استغلت دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة اليوم العالمي للشعر الذي اعلن يوم 21 مارس الجاري لاطلاق جائزة جديدة تحت مسمى (مسابقة الشعر الفصيح لفئة الشباب) وذلك خلال احيائها الثلاثاء الفائت (مهرجانا شعريا) حضره عدد كبير من المهتمين قياسا على سعة بيت الشعر (مكان الحدث) وعلى العادة. اللقاء الذي تأخر عن موعده (الثامنة والنصف) استمر حتى منتصف الليل بعدما شهد (تسربا) من المهتمين عقب الاستراحة الاولى. قدم الفترة الأولى محمد عبدالله (مدير ادارة الثقافة بالدائرة) وحاضر (شعريا) العراقي د. علي جعفر العلاق الذي ساق قصة للناقد والشاعر الامريكي آلن تيت عن الرجل العابر (وهو الواقعي الاقرب الى النثر), والصياد (الموهوم والشاعر). واعتبر ان القصيدة هي اسهام الشاعر في تشكيل الحياة وصنع تراث المستقبل, ان الشعر ارتباط بالزمان والمكان الراهنين وانعتاق معا, هو ازدهار اللغة الخاصة في مواجهة الشائع والتشابه والقطيع. ومن الاردن تحدث الناقد د. احمد الزعبي داعيا الى عدم الخوف على الشعر (في يومه او في غيره) حيث هو ضرورة نفسية روحية تتحول معه اللغة من اداة توصيف الى اداة تغيير, ورأى ان الشعر يحمل فكرة نبيلة وصياغة ابداعية وبذا يخلد, وقال ان الشعر يتطور منذ وجد الانسان في ادواته البسيطة وقد عرف الاستقرار في دوره ووظيفته خلال القرن العشرين. وراح يشرح عدم صحة مقولة انكماش الشعر وتراجعه على قدر ما هو توزيع ادوار ما عادت حكرا على الشعراء الذين كانوا مرجعيات في السياسة والفلسفة والحكمة وغيرها, ذلك ان الشاعر بدأ ينسحب من الصف الاول تاركا المجال للمتخصصين في كافة المجالات نتيجة تطور حتمي وليس جراء سحب البساط من تحته. واكد على ان زحمة شعراء اليوم لن تبقى كلها, فبين 50 مليون شاعر لن نتذكر سوى 50 منهم او اقل. وفي اطار المنتخبات الشعرية, جاءت اختيارات واضاءات وقراءات بادر اليها الشاعر الاماراتي عبدالعزيز اسماعيل في (الافق العربي) , لكنه لم ينتق سوى قصيدة وحيدة طويلة للتونسي ابي القاسم الشابي بعنوان (صلوات في هيكل الحب) ومنها: عذبة انت كالطفولة كالاحلام كاللحن كالصباح الجديد كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد. وفي (الافق الخليجي) قرأ الشاعر الاماراتي سالم الزمن خياراته مستهلا بقصيدة خاصة رسالتها ان لا فرق بين الشعر والام والتي تزامن احتفالهما في اليوم ذاته. وتوقف مع حمد خليفة بوشهاب (الامارات) في (وقفة مع صادق الشعر) , ثم غازي القصيبي (السعودية) في (العودة الى الاماكن القديمة, علي عبد الله خليفة (البحرين) في (صدى الاشواق) , وسعيد الصقلاوي (سلطنة عمان), وخالد العبيدان (قطر). اما (الافق العالمي) فقد انحصرت نماذجه في الشعر الآسيوي وقدمه الشاعر اللبناني احمد فرحات من اصداره (تغذية الشمس) . واستهل مع الشاعر الهندي كوجمار (الذي انتحر في الشارقة عام 1997) بقصيدتين (انتصار الرائحة) و (تدريبات دبي) , ومن ماليزيا اختيار سيّال عبدالرحمن في (مطر احمر) , (فرح) , و (جحيم) , ومن كوريا اينسنناغ في (العناصر) , و(مكافأة) , و(ارض موعودة) , ومن افغانستان عزيز سلطان اراش في (الشحوب) و (الحرب في كابول) ويقول في احدى مقاطعها: (كابول مستودع غبار تنشب منه اسنان وحش اسطوري لا يرتاح الا للنار سوداء تعبد الهواء وترتمي مغشاة على ما تبقى من الشمس المريضة الحرب ملح باهت على جسدي الذي يظن انه هارب منها) . في الفترة الثانية تولى د. يوسف عايدابي التقديم, واختيار الشاعر الاماراتي جمعة الفيروز اضاءات على شعراء من مواطنيه القاها الشاعر اليمني رعد امان والذي مهد بقصيدة خاصة طويلة له عن الكسندر بوشيكني حين رأى تمثاله في موسكو. وتابع مع احمد عبيد في (من اغاني العاشق القديم) , وعائشة البوسميط في (الغرفة) من ديوانها المعنون (سيدة الرفض الاخير) , وعبدالله السبب في مجموعته (عصر) . وفي اطار التجربة الشعرية كانت شهادات لكل من نجوم الغانم, وخالد بدر, وعمر ابو سالم. دخلت الغانم في شهادة مفصلة عن حياتها وخصوصيتها بطريقة ادبية لا تخلو من شاعرية وصراحة بادئة باسمها وخوف جدتها عليها من لوثة الجنون التي اصابت امرأة حملت الاسم نفسه, واستفاضت في عرض المؤثرات التي ساعدت في تشكيلها الابداعي والسيكولوجي ومعاناتها ومسألة الانزواء وترعرعها في كنف جدتها لا امها. وقد طبعت اولى دواوينها عام 1984 (في ملكوت الطاولة) , ثم (مساء الجنة) عام ,1989 ثم (الجزائر) و (رواحل) واخيرا (منازل الجلنار) والذي كان انعكاسا لما احدثه موت ابيها. اما خالد بدر فركز في شهادته على تشكيله الطفولي والمكاني وعلاقته بمزارع النخيل والبحر والاصدقاء وكتب ابيه. واوضح ان بدايته كانت مع القصيدة الكلاسيكية والرومانسية الحالمة. ومع الرغبة في الانزواء غرق بدر في عالم القراءة وسيطر عليه الرعب من فكرة الموت بعدما قضت العجوز التي ساعدت في تربيته نحبها. وتأثر بحرب لبنان وحصار بيروت, ولعب ملحق الخليج الثقافي الذي اسسه الشاعر محمد الماغوط دور النافذة الاولى للنشر بالنسبة اليه. واتجه اخيرا الى قصيدة النثر, وانهى شهادته بقصيدة كتبها لآخر العبارين الاماراتيين الذي مات اثر حادث سيارة في دبي. التأثير القومي تجلى واضحا في قصائد عمر ابو سالم الذي وصف نفسه بالوفي لذاته ولتجربته, وقال انه يحرص على ان يكون الشكل متمما للمعنى وان يعبر بصدق عما يحسه ويراه. وقد انجز مؤخرا اصدار اعماله الشعرية الكاملة مؤكدا انه مر بتجربة الحياة والشعر معا اخذا على النقاد ودارسي الادب التجاهل المتعمد الذي لقيه. وفي الختام القت الشاعرة الاماراتية الهنوف محمد عدة قصائد, قصيدة مثل امومة, مفردات, وهج, كلمات. ثم اعلن عن جائزة الشعر التي خصصتها دائرة الثقافة والاعلام لمواطني دولة الامارات بين اعمار 18 الى 23 سنة. لقد حاول القائمون على المهرجان ان يزحموا فقراته فأتت على حساب المساحة المطلوبة للتعبير عن الفكرة, فغاب عن الحدث التكثيف المطلوب ولم تكن القراءات المختارة لترضي الجمهور اولا لنقص شموليتها حيث قدم البعض نموذجا وحيدا لافق واسع جدا, وثانيا لغياب الهم الوطني والسياسي عن الشعر العربي والذي لا ينكره بأي حال, فتراءى للمستمع ان جل ما كتبناه عن الشوق والنساء والحب! هي احتفالية جميلة تشارك العالم كله في يومه الشعري لكنها لم تشرك الصورة المتكاملة لشعرنا وشعرائنا. كتبت رندة العزير
