عندما غنى الجمري سمع صوته اهل البحر والبادية وسكان الجبل, طاف صوته بقاعاً شتى, وصل كل البلدان وسكن قلوب عشاق اضناهم الوله, وآخرين حلت فيهم وحشة الغربة, فوجدوا في لحن الجمري انيسا يمنحهم زاد الذكرى, ذكرى المكان والناس الذين يسكنون دواخلهم, وامل انتظار لحظة اللقاء والعودة. هذا جمري غير عادي, انه اكبر من طائر جميل يسكن هامات اشجار الصحراء ويرسل لحنا شجياً يكسر صمت البر. هذا الجمري انسان شاعر, صنع ابداعاً لا يفنى, عاش بقلب عاشق لا يمل ولا يتعب من الهوى واشجانه, لا يشيخ ولا يتفاخر عند اجلال الحب, يظل في كل الحالات شاعراً ولهانا يجرب ويعاني, وهو المتمرس, وكأنها اللحظة الاولى التي يتعرف فيها على هذا العالم الجميل. ولأن جميع التجارب عنده تجربة اولى كانت كلماته قوية, مختلفة, الذي اضافه سالم الجمري انه حمل المكان في كلماته, فأغلب قصائد الشاعر تجد فيها ملامح البيئة واسماء مناطق مختلفة من ارض هذا الوطن يفرضها كجزء مكمل لحالة وصف خلجاته التي يرسمها في قصائده. لم يترك مدينة او قرية او وادياً الا وسجل اسمه في احدى روائعه, وحال الناس في كل الأزمنة ان يتفاخروا بشعرائهم, واهالي المناطق البعيدة عن المدينة وعن اضواء الاعلام والشهرة, أكثر الناس حاجة الى الشعراء, الى من يذكر مناطق سكناهم, هكذا حالهم في سفرهم واغترابهم وكذلك عندما يكونون في وطنهم الصغير يشعرون بخصوصية المكان الذي يسكنونه ويفرحون بذكر اسمه, لهذا وجد الجميع في سالم الجمري جزءاً يخصه, فكان شاعراً ينتمي لهم جميعاً. وسهل الفنان علي بو الروغة امر انتشار كلمات الجمري وحفظها وان تثبت مع اللحن الذي قدمها فيه على ألسنة الناس. والعلاقة التي ربطت بين الجمري وبو الروغة علاقة وثيقة, قامت على احترام وتقدير واخلاص متبادل, عبر عنها كل منهما سواء في كلمات بعض القصائد التي كان فيها الشاعر يخص الفنان بالمشاكاة وذكره بالاسم في مقابل الاختيار الجيد للحن وتأثر المطرب في ادائه وتقديمه للأغنية وكأنه هو صاحب الكلمات والمعاناة. علاقة نشأت مع بداية انطلاق صوت شعبي جديد في ساحل الخليج, واستمرت طوال المشوار الجميل للاثنين, وتوقفت عندما صمت بو الروغة عن الغناء, وبموت الشاعر سالم الجمري. ولأن اسس العلاقة التي قامت بين الاثنين كانت مثالية وصادقة فقد ساهم كل منهما في نجاح الآخر, نجحوا جميعاً وكسبوا في النهاية صداقة هذا العمر الطويل, وهذا الابداع وقلوب الناس في أزمنة مختلفة. اليوم يخرج جيل جديد من المطربين الشباب يغنون بعض الروائع التي غناها الفنان بو الروغة, توجه وجد ترحيب واقبال قاعدة عريضة من الجمهور, وبرزت بعض الاسماء واصبحوا نجوماً في وسائل الاعلام بفضل بو الروغة, وعلى هؤلاء يجب ان يكون العرفان والوفاء لهذا الفنان, لا بد ان ينسب العمل لاهله, نقول ونفخر ان هذه الكلمات سبق ان لحنها وغناها المطرب علي بو الروغة. ونتذكر ان هناك قانوناً للملكية الفكرية, حتى لو قام المطرب بإدخال بعض التغييرات, او غير اللحن تماماً, تبقى حقوق المطرب الاصلي, وحقوق الشاعر ايضاً. من الغريب ان احد هؤلاء الفنانين الجدد, قام بأداء اغنيتين من كلمات الجمري وغناء بو الروغة, وفي المعلومات التعريفية عن فحوى (الكاسيت) ذكر اسماء جميع الشعراء الذين ضمهم الشريط, الا الجمري استبدل اسمه بلفظ (تراث اماراتي) , فكيف ينسب عمل مشهور ومعروف الى (مجهول) كان الفنان بو الروغة في زمنه الذي لم يكن فيه حقوق ولا قانون للملكية, يحرص في مقدمة كل اغنية ان يسجل بصوته, بصمة تحمل اسم صاحب الكلمات والملحن والمطرب, واسم محل التسجيلات. قضية يجب ان ننتبه لها في عصر القانون, من يحفظ حقوق الاعمال القديمة تحديداً؟ هذا الصيف ركب البعض موجة حنين الناس للفن القديم, فتم اعادة نسخ وتسجيل اغاني بو الروغة على اسطوانات مدمجة (CD) وبيعت في لندن بأسعار خيالية, سعر الاسطوانة الواحدة 35 جنيهاً استرلينياً, اكثر من 200 درهم اماراتي, ولاقت اقبالاً وعادت كميات منها ضمن حقائب وهدايا العائدين من السفر وقد يكون ربح الشخص الذي قام بهذا العمل غير المشروع في عام واحد يفوق ما حصل عليه المطرب طوال مسيرته الفنية! من يهتم بهذا التراث, من يحرسه من الاهمال, والضياع, والسرقة؟ قد تكون الاجابة عند الجهات المعنية مثل وزارة الاعلام والثقافة او لجنة التراث والتاريخ او مؤسسات وجمعيات التراث او عند الاشخاص المنتمين والمهتمين بهذا الجانب, وقد لا تكون عندهم جميعاً اجابة! كيف نتحرك, كيف نحافظ على ما تبقى, كيف نبدأ صح؟!