حوت المغرب وأواني لويس السادس عشر عندما يسافر احد منا إلى الخارج سواء كان ذلك لاعمال خاصة أو مؤتمرات أو للسياحة والاستجمام, فان اول ما يفكر فيه هو التعرف على مواقع اثرية, أو تاريخية, أو معالم اخرى لزيارتها, وكذلك الذهاب إلى مطاعم تقدم الاكلات المعروفة الخاصة بتلك الدولة. وقبل الدخول في الموضوع تذكرت اول زيارة لي إلى المغرب العربي قبل سنوات وبالذات إلى مدينة الدار البيضاء, تعرفت هناك على شخصية مغربية دعتني على العشاء في مطعم يقدم الاكلات المغربية التقليدية, لبيت الدعوة حيث اني لم اكن اعرف اي شيء عن المطبخ المغربي, ذهبنا إلى المطعم, لفت نظري ضمن قائمة الطعام كلمة (حوت) , قال مضيفي ان هذا المطعم يقدم حوتا شهيا وبطريقة خاصة. قلت حوت! قال: نعم, حوت طازج فتخيلت قطعة من ذلك الحوت الكبير الذي لا نشاهده الا في الافلام الامريكية! قال: فلنطلب اولا بعض المقبلات المغربية ثم سيحضرون لك طبق الحوت. وبالفعل قاموا باحضار تشكيلة منوعة من المقبلات, اكلت جزءا قليلا جدا, وانا في انتظار الحوت, ثم قدموا لنا طبقا من الاسماك الصغيرة المشكلة, اكلت بعضا منها, وأنا في انتظار الحوت! ثم جاء عامل المطعم ونظف الطاولة وسأل هل تريدون حلويات؟ نظرت اليه وإلى مضيفي بدهشة واستغراب, وسألت: أين الحوت؟ فرد علي باستغراب ايضا لقد اكلناه! قلت متى؟! قال: اخر طبق كان انواعا مشكلة من الحوت المشوي, قلت يا اخي, اتسمي هذه الاسماك الصغيرة حوتا؟ قال: نعم, قلت: فماذا تسمون الحوت اذن؟! هنا ادركت ان الاخوة المغاربة يسمون السمك حوتا مهما صغر حجمه أو كبر. اما موضوعنا فهو عندما قال لي صديقي ونحن معا في مدينة اوروبية, انه سمع من احد الاصدقاء ان الفندق الذي ننزل فيه به اشهر مطعم في المدينة, قلت إذن سنتعشى الليلة هناك, وبعد جولة في المدينة دخلنا الفندق ومباشرة إلى المطعم, وعند الباب اوقفنا احدهم: إلى أين؟ قلنا بصوت واحد لنتعشى, فقال: آسف, عليكم باللباس الرسمي لانه مطعم له تقاليده, لم نناقش وقلنا سوف نأتي غدا. وفي مساء الغد لبس كل منا (أشيك) ما لديه وزين هندامه, ونحن في أحر الشوق إلى العشاء في هذا المطعم الفاخر. دخلنا المطعم واستقبلنا المسئول بصدر رحب وقال تفضلا, هل لديكما حجز؟ قلنا: لا فنحن من نزلاء الفندق, فأجاب: ولو, عليكما حجز الطاولة, وحاليا لا توجد طاولة شاغرة, قلنا اذا سنأتي بعد ساعة, فأجاب: ولا حتى آخر الليل. تركنا المطعم, وذهبنا إلى الاستقبال في الفندق لحجز طاولة في اليوم التالي, فقال لنا الموظف: غدا مستحيل, ولا بعد اسبوع, أو حتى شهر!, استغربنا الامر وانسحبنا, فقد كان علينا مغادرة المدينة خلال يومين ونحن نتأسف من عدم تناول العشاء في ذلك المطعم. وبعد فترة من الزمن قررت وصديق آخر الذهاب إلى نفس المدينة, واول ما فكرت فيه حجز طاولة في ذلك المطعم مع حجز الغرفة في الفندق, وبعد وصولنا وانا في شوق إلى تناول الطعام في ذلك المطعم الذي يستغرق حجز الطاولة فيه اسابيع أو ربما اشهر!! دخلنا المطعم اخيرا, وبالفعل كان مطعما فخما, بديكور فاخر جدا ولوحات فنية رائعة وطاولة فخمة وموسيقى تفتح النفس والكلام فيه بالهمسات. جلسنا على الطاولة المخصصة لنا, قدموا لنا قائمة الطعام ونحن مرتاحان من الجو داخل المطعم, طلبنا من عامل المطعم ان يقترح علينا الذ ما عندهم, فخيرنا بين عدة اطباق, اخذنا شوربة خضار ولحما من اختيار (الشيف) اي رئيس الطهاة, فقال: احسنتما الاختيار. وبعد حوالي ثلاثين دقيقة جاءنا بطبق الشوربة, ما اجمل الطبق, اما الشوربة فكأنها ماء ساخن! ثم انتظرنا ساعة قبل ان يقدم لنا الوجبة الرئيسية وبصراحة لم اتذوق في حياتي طعاما بدون طعم أو نكهة كهذا, ناديت العامل, وقلت: ما سر هذا المطعم ولماذا كل هذا الاقبال على حجز الطاولات فيه؟ فأجاب: ان هذه الطاولات وكذلك الاواني وادوات الاكل من قصر احد اشهر ملوك اوروبا, إنه لويس السادس عشر! قلت نحن لم نتذوق طعم الاطباق والملاعق, لكننا تذوقنا طعم الاكل الذي يمكن ان تسميه اي شيء إلا أن يكون أكلا, والآن ماذا لديكم من حلويات؟ صنف لنا مالديه وطلبنا اسهله (آيس كريم) , بعد برهة احضر لكل منا قطعة صغيرة! قلت له: أهذه عينة؟ قال: طبعا لا يا سيدي, وبنوع من الطرافة, قلت للعامل هل كان هذا طعام الملك؟ فأجاب: بالطبع لا سيدي. فقلت: حتما لو كان الملك في ذلك الوقت يأكل مثل هذا الاكل لما تمكن من الحكم لفترة طويلة, ولو كان طباخكم هذا يعد له الطعام لعلق له (المقصلة) والغى المطبخ الفرنسي بجميع مأكولاته!! إن هذا المكان يبدو متحفا فنيا لمشاهدة مقتنيات الملك لويس السادس عشر لكن بكل تأكيد ليس مطعما, وهنا ادركت سر الطلب عليه.