ليس من قبيل المبالغة الاعتراف بعبقرية اختيار (الأم) عنوانا لمهرجان دبي للتسوق, بل من باب الاقرار بالحق, فعندما تهدي دبي مهرجانها إلى أمهات العالم, تكون قد استحقت ما هو أرقى من الاشادة, فليس هناك من هو أجدر من الأم بالتكريم, وليس من هو أقدر من الأم على استعادة أجواء أنبل القيم وعبق الأيام الخوالي, حيث كانت مثلنا الأخلاقية تعتلي عرش حياتنا وتضبط إيقاع خطواتنا, على هدى بصيرة أمهاتنا النافذة, ونحن نحتمي بدفء قلوبهن, من صقيع أنواء الحياة. واختيار دبي الأم عنوانا لمهرجان التسوق تأكيد متجدد على وضوح رؤية القائمين على المهرجان, وحلقة في سلسلة ومنظومة تحكم وتخطط لتعامل دبي مع الواقع ومتغيرات العصر, فهي تسعى بخطى ثابتة وبقفزات تسابق عجلة الزمن, للمواءمة ما بين تراث ثري وقيم ثابتة من جهة وظواهر عصر العولمة من جهة أخرى. والشاهد ان دبي تضيف كل يوم إلى سجل نجاحاتها الباهرة في الانفتاح على حضارات العالم دونما تفريط في أعمدة بنيانها القيمي وأسسها الراسخة عربيا وإسلاميا, واستحقت عن جدارة احتفاظها بدور بوابة العرب والخليج إلى وسط آسيا والشرق الأقصى, ومعبر تجاري وحضاري وبوتقة تفاعل ايجابي بين حضارات العالم الوافدة إليها. ففي احتفالها بيوم الأم, استعرضت دبي تراثها العربي والإسلامي, الذي يولي للأم مكانة متميزة, بوصفها عماد الأسرة والمجتمع, والمسئولة الأولى عن صنع رجال المستقبل وصهرهم في بوتقة القيم النبيلة, وتحضيرهم لتحمل مسئوليات القيادة وتسيير عجلة النهضة الاجتماعية والثقافية. ولا يخفى على من شاهد فعاليات المهرجان بيوم الأم, إدراك ما نقلته دبي بمختلف الصور الفنية والابداعية للعالم حول حجم التضحيات التي قدمتها أمهات الحقب الماضية, دونما ترقب كلمة ثناء أو ايماءة شكر, وربما حتى دون أن يمهلهن القدر لقطف ثمار غرسهن. وتكمن القيمة الأكبر لجعل الأم عنوانا لمهرجان التسوق في تلقيح الأجيال الجديدة باكسير قيم نبيلة تحصنهم ضد مخاطر العولمة وحالة الفوضى القيمية التي تسود العالم, وتعيد لهم عافيتهم الأخلاقية, وتشهد أزرهم ليقتحموا دائرة التفاعل مع عصرهم, وهم مبرأون من أوهام الدونية أو مخاوف الانقطاع أو القطيعة مع التراث, وتحول دون ذوبانهم في اتجاهات من وحي عبث التفكك والتحلل الذي يجتاح الغرب, وينتقل إلى بعض مجتمعاتنا. واللافت ان الأم لم تحظ بمكانة قدر ما حظيت به في مجتمعنا العربي الإسلامي, فمن جهة كرمها ديننا الحنيف بجعل الجنة تحت اقدامها, ومن جهة اختصها المجتمع بمهمة تأسيس واقامة السياج الأخلاقي الضامن لصون وحماية المجتمع. فسلاما وتحية ووساما على صدر كل أم, وتقديرا وعرفانا لمن اختار الأم عنوانا لمهرجان دبي. سيد زهران