وصف القرن العشرون بأنه قرن إجرامي, امتلأ سجله بالحروب الدموية. فكل ما حدث في القرن التاسع عشر من مجازر ورعب, لا يرقى إلى الرعب الذي أثارته القوات الروسية في الشيشان. ففي القرن العشرين بدأت الملاحم الدموية بحربين عالميتين, ثم حرب باردة استمرت 40 عاما, ما أن انتهت, حتى بدأت صفحة دموية بلون آخر, اتسمت بالعنصرية, حيث الحروب الداخلية أشد وأفظع مما كانت عليه, والموتى ليسوا رجالا مدربين, بل مدنيين جلهم من النساء والأطفال. وأوردت احصائية مفادها أن نسبة ضحايا الحروب بين العسكريين والمدنيين, في بداية القرن العشرين, كانت ثمانية إلى واحد, ثم انقلبت النسبة في نهاية القرن إلى واحد على ثمانية, وترتفع النسبة في منطقة افريقيا, جنوب الصحراء, حيث وقعت معظم دول هذه المنطقة فريسة للفساد والفوضى والحروب, بعد أن نالت استقلالها من القوى الاستعمارية في حقبة الخمسينيات والستينيات, وأن الحروب الحديثة أتت بالمرتزقة, وهي عبارة عن مجموعات من رجال العصابات والمتمردين تستغل الظروف القائمة بصورة بشعة, فاغتالت الطفولة وفرضت التجنيد الإجباري على شباب لم يصلوا إلى سن الرشد, فغدت البندقية هي بديل السيارة الفارهة التي يحلم بالحصول عليها. أما في القوقاز وآسيا الوسطى فثمة سياسة عرفت بـ (سياسة الهوية) . قديما, كانت الحروب تنشب لأسباب جيوبوليتكية وأيديولوجية, بينما الآن تنشب لأسباب عنصرية ضيقة, فقد أطلق بعض الكتاب على حروب التسعينيات وصف (حروب ما بعد الحداثة) بينما أطلق عليها آخرون وصف (حروب الانحطاط) , نسبة إلى الطريقة التي تتقاتل بها الجيوش الوطنية, من أجل مكاسب اقليمية ليست ذات قيمة, وهذا ما تنبأ به ليون تروتسكي, حيث قال: (سيوحد التطور الرأسمالي العالم, لكن بصورة درامية, غير عادلة, تحمل في طياتها مزيدا من التفكك) . وتقود المظاهرات التي عمت مدينة (سياتل) الأمريكية إبان انعقاد المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سبتمبر الماضي إلى حقيقة مفادها ان الصراعات القادمة ستنشب بسبب أمور مختلفة تماما مثل ما إذا كان يتوجب قيام تجارة حرة أو تجارة عادلة, والكيفية التي بمقدورنا الجمع بها بين النمو الاقتصادي ومتطلبات المجتمع الأساسية, أو كيفية تنظيم رأس المال وخلق شرعية لسلطة الدولة. يبقى الأمل, رغم ان القرن المقبل قد يفاجئنا بأهوال أشد من سابقه, ونصاب بخيبة قاتلة. محمد خليفة