تمتلك الكلاب المدللة عادة غريبة تتمثل بالجلوس أمام الأبواب والنوافذ في انتظار عودة اصحابها الغائبين الى المنزل ومعظم الناس لا يحاولون تبرير هذا السلوك غير الطبيعي. لكن العالم روبرت شيلدراك مقتنع بوجود تفسير واحد لذلك وهو أن الكلاب تعلم موعد عودة أصحابها نظراً لقدرتها على التخاطر. ولأكثر من عقدين من الزمن تركزت افكار شيلدراك على الاعتقاد بأن الكلاب والقطط والطيور والإنسان وحتى النمل الأبيض تحمل حقولاً غير مرئية ذات أشكال معينة مررت من خلالها أسلافها عبر الأجيال عاداتها وتقاليديها وحتى درجة ذكائها. وآخر كتب هذا الباحث يحمل عنوان (الكلاب التي تعلم متى يعود أصحابها) . ويدعي أن لديه أدلة إضافية الان عن تخاطر الحيوانات من خلال مقابلات أجراها مع أصحاب الحيوانات المدللة ومدربيها ومن تجاربة التي استمرت عشرة أعوام على كلب صيد صغير من نوع الترير يدعى جايتي. ولم يهتم احد بزيارة هذه المكتشفات فيما اعتبر معظم العلماء الحقول غير المرئية في أحسن الاحوال مجرد لهو خيالي مثير للضحك أكثر من كونه علماً جاداً, إلا أنه من الواضح ان شيلدراك خرب وترا حساساً بالنسبة لعامة الناس. فكتبه تباع بأعداد كبيرة كما يدعوه المدرسون إلى مدارسهم حيث يظهر للتلاميذ كيف يجرون تجارب التخاطر الخاصة بهم. وكلما زاد عدد منتقدي تجاربه زادت شعبيته. وفي مقابلة صحفية أجرتها معه إحدى الصحف العلمية المتخصصة أوضح شيلدراك أن أكثر من نصف أصحاب الكلاب المدللة الذين جرى استطلاع رأيهم يعتقدون أن كلابهم تستطيع التقاط افكارهم وفهمها قبل أن ينطقوا بأية كلمة. كما أن ثلث عدد أصحاب القطط المدللة يشاطرونهم هذا الرأي. واكبر مثال على ذلك معرفة هذه الحيوانات المدللة موعد عودة أصحابها الى المنزل. لكن هذه الحيوانات لاتستطيع قراءة الألمعات الجوهرية أو لغة الجسد لأصحابها عندما يكونون على بعد يزيد على عشرين ميلاً (نحو 34 كيلو متراً). وبشأن تجارب التخاطر التي يجريها على الحيوانات يقول شيلدراك أنه يقوم بتصوير الباب أو النافذة التي ينتظر الكلب إلى جانبها بواسطة شريط فيديو ويتم قياس زمن جلوسه هناك ويقوم بتحليل الشريط شخص لا يعرف تفاصيل التجربة. وأحياناً يذهب الكلب إلى النافذة لسبب آخر كالنباح على الكلاب أو القطط المارة بالمكان أو لمجرد التمتع بأشعة الشمس وتبدو النتائج في الحقيقة مؤثرة جداً حتى لو تم استثناء الأسباب الأخرى بالزلازل النافذة. وكما أشار اليه في كتابه بشأن قدرة الحيوانات المدللة على التنبؤ بالزلازل والأدلة التي تؤكد حدوث ذلك يقول شيلدراك أن الحيوانات تسلك سلوكاً غريبا في بعض الأحيان قبل الهزة الأرضية وهذه الهواجس أو الاحساسات الداخلية هي ظاهرة غير تخاطرية ويمكن تفسيرها على أساس أنها تغيرات كهربائية أو اهتزازات صغيرة لا تشعر بها إلا الحيوانات. وفي السبعينيات دربت سكانها على البحث عن مثل هذه السلوكيات لدى الحيوانات وابلاغ السلطات عن ذلك. واستشهد في كتابه بقضية زلزلال هيشنج الذي وقع مساء 4 فبراير 1975. فطوال شهر يناير أظهر أكثر من 20 نوعا من الحيوانات وبضمنها مواشي وكلاب ودجاج, اشارات على شعورها بالخوف وأضاف العلماء هذه الدلالات مع السجلات الزلزالية وقرروا اخلاء المدينة في الصباح قبل بدء الهزة الارضية مما ساهم في انقاذ السكان. لكن الصينيين لم ينجحوا بصورة تامة باستخدام الحيوانات في التنبؤ بالزلازل وأخفقوا بالتنبؤ ببعض الهزات الأرضية ومع ذلك استمروا في تنبؤاتهم الناجحة بالزلازل. ولم يحاول علماء الزلازل الغربيون الاهتمام بهذه الأدلة وهم يعتبرون الهزات الارضية كمشكلة هندسية وفيزيائية وجيولوجية لا علاقة للحيوانات بها. وكما إذا كان يمكن للحيوانات أن تتنبأ بزلزال قوي كزلزال كاليفورنيا يقول شيلدراك أنه يمكن ذلك من خلال مراقبة سلوك الحيوانات. وأوضح ان الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة جعلت ذلك ممكنا بمقياس كان يستحيل تحقيقه في السابق. ويتعين في هذه الحالة وضع رقم يسهل تذكره يمكن للناس الاتصال به والابلاغ عن سلوك حيواناتهم الغريب. ويمكن تغذية المعلومات في خريطة كمبيوترية تضيء في حال وجود عدد كبير من الاتصالات من منطقة معينة. وهذا النظام قد يشمل ملايين الاشخاص. ولكن يمكن لهذا السلوك الغريب ان يرتبط بالصواعق والعواصف الرعدية أو الالعاب النارية اما اذا كان في منطقة معرضة للزلازل ولا يوجد أي سبب اخر لسلوك الحيوانات فقد يكون ذلك اشارة على هزة ارضية وشيكة الحدوث. ويشير شيلدراك إلى أن هناك حيوانات اخرى غير الكلاب تمتلك القدرة على التخاطر ومن ضمنها الببغاء وقد تم اجراء تجارب على ببغاوات البلاكيت صغيرة الحجم وثبت ان بعضها يعلم مسبقاً بموعد عودة صاحبه. إلا أن القطط أظهرت انها أكثر مراوغة لأنها لاتنتظر أصحابها دائما في مكان واحد. فعندما يكون الطقس حسنا تنتظر على عتبة الباب في الخارج اما اذا كان الطقس بارداً فإنها تنتظر في الداخل قرب المدفأة. وحتى الآن فإن الحالات المؤثرة عن التخاطر التي سجلها شيلدراك تتعلق بالثدييات والطيور وليس لديه أي دليل بسيط بشأن قدرات بعض الاسماك كالسمكة الذهبية. وقد يكون للنمل الأبيض والنحل والدبابير القدرة على التخاطب كما يعتقد الباحث. ويقول ان بعض مربي الافاعي والزواحف الاخرى يدعون ان حيواناتهم تتوقع موعد تقديم غذائها إليها في الاوقات غير الروتينية ولكن لا يوجد دليل أن هذا مرتبط بقدرتها على التخاطر. وقد وجه نداء عبر احدى المجلات المتخصصة ناشد فيه اصحاب الافاعي ايراد أية حوادث خارقة للأفاعي. ويقول شيلدراك ان التخاطر له علاقة بحقول غير مرئية متشكلة هي عبارة عن نوع من الروابط الموجودة في الكائنات المختلفة. وهناك أنواع مختلفة من الروابط كالرابطة الموجودة بين القطة وصغارها. وافترض ان هذه الروابط عبارة عن علاقات حقيقية تربط بين الافراد حتى عندما يكونون متباعدين عن بعضهم, وترث الجماعات الاجتماعية البشرية كالعائلات ذاكرة جماعية عبر هذه الحقول المتشكلة في داخلها. ومثال ذلك العادات والتقاليد الموروثة عن الاجداد وهذه تؤثر على سلوكيات الأجيال المتعاقبة. وعن سلوك الانسان السلبي تجاه التخاطر على الرغم من حقيقة وجوده يقول شيلدراك أن هذا يبقى سؤالا مفتوحاً قابلاً لمختلف التأويلات وقد أظهرت كافة الابحاث التي أجراها ان النساء لديهن القدرة على التخاطر أفضل من الرجال والاطفال افضل من البالغين.. ومن الواضح ان هذه القدرة تكاد تتلاشى لدى الانسان الحضري الحديث. ويشعر المثقفون انه لايمكنهم الاعتراف بظاهرة التخاطر علانية. والناس في المجتمعات التقليدية غير الغربية أفضل من غيرهم في هذه الناحية ومن سوء الحظ لم يتبق سوى عدد محدود من المجتمعات التقليدية. وأحد اسباب تلاشي القدرة على التخاطر في المجتمعات الحديثة يعود لوجود الهواتف وأجهزة التلفاز التي جعلت هذه الظاهرة أقل أهمية. فأصبح لدينا وسائل تكنولوجية ابسط واكثر مصداقية ومباشرة لتحقيق الاتصال مع الاماكن النائية. وفي العالم الحديث فإن الوسيلة الذي يتعين البحث فيها عن التخاطر هي المكالمات الهاتفية. فالكثير من الناس يتحدثون عن وجود احساس لديهم أن صديقا أو شخصا آخر على وشك الاتصال بهم ويكون حدسهم صحيحا. وليس هذا مجرد مصادفة. وآخر هذه الظواهر هي البريد الالكتروني التخاطري حيث يشعر المرء ان أحدهم ينوي ارسال بريد الكتروني له. وقد بدأ الناس يرسلون الكثير من الحكايات والنوادر عبر البريد الالكتروني التخاطري. وعن سبب تعرضه للانتقاد من قبل الكثير من العلماء يقول شيلدراك أن العلماء أساءوا فهم دراسته في هذا الشأن. وهناك مجموعة كاملة من المحرمات المتعلقة بالاشياء التي يستطيع المرء إنجازها أو عدم انجازها ضمن العلم ومن المؤكد ان ظاهرة التخاطر موجودة ضمن قائمة المحرمات منذ أمد طويل. وعند أسوأ الانتقادات التي تعرض لها يقول شيلدراك أنه في عام 1981 قارن (جون مادوكس) محرر مجلة نيتشر العلمية كتابه (علم جديد في الحياة) بكتب الخزعبلات وقال انه ضمن قائمة افضل الكتب المرشحة للحرق لسنوات عدة لأنه مجاف للعلم. لكنه على النقيض من ذلك جعله مشهورا واخذ الناس يتهافتون على قراءة مؤلفاته. ويشير شيلدراك إلى أن بعض العلماء استهزأوا من مصطلح (الحقول الخفية المتشكلة) التي كان يستند بواسطتها على ظاهرة التخاطر لكن التشكيك في أية ظاهرة علمية ليست بالشيء الجديد عليه أما الشيء الذي يثير قلقه فهو العقول المغلقة وغير المتفتحة لدى بعض الناس الذين دربوا على أن العلم هو بحث بعقول متفتحة. وعندما كان في جامعة كامبردج كان يتعرض لاستهزاء زملائه والطلاب فإذا اخبرهم انه ذاهب لإجراء مكالمة هاتفية يقولون له لماذا لا تفعل ذلك عن طريق التخاطر وما شابه. اعداد ماري الصايغ