمل الاخراجية ان يبقى مشدودا الى اللحظة الاخيرة. لكن كم هي رائعة تلك المجموعة من شباب فرق مسرح الاتحاد وهم يتسلقون ببراعة تلك القمة والهاوية معا, برع محمد جمعة ادخلنا الى بؤبؤ عينه الصائمة عن النظر الى حريق الهاوية واستطاع علاء الدين النعيمي ان يحبسنا في قفص مخيون, ان يلفنا بتلك الاقمشة وان يجعلنا ضمن القطيع الذي يتبع ظله, اما كتاب علي الجابري ونظارته فإنه يسحبنا بحبله الى منطقة آمنة كي تصرخ بعيدا عن الخوف, لكننا لن نفعل لانه لم يفعلها, غاص بنا عميقا في هوه الرفض ولم نرفض, ومن منا يستطيع رفض واقعه رفضا كليا.. انه الخوف وحده هل هذه حقيقة؟ هكذا يفتح عرض البانيو بعنف الصوت والصورة والحركة بوابة الاسئلة والمفاتيح.. ليبقى سؤال العرض قائما الى آخر ايامنا. نقول ان الحديث عن المخرج د. جواد الاسدي هنا متأخر جدا فهو يمضى في مشروعه او مسرحه ونهجه الخاص منذ زمن طويل, لكن المفرح نتيجة هذا المشروع على اعضاء فرقة مسرح الاتحاد الذين يصرون على سلك الطريق الشاقة للوصول الى مشروعهم الخاص ايضا. وفي الندوة التطبيقية التي تلت العرض يمكن لنا نستشهد بما قاله الدكتور محمد المديوني حينما قال: وجدت اندفاعا وحرارة وحيوية لا تسمح بالانفصال عن مشاهدة العمل, هناك طاقة بثت الى هذه المجموعة واستخدم عبارة آرتو هنا وهو صاحب مسرح القسوة الذي قال ان المسرح عبارة عن معادلات تتحول صورتها لتعود بصورة رتيبة ميتة, ان هذا المسرح هو الذي حاربه آرتو وبيتربروك.. اننا في عرض البانيو نجد هذا التخلص من الرتابة وتشهد تلك الاندفاعات الساخنة التي يتصبب منها العرق, والمسرح عرق في النهاية.. اشكر الدكتور جواد الاسدي على هذا العرض واشكر الفرقة واتوقع لها المزيد من النجاح. بعد ذلك قدم د. المديوني بعض التساؤلات حول العرض قائلا: قام العرض على تعدد الخطابات لان المسرح ليس نصا فحسب فهو قائم على التقاطع والدلالات التي تعدد, هذا العرض قائم على النص لكن الى جانب ذلك هناك تشكيل لوني وصوتي وشريط ايقاعي يصاحب سير العرض, وأود هنا ان اشكر مصممة الملابس التي عادت بنا الى العناصر الاساسية في اللون الاحمر, الاصفر والابيض, سيمفونية لونية قائمة على التناغم, وهناك تعامل في مكانه مع السينوجرافيا لقد تشابكت وتعددت هذه الخطابات في العرض وهذا الزخم من الدوال البصرية السمعية اوصل النص ومقولة العمل بأكثر من وسيلة. لكن الاحظ على الاداء غلبه التشنج في الاصوات والتوالي لماذا كانت العضلات متشنجة دائما؟ ويضيف د. المديوني: هناك سعي لاستعمال شفرات متفاوتة المستويات نقول الشيء ونصوره او نشير اليه واسأل ألا يحسن ان نبتعد شيئا ما عن التصريح حينما نستخدم الايحاء؟ تحدث بعد ذلك الدكتور جواد الأسدي مخرج البانيو فقال: ان المسرحية مجموعة تشابكات واتصالات وتماسات لا استطيع ان ادعي او ان اتحدث عن اشياء لم نفرضها في العمل وبالتالي فإن وظيفتي هي على المسرح اكثر من اكون منظرا. لكن هناك ملاحظة وحيدة ومن خلال سياق تجربتي مع هذا العمل وهي التفاوت في مستويات الادائية على صعيد ايقاع الممثلين ومخارج حروفهم والشخصيات التي يؤدوها فوق الخشبة لذلك فإنني اؤكد على ما قاله الدكتور المديوني اي هناك مشكل داخل سياق العلاقة مع الممثل سواء بالنظام الصوتي والجسدي والاتصال فيما بينهما وانا اعتقد انه في العموم نحن جميعا نعاني منها كمخرجين هي مشكلة الممثل العربي وتتلخص بعناية الممثل مع المعمل الشخصي والنظام اليومي وكيف يربط علاقته بنفس الممثل وهي معضلة كبيرة وموجودة في بنيان مسرحنا العربي عموما.. الممثلون يعملون في الاغلب على صعيد المصادفة وليس على صعيد التراكم, فالممثل العربي هو مصادفة ممكنة وقادرة ان تفجر فيها الطاقات لكن وما ان تنتهي هذه الطاقات يذهب الممثل الى الموت او السكوت او اغلاق الباب على معمله الشخصي او نظامه بدون علاقة مع المسرح. داخل العلاقة مع العمل المسرحي احاول بكل امكانية ولذة ومنفعة اقامة نظام لكي اخلص الممثل من هذا الدور المؤثر.. حاولت في ذلك خاصة في هذا العمل لأن تجربة معظمهم بسيطة اي الماضي الشخصي لكني اعتقد ان تحديهم يأتي في هذه النقطة باعتبارهم غير محترفين وليس لهم نظام حياتي يدخل في منهجية فن التمثيل ويكفل لهم ان يعيشوا فكرة المسرح بكل تفاصيله.. ولكن الشهور الثلاثة من الجحيم والعمل اليومي في التكنيك والتكسير واعادة النظر في البناء والتجميع قد توصل بعض الممثلين في ان يتخلص مما عنده من اشياء حتى يستطيع ان يبني سياق العمل مع التمثيل كفن طبيعي.. فالمشكلة كبيرة ومركبة. أرجع الان الى الملاحظة المهمة التي ذهبت بالقول ان الممثلين كانوا متشنجين ومتوترين, وهذا نظام انا اعمل عليه لأنه يمثل نظاما صوتيا وجوهرا حقيقيا لدفع العرض الى مستويات ارتوية او الى مستويات فيها تكسير لفكرة العلائق المعروفة مع النص والعرض ومع مجمل فكرة التمثيل. فلم يعد التمثيل يقوم على نص كلاسيكي لطبيعة الالقاء انما بالامكان استخدام مجموعة من البناءات الصوتية والجسدية والشكلية في الزي والعمارة الفضائية وبأحداث هذه اللبنة المركبة الممتزجة المتناقضة المتآكلة التي تذهب الى البناء, هذا كله يؤسس النظام العام لشكل العرض.. لذلك فأنا اعتقد فيما يخص عمل المخرج العام على العلاقة مع الممثل بالدرجة الاولى تكون اصعب ومعقدة واشكالية ويحتاجها بناء ذاتي لكي يتم اصطياد عدد من الممثلين الذين يخرجون من اليوم المميت الى اليوم الحي وهذا ما نحاول فيه. ثم تحدث المؤلف صالح كرامة في تجربة لقاءه مع المخرج جواد الاسدي فقال: طرحت فكرة بسيطة من خلال مسرحية المصباح خاصة بعد ان احتدت علاقتي به باعتباري كنت احد ممثليه واستفدت من تجربة هائلة من التراكم الفني والفكري.. فرحب جواد بالفكرة واعتمدها, للانطلاق برؤيا وتكثيف جديدين وحينما التقينا في ابوظبي دخلت ورشة العمل اليومي وفعلا تمت كتابته اكثر من مرة حيث اننا خلطنا الليل بالنهار. لذلك اعتبر هذه الورشة مفتاحا للكتابة المسرحية وذات فائدة كبيرة خاصة بعد ان اعتمدنا على الممثلين في اغناء العمل حتى وصلنا الى هذه النتيجة. وفي حوار متداخل يتساءل الدكتور برهان الشاوي عن الدلالات الفكرية والمرجعية وحدود النص بين جواد وصالح خاصة ان المسرحية طرحت تساؤلات ربما تغيب عن بعض المشاهدين مثلا اسم ملايين واسم خيون. فهل هناك علاقة ذاتية وراء فكرة المسرحية خاصة ان الدكتور جواد يعيش هاجس موروثه الاجتماعي والانساني وعقب جواد الاسدي: اولا فيما يخص العلاقة مع كرامة فقد اعطاني نصا بسيطا لكنه شفاف وهو في بدايته الأولى وحينما التقيت به في ابوظبي انقلب النص عدة مرات.. انا كتبت الممثلين وخرج بهذا الشكل وحقيقة كانت ورشة عمل مخلصة وجوهرية وبعيدا عن كل المسميات, وانا مسرور بكل هذا, الفقرة الثانية وهي اساسية وجوهرية بالنسبة لي فأنا اعتبر نفسي كاتبا مسرحيا بقدر ان اعمل على الفكرة الاخراجية اولا.. فالفرق الجمالي في الموروث هو احيانا يأتيك بسياقات التراكم الجمالي في الذاكرة.. فنحن كعراقيين لدينا ارث دموي سوداوي كبير يتقاطع مع سياقات اسسها العديد من السينمائيين مرورا بكورساوا اوتورتوفسكي بجمالية الشكلية البصرية اعتقد انه مورثنا ودلالاتنا وهذه هي صغريتنا التي نقصد اولا نقصد نريد او نريد لكننا ننجرف ونتوه في هذه اللجج, في هذا السواد الكبير سواد الدم فكل واحد منا لديه ذاكرة محترقة مدمرة مهمشة حاملا فيها اثره الشخصي فلازم يخرج على الخشبة.. فهذا الذبح الاسطوري ليس بالضرورة ان يكون بالسيف بل ذبح الامكنة.. ذبح النفي.. ذبح الزمن.. ذبح الفضاءات المهتدمة.. ويمكن هذا الذي أتحدث عنه متأسس واصبح له مكانة في ذاكرتي دون ان اعلم لأنني متفرج سينمائي. تغطية مرعي الحليان ظافر جلود