بين عبدالوهاب وعباس العقاد ذات يوم احتار الموسيقار محمد عبدالوهاب, واحتار كما يقولون دليله وهو يفكر في انتقاء اسم لائق وجديد لجماعة المنشدين الذين يصاحبون المطرب في اطار تخت الموسيقى الشرقية وقد يرددون جملا موسيقية معينة من العمل اللحني او قد يفتتحون بأصواتهم الجماعية استهلال اللحن مفسحين المجال من بعد للمطرب الفرد في نوع من التمهيد والتقديم . كان عبدالوهاب فنانا عصامي الثقافة (وهذه بالمناسبة عبرة مستفادة من حياة الرجل ينبغي أن يتمثلها ويفيد من دروسها ناشئة الفنانين على امتداد وطن العرب الكبير) لم ينل عبدالوهاب شهادة رسمية يعتد بها ولا تصل دبلوما أكاديميا لكن عبدالوهاب كان يمتلك مع موهبته الصوتية والموسيقية (قلبا حافظا ولسانا لافظا) كما يقول التعبير العربي الأصيل.. كان يجلس الى صفوة مثقفي مصر والشام ونخبة مبدعي المشرق والمغرب.. وقد فتح عينيه ليرى وأذنيه ليسمع وهيأ عقله ليفهم وأطل بوجدانه ليستوعب ويتأثر ويهضم ويحول هذا الرحيق الذي يصل اليه من فن وشعر ومن فلسفة وثقافة الى جزء من النسيج الحي الذي تخلقت ومن ثم تكونت منه شخصية عبدالوهاب. ونعود الى حكاية فرقة المنشدين المصاحبة لمطرب التخت في كلاسيكيات الغناء العربي ما بين الأدوار والقصائد بل وحتى الطقاطيق وهي الأغاني الاخف دما والأرشق لحنا والأقرب من ثم الى قلوب المستمعين كان عبدالوهاب ينشد لهم تسمية رقيقة أو وصفا رشيقا يصلح بديلا للتسميات القديمة والأوصاف والنعوت التي رآها الفنان القدير وقد تجاوزها العصر, مسميات من قبيل (البطانة) أو (المذهبجية) أو (الصهبجية) أو حتى الكورس بمعنى جوقة المرددين الثانويين... الخ.. يومها لم يكذب عبدالوهاب خبرا بل لجأ الى صديقه الأستاذ عباس العقاد متصورا مجرد تصور, كما سيتضح لك, أن العقاد بوصفه أديبا وشاعرا وعضوا في مجمع اللغة سوف يسعف عبدالوهاب بالتسمية المنشودة يخلعها ولا غرو على أفراد الفرقة المصاحبة له في أعماله الغنائية بحيث يتفاخرون من ثم بلقب أكثر احتراما وربما أقرب الى روح العصر ولعله وقتها كان حقبة الثلاثينيات أو عقد الأربعينيات. ورغم أن مسألة البحث عن التسمية الجميلة الرشيقة المرتجاه قد طالت لبعض الشيء, فقد كان عبدالوهاب سعيدا واثقا أن العقاد كان ولا شك في حال من البحث والتنقيب عن تسمية أو لقب يسر الخاطر وينعش الفؤاد و... ينصف أفراد البطانة الغلابة الصابرين. بعدها اتصل العقاد بعبد الوهاب وقد زف اليه بشرى التسمية المرتقبة يخلعها على كل فرد من أفراد جوقة المنشدين, سأل عبدالوهاب بلهفة علمية: * وجدت التسمية يا أستاذ عقاد؟ ـ أجاب العقاد برصانة علمية أيضا فقال: أفضل وصف تخلعه على فرد البطانة أو الكورس هو: إمّعة!! * لا حول ولا قوة إلا بالله يا أستاذ عقاد. ـ هو وصف لعمري دقيق يا عزيزنا الفنان فالإمّعة كما تؤكد المعاجم التي رجعنا اليها والقواميس التي حرصنا على استشارتها هو الذي لا رأى له ولا يأتي بشيء من عندياته بل هو تابع دوما لغيره يردد ما يقوله الآخرون وهو بالضبط فرد الكورس. ممنون يا أستاذنا الكبير.. ممنون جدا. ولأن الموسيقار عبدالوهاب كان يخاف من خياله, ولأن أفراد البطانة ـ الكورس اياهم كانوا في معظمهم يتمتعون ببسطة في الجسم وجرأة في السلوك.. فقد آثر عبدالوهاب أن يبقي الطابق مستورا وان يكفي على خبر التسمية العقادية البليغة ألف ماجور وماجور, دع عنك أن عبدالوهاب كان يدرك بيقين أن لا أحد, لا من المذهبجية, ولا حتى من بوابي (معهد الموسيقى الشرقي) يحب أن يوصف بأنه إمّعة وإلا أخذها القوم على محمل الشتيمة وردوا عليها بأعنف منها وزيادة ولتذهب كل قواميس اللغة واجتهادات العقاد الى الجحيم. جالت هذه القصة في خاطرنا ونحن نقرأ موضوعا طريفا, أردنا أن ننقل اليك خبره حول حكاية الأسماء والأوصاف وفي مجمل التسويق والترويج التجاري على وجه الخصوص. هنا يامولانا لا مجال لأسئلة وهابية ولا لاجتهادات عقادية بل المسألة مهنة محترمة وتخصص دقيق يرقى الى درجة رفيعة من الاحتراف لماذا؟.. لأن المسألة ليست مجرد مجاملات بين عبدالوهاب وعباس العقاد, وهي مجاملات خابت كما لاشك عرفت من صدر هذا الحديث, بل المسألة تنطوي على أموال طائلة بالآلاف, وأحيانا بملايين الدولارات كتب زميلنا الصحفي أوليفر بوركمان (الجارديان البريطانية العدد الأسبوعي) تحقيقا موجزا وطريفا عن (معهد براند) في ولاية فلوريدا الأمريكية المتخصص في تقديم الأسماء التجارية لمختلف المستحضرات والعقاقير التي تقدم على انتاجها شركات الأدوية العملاقة, المعروف أن كل عقار طبي يحمل في الأصل اسما لاتينيا هو الاسم العلمي المركب الذي يدل بحروفه وألفاظه العديدة والمعقدة على نوعية المواد الصيدلانية والطبيعية التي تؤلف تركيبة العقار, ولو طرحوا الدواء باسمه اللاتيني العلمي لحار الناس في أمره وفي أمرهم أيضا, لقد توصل القوم مثلا الى عقار يتألف من حمض اسمه ـ اللهم احفظنا ـ (اسيتيسلي سيليك) والحمض بدوره مستخلص من نبات الاكليل الذي ينتمي الى فصيلة الورود.. ولو طرحوا العقار باسمه الرهيب المذكور أعلاه لما استخدمه أحد ولكن لأن نبات الاكليل اسمه في اليونانية (سبيريا) فقد أبدعوا للعقار اسمه الذي نعرفه جميعا وهو (الاسبيرين) الذي وصلت شهرته الآفاق داخل القصور والبيوت والأ كواخ في أنحاء المعمورة وكاد يصبح أشهر اسم في العصر الحديث, لاينافسه في ذلك سوى اسم مشروب الكوكاكولا كما يقول أهل الاختصاص. المهم أن أسماء العقاقير باتت في زماننا في غاية الأهمية ويدفعون فيها طائل الأموال حتى أن (معهد براند) يتقاضى عن الاسم الواحد ما يعادل نصف مليون درهم بالتمام والكمال.. وعندما تطلب منهم الشركة المنتجة اسما لعقار جديد فهم يعقدون جلسات متوالية تحت الاسم الشهير (عصف الأفكار) حيث يقدحون الزند ويتبادلون الآراء ويتقارعون بالطروحات التي يتقدم بها المجتمعون من أطباء وصيادلة وتجاريين وخبراء تسويق وممثلي المستهلكين ورائدهم في ذلك أن يتوصلوا الى اسم لاتزيد حروفه على عشرة وربما أقل ولا على ثلاثة مقاطع في النطق ويفضل أن يكون في الاسم عند التداول والتلفظ ما يوحي بفاعلية العقار المعني وعظيم جدواه عند التعاطي والاستخدام. طرحوا مؤخرا عقارا لمعالجة ادمان تدخين السجائر وأطلقوا عليه اسم (زايبان) والمقطع الأول (زاي) يعني ضمير (هم) في الانجليزية فيما يفيد المقطع الثاني (بان) معنى الحظر أو المنع أو الاستغناء وكأن العقار يقول لمن يستخدمونه عبارة: انهم يحظرون التدخين أو انهم قد استغنوا عن السيجارة وملحقاتها. نفس القاعدة تصدق على عقار (فياجرا) ولن نشرحه لك فقد شبع العقار دعاية وترويجا والسبب معروف. لكن يهمنا أن نلاحظ من التسمية أنها تحمل في النطق صوتين الأول مشتق من كلمة (فيجور) بمعنى النشاط والحمية والثاني مشتق من كلمة (فيريلتي) بمعنى الرجولة والفحولة وهو معنى يتناقض بداهة مع حكاية الإمّعة التي ذهب اليها يوما الأستاذ عباس محمود العقاد.