مع استمرار فعاليات الملتقى العالمي الاول للكاريكاتير الذي تنظمه مؤسسة (البيان) للنشر والطباعة في اطار النشاط الثقافي لمهرجان دبي للتسوق 2000 خلال الفترة من 22 الى 30 مارس الجاري ـ عقدت ندوة (الكاريكاتير مرآة الانسان العربي)، في نادي دبي للصحافة مساء امس الاول حيث تحدث من خلالها ثلاثة من رواد فن الكاريكاتير في العالم العربي هم الفنان عبدالله المحرقي من البحرين والفنان علي فرزات من سوريا والفنان جمعة فرحات من مصر بحضور عدد كبير من الفنانين والاعلاميين والصحافيين والمهتمين بفن الكاريكاتير وقد ادار الندوة الفنان طلال معلا مدير معهد الشارقة للفنون على مدار ساعتين كاملتين او يزيد حيث ناقشت الندوة عددا من الموضوعات الهامة الخاصة بفن الكاريكاتير. بالمنطقة العربية وأهم القضايا والهموم الرئيسية التي تشغل بال الفنان العربي. كما تعرضت الندوة للمدارس الفنية المختلفة للكاريكاتير في المنطقة واختلاف الاساليب والادوات التعبيرية لدى كل فنان الامر الذي يخلق له طابعه المميز في اطار عام من التوحد الموضوعي والفكري الذي يجمع الفنانين العرب على وجه الخصوص وفناني الكاريكاتير في العالم اجمع عموما. في بداية الندوة تحدث الفنان السوري علي فرزات قائلا: (ان كلمة الكاريكاتير مشتقة من عبارة لاتينية هي (كاري كير) ومعناها المبالغة فالكاريكاتير في الاساس هو فن المبالغة.. لا يقتصر الكاريكاتير في رأيي على مفهومه التقليدي ولكن اي فن يحمل في طياته المبالغة سواء كان رسما او تعبيرا تمثيليا او حتى الكلام العادي بين الافراد فإنه يصبح احد اشكال الكاريكاتير) . وتطرق فرزات الى بداية فن الكاريكاتير معربا عن اعتقاده بأن بدايته جاءت مع بداية الفنون التشكيلية التي من المعتقد انها بدأت بالرسم الذي خلفه الانسان البدائي على جدران الكهوف حيث ان فن الكاريكاتير هو احد الفنون التعبيرية التشكيلية حيث انه يعتمد على المساحة والخط واللون الا ان طبيعة الاصدارات الصحفية غلبت على الكاريكاتير استخدام اللونين الابيض والاسود فقط. واكد الفنان السوري الكبير على ان فن الكاريكاتير هو اقرب الفنون قاطبة الى الناس لكونه فنا ساخرا وطريفا والناس بطبيعتها تميل الى السخرية والطرافة. كما ارجع فرزات قرب الكاريكاتير من النفوس الى تركيز هذا الفن على الهموم اليومية للشعوب في شتى انحاء الارض حيث يجد كل انسان في الكاريكاتير تعبيرا عن همومه ومشكلاته التي شغل باله دائما. واضاف الفنان فرزات قائلا: (ان فنان الكاريكاتير صاحب موقف اذا لم يكن قد امتهن الكاريكاتير كمصدر للرزق فقط ـ وعادة ما يدفع الفنان ثمن هذا الموقف واحيانا يكون الثمن باهظا ويصل الى التضحية بالحياة في سبيل هذا الموقف وضرب مثالا بالشهيد الفلسطيني الفنان ناجي العلي الذي دفع حياته ثمنا لدفاعه عن القضية الفلسطينية. واوضح ان العديد من فناني الكاريكاتير العرب كثيرا ما يتلقون تهديدات تحذرهم وتطالبهم بالتخلي عن هذه المواقف خاصة في العالم العربي مشيرا الى ان الانسان العربي بطبيعته لا يتقبل النقد بأي شكل من الاشكال وذلك بسبب التنشئة العربية التي تعتبر ان النقد نوعا من انواع التشهير ولا تنظر اليه كأحد المحاولات البناءة التي تعمل على تصحيح الاوضاع. واكد علي فرزات على انه لا توجد اي دولة في العالم يمكن ان تعطي لفنان الكاريكاتير القدر الذي يسعى وراءه من الحرية وقال ان العمل الابداعي يعتمد في جزء كبير منه على المبادرات الفردية والشخصية من الفنان ذاته والتي تطلب قدرا من الشجاعة والقدرة على المواجهة وان يكون الفنان محاربا ومقاتلا من اجل نشر وجهات نظره وافكاره. واضاف فرزات ان الاسلوب الرمزي هو احد المنافذ الجيدة التي تنفذه دائما من المآزق حيث لجأ اليه الفنان فرزات لتمرير ما يود توصيله من افكار من تحت مقص الرقيب دون ان يوجه اليه اللوم وقال ان هذا الامر هام للغاية في الوقت الذي يكون فيه توصيل الرسالة للناس هو الشغل الشاغل للفنان والافكار المبدعة التي تظل حبيسة الادراج بعيدا عن الناس لا فائدة ولا طائل من ورائها ويجب ان يكون لدى فنان الكاريكاتير المهارة والادوات الملائمة في خلق المفردات التي توصل هذه الرسالة. ثلاثة عصور ثم تحدث الفنان جمعة فرحات وهو احد اعلام فن الكاريكاتير في مصر وقال: من خلال تجربتي الطويلة مع الكاريكاتير استطيع ان أؤكد ان الكاريكاتير السياسي هو الهاجس الرئيسي للفنانين العرب العاملين في مجال هذا الفن. ومن الملاحظ ان فنان الكاريكاتير يلجأ دائما الى نقد الانظمة العربية الاخرى لعدم قدرته على نقد النظام في بلاده. وتناول الفنان جمعة في حديثه تجربته مع الكاريكاتير في مصر حيث عاصر ثلاثة حقب سياسية رئيسية في عهد ثلاثة من الرؤساء الذين تعاقبت فترات حكمهم على مصر وقال: قد عاصرت ثلاثة عهود سياسية في مصر كان اولها عهد الرئيس والزعيم الراحل جمال عبدالناصر وكان هناك في تلك الفترة رقيب على النشر الصحفي الا ان المحاذير كانت بعض الموضوعات المحددة والبسيطة الا ان الرسامين في ذلك الوقت كان لديهم من الحنكة والخبرة ما يمكنهم من الالتفاف حول مقص الرقيب في اسلوب ذكي يجنبهم المشكلات مع النظام الحاكم وكان الفنان (حجازي اشهرنا في تلك الموهبة) . الا انه في الوقت ذاته لم يكن هناك تصادم بين توجهات النظام وبين افكار الفنانين الذين ايدوا جميعهم فكر الزعيم (عبدالناصر) وسياسته ودعموها على خط واحد. واعقب عهد الزعيم عبدالناصر حكم الرئىس الراحل محمد انور السادات والذي اختفى في عصره الرقيب الا ان دائرة الحظر والمنع اصبحت اقوى مع تواجد رؤساء تحرير حريصين على مقاعدهم ويخشون ان يطيح الكاريكاتير بها الا ان الفنانين تمكنوا ايضا من تمرير بعض الافكار من تحت ابصارهم. اما في عهد الرئىس حسني مبارك فيؤكد جمعة فرحات ان دائرة الحرية اتسعت بشكل كبير للدرجة التي يستطيع فيها الفنان ان ينتقد الحكومة ورئيسها واعضاءها بشكل مباشر بفضل تلك الحرية التي وفرها الرئىس مبارك ومناخ الديمقراطية الذي أرس دعائمه في المجتمع المصري من خلال الصحف الموالية للحكومة او صحف المعارضة مع ضمان كامل الحرية في التعبير عن الرأي في حدود التزام الفنان الذاتي بالقيم والاخلاق. المجتمع هو البداية ومن جانبه اكد الفنان البحريني عبدالله المحرقي ان رسام الكاريكاتير يبدأ دائما بالكاريكاتير الاجتماعي ويظل على هذا المنوال لفترة طويلة حيث يكون هدفه في بداية حياته هو الانتشار ويبدأ في التفكير في الكاريكاتير السياسي عندما يكون قد حقق القدر المناسب من الشهرة وعندها تبدأ فرصة خروجه من المحلية الى العالمية. وتحدث الفنان المحرقي عن تجربته وقال امتدت الحقبة الاجتماعية في اعمالي الى عشر سنوات كان لي من خلالها شخصيتان رئيسيتان رجل وامرأة عبرت من خلالهما عن هجوم المجتمع ومشكلاته. وقال المحرقي ان الانتقال الى مجال الكاريكاتير السياسي مع التحاقه بجريدة يومية اعطاه فرصة اكبر للتحليق في عالم الكاريكاتير واعتبرها هي البداية الحقيقية في حياته الفنية. واضاف المحرقي: (ان فنان الكاريكاتير يضحي تضحيات كثيرة من اجل فنه وعلى الرغم من المردود المادي الضعيف لفنان الكاريكاتير الا ان المردود الادبي والرسالة التي يؤمن بها الفنان تمثل الحافز الاول للاستمرار ومواصلة العطاء. وقد وجه الفنان المحرقي الشكر الى (البيان) لعقد مثل هذا الملتقى الذي وفر فرصة التواصل الفني والفكري وايضا الشخصي بين فناني الكاريكاتير العرب والاجانب وقال: (قد التقيت هنا بعدد من زملائي واخواني الفنانين الذين لم يتوفر لي الالتقاء بهم منذ زمن طويل والتقينا هنا على ارض دبي الحبيبة) . الرسم والتعليق ومع فتح باب النقاش بالندوة وجه الحضور عددا كبيرا من الاسئلة للضيوف تناولت العديد من القضايا المتعلقة بفن الكاريكاتير من ناحية الاسلوب والادوات والمدارس المختلفة لهذا الفن وطرق معالجة الموضوعات وتوصيل الرسالة. وكان في مقدمة الموضوعات حول السؤال, مسألة كتابة التعليق على الكاريكاتير والتي تصدى لها في البداية الفنان عبدالله المحرقي وقال ان التعليق يكون عنصرا تكميليا للكاريكاتير في معظم الاحيان وايضا هو مهم لتقريب الافكار الى القارئ العادي الذي قد يمكنه النفاذ الى المعنى المقصود به الرمز من الرسم. اما الفنان على فرزات ـ الذي تخصص في الرسم الذي يحمل تعليقا ـ فقال (انني ارى ان كل فنان يمتلك ما يراه مناسبا من الادوات وانا في فني اعتمد على اسلوب الرمز وعدم اللجوء الى التعليق خاصة وانا اعالج قضايا انسانية عامة مثل الجوع والفقر والظلم حيث يخدم عدم وجود تعليق في خروج الرسم من نظام المحلية الى افاق العالمية. ومن جانبه يرى الفنان جمعة فرحات ان قضية (التعليق) على الرسم لم تثر الا في العالم العربي فقط. والكلمة والرسم هما عنصران من عناصر الفن حيث يمكن ان يعتمد الفنان على الرسم فقط او على الرسم والتعليق معا, الا ان الرسم دون تعليق يتيح له فرصة العالمية, اما في العالم العربي فيوجد هناك العديد من القضايا التي تتطلب وجود التعليق للتوضيح فإذا ما عالج الفنان مثلا احد القوانين فلابد من الاشارة الى هذا القانون والا فإن الكاريكاتير سيصبح مفرغا من فحواه في حين يكون اللجوء الى كتابة كلمة واحدة له التأثير الكافي المرغوب. واذا ما نظرنا الى الغرب نجد ان حوالي 95% من الكاريكاتير الامريكي يحمل تعليقا وهذا لا يقلل من شأن الكاريكاتير دون تعليق والذي يعد ارقى انواع الكاريكاتير واكثرها قدرة على تخطي حاجز المكان والزمان. * وفي سؤال حول امكانية تقلص دور الكاريكاتير السياسي في العالم مع تنامي موجة الحريات والقدرة على التعبير عن الرأي اجاب الفنان جمعة فرحات. ـ ان دور الكاريكاتير سيبقى ولن يخبو ابدا فالحرية تتيح مساحة اوسع للنقد واذا نظرنا الى الولايات المتحدة الامريكية التي ينظر اليها العالم كأكبر نموذج للحريات فسنجد ان رابطة فناني الكاريكاتير هناك تضم اكثر من الفي فنان معظمهم من فناني الكاريكاتير السياسي. * وفي رده على سؤال اخر حول المحلية العالمية في الكاريكاتير قال الفنان جمعة فرحات ان فن الكاريكاتير يختلف عن باقي الفنون الاخرى من سينما وادب وخلافه فهذه الفنون تصل الى العالمية مع اغراقها الشديد في المحلية مثلما نجد مثلها كتابات الاديب المصري الكبير نجيب محفوظ الذي تمكن من الحصول على جائزة نوبل للآداب عن رواية تصور اعماق الواقع المصري ـ الا ان فن الكاريكاتير لا يمكن ان يصل الى العالمية من خلال الاغراق في المحلية حيث تبقى هموم الشارع متفردة لأهل البلد انفسهم وقد لا تهم على الاطلاق ابناء البلدان الاخرى. وحول دخول فن الكاريكاتير الى الانترنت قال الفنان علي فرزات ان شبكة الانترنت وسيلة لنشر ابداع الفنانين وهي تتوافق تماما مع توجهي للعالمية حيث تخدم الشبكة في الانتشار عبر انحاء العالم المختلفة الا ان دور تكنولوجيا المعلومات سيظل محصورا من النشر ولن يتدخل ابدا في ابداع فنان الكاريكاتير. وفي سؤال اخر حول بداية فن الكاريكاتير في منطقة الخليج العربي اجاب الفنان عبدالله المحرقي ان فن الكاريكاتير بدأ في الظهور مع ظهور الصحافة في المنطقة والتي بدأت في الانتشار اولا في البحرين مع ظهور صحيفة (اخبار الخليج) التي شرفت بالعمل بها حيث كانت البداية لانتشار هذا الفن في بداية عقد الستينيات. (يعتبر الفنان عبدالله المحرقي, اول فنان كاريكاتيري بمنطقة الخليج العربي). وتلبية لطلب احد الحضور خلال الندوة فقد عهد كل من الفنانين الثلاثة وايضا عدد من الفنانين اللذين حضروا الندوة لعديد من المواقف الصعبة التي واجهوها في حياتهم العملية نتيجة انتقاداتهم لبعض السياسات وايضا بعض المآزق التي خلقتها هذه الرسوم. وفي النهاية اكدت الندوة على حاجة فن الكاريكاتير العربي على ضرورة تقديم كافة المؤسسات الصحفية والمهتمة مزيدا من الدعم والاهتمام بمفهوم الكاريكاتير في بداية القرن الجديد وضرورة وجود مركز توثيق للانتاج الكاريكاتيري في العالم العربي.
في اطار فعاليات الملتقى العالمي الاول للكاريكاتير ، مشاركة في ندوة الكاريكاتير مرآة الانسان العربي ، الموهبة والقدرة على اختيار مفردات الرسم مقومات نجاح الفنان
