عندما داهم الغزو الفضائي ثقافاتنا وعاداتنا اخذنا على حين غرة, لم نكن حينها مهيئين لمواجهة هذا العدوان الشرس, والذي بدت آثاره ماثلة في اجيال اليوم الذين تربوا على يد جهاز التلفزيون واصبحوا يدينون له بالكثير من المفاهيم والمعارف. وللاسف فان ما ساقه الجهاز الاعلامي لهذه الاذهان الصاغية والعقول المتفتحة, لم يخرج عن نطاق الاغنيات الهابطة والبرامج المبتذلة والمبادىء المستوردة فحسب بل جعلت من الطفل اداة تلقين لا تعبير, وربطت مداركه بتوجهات تضمن لها الرواج والاستمرارية. ولان الطفل هو اكثر ضحايا التسويق التلفزيوني الرديء تضررا فقد كانت الاصوات المنادية بضرورة الارتقاء بمستوى البرامج ونوعياتها تفتقر إلى الكثير من الدعم والتأييد, كما ان بعض من تحمس للبدء اعتبر ان التغيير سوف يطرأ لاحقا. وعلى الرغم من سعي بعض الفضائيات لتطوير برامجها وتحديث توجهاتها الا ان مساحة الطفل بقيت خارج اطار التجديد, وكان خياره ان يشارك الكبار مشاهداتهم. ان الدعوة إلى الاهتمام بعقلية الطفل وعالمه اصبحت لغة اعلامية تديرها وسائل الاعلام كلما حلت مناسبة من شأنها ان تثير الرأي العام وتتهم الاعلام بالتقصير, الا انه في حقيقته فان الطفل مسلوب الحقوق تماما, ليس من حصته على الفضائيات العامة فحسب بل حتى من القنوات المعدة خصيصا لمخاطبته واثراء مفاهيمه ومفرداته, وعلى ذلك تقاس سائر الوسائل الاعلامية الاخرى. لقد اصبح الطفل في وقتنا المعاصر يحفظ من الاغنيات العاطفية الهابطة حرفيا وبكم تعجز عن استيعابه اشرطة الكاسيت, يرددها كآلة التسجيل دون ان يدرك ابعادها أو معانيها, وهو امر بات يلمسه الآباء والمربون في رياض الاطفال والمدارس التأسيسية, كما سئل طفل على احدى الفضائيات ان كان يحفظ شيئا من الاناشيد عن الام فصدح (امانيه.. ليش انا حيرانه) ؟! وآخر بدأ للتو في تهجئة الاحرف الاولى من اسمه يصرخ في وجه معلمه ساخرا (تريد الهوى على ما تبا) !! ونحمد الله على ان لم يقل له (كمننا) . اننا فعلا بحاجة إلى وقفة عاجلة قبل استئناف المسير, فتربية الجيل امانة في عنق المؤسسة الاعلامية, التي تعتبر المدرسة جزءا منها, ولكن يبقى التلفزيون النافذة الاولى التي يطل من خلالها على العالم. خالد درويش