قال الحكماء (من عرف نفسه فقد تقرب إلى السماء) والحقيقة ان هذا القول لاشيء اقصر منه لفظا ولا شيء اطول منه فائدة ومعنى, والذي يلوح لأول وهلة من هذا القول, الزراية على من يجهل نفسه ولا يعرفها, فهو اذا جهل نفسه فلما سواها اجهل, وعن المعرفة ابعد, فيصير بمنزلة البهائم بل هو اسوأ منها واشد انحطاطا لان البهائم لم تشركه في التمييز ولا يشركها في الجهل, وكلما زادت معرفته زاد احساسه بالغربة, ولهذا نزع اغلب الحكماء والكمل إلى العزلة التي كانوا يرون فيها شفاء لما يعتلج في اعماقهم من الشعور بالغربة. ويطالعنا التاريخ باشخاص قضوا سنين طويلة في عزلة فرضوها على انفسهم, والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتعبد كل عام اربعين يوما في غار حراء قبل البعثة, والسبب في ذلك, ان الوحدة يرافقها التأمل, والتأمل يؤدي إلى التحليق في افق سام عن هذه اللماظة التي ضربت اطنابها في كل حدب وصوب. فالحكيم يشعر بالغربة كل وقت, وحين, يشعرها في هذا الوجود المادي ويسعى للخلاص منها وهذا ما حدا بالتوحيدي إلى القول (الغريب من هو في غربته غريب) , ومعنى ذلك ان الغريب قد صارت الغربة نفسها غريبة عنه, لانه قد ارتفع فوق معنى الغربة عن الوطن إلى معنى الغربة عن الغربة, بعد ان صارت الغربة نفسها وطنا له, وهذا يؤذن انه في حركة متطورة ديناميكية مستمرة, لانه عاش كل حالة واستشعر كل معناها, وارتفع فوقها مقاما اخر, لان الاقتصار هنا يؤدي إلى التوقف, والتوقف يؤدي إلى الركود, والركود السكوني هو والوطن المادي سواء, وهذا ما تعنيه المثل الافلاطونية, الاحالة من موضوع إلى اخر, توالي الصور حتى يصل السالك إلى صورة لا صورة بعدها. ولا يمكن تهذيب النفس إلا بمعرفة قدرها وانها لم تخلق عبثا ولن تترك سدى, بل خلقت لعلة تستوجب ذلك, بعد ان كانت في حالة الكمون في العلم الكلي. محمد خليفة