مانراه ونلمسه في واقع تاريخنا الحضاري المعاصر يشير الى تفكك جوانب عديدة في شخصيتنا الثقافية وذوبانها والى ضياع الكثير من ملامحنا المتميزة وطغيان قيم الغرب وفلسفته ورؤيته على الكثير من قيمنا وعقائدنا ورؤانا بفعل تيار العولمة الكاسح الذي يريدنا بلا هوية متميزة وبلا ثقافة واضحة, وان لم نقف في الوقت المناسب لمراجعة حساباتنا سيقودنا ذلك الى الانتحار الكامل والفناء النهائي في كيان الحضارة الغربية ويومها ـ لا قدر الله ـ لن يكون هناك شيء اسمه (حضارة اسلامية). العامية سهم مسموم اننا امة لها تراثها الذي تعتز به وتدافع عنه وهذا التراث مكتوب بالفصحى التي ان تركت الى العامية ادى ذلك الى ترك هذا التراث ودفنه وسيأتي من بعدنا خلق لن يفهموا من الفصحى شيئا وبذلك يفقدون قرآنهم ودينهم وتراثهم والدعوة الى العامية بعامة سهم مسموم مغلف مسدد الى الاسلام في كتابه الكريم. مؤامرة قديمة على العربية وقد ادرك علماء الغرب الترابط الوثيق بين اللغة العربية والدين الاسلامي وعرفوا ان الاسلام لا يفهم الا باللغة العربية وادركوا ان اللغة العربية ركن جوهري من القرآن الكريم وانها اساس في قدرة الشريعة على حل مشكلات الحياة ومتطلباتها وادركوا الصلة الوثيقة بينها وبين تاريخ الشعوب الاسلامية وعلومها وثقافتها وانها من العوامل الكبرى في تمكين فكرة الوحدة الاسلامية وانها وشيجة قوية من وشائج الاخوة الاسلامية فهي لغة التخاطب ولغة الادب ولغة العلم اضافة انها لغة العبادة اليومية لكل المسلمين, اذ من المحتوم على المسلمين جميعا اينما كانوا او مهما كانت لغاتهم واجناسهم ومواطنهم ان يتعلموا اللغة العربية وذلك لأن العبادة من صلاة وتلاوة للقرآن لا تتم الا باللغة العربية التي انزل بها القرآن. هل العربية عاجزة عن مسايرة التطور؟ نعم ادرك اعداء الاسلام ضرورة الترويج لهذا وغيره فأخذوا يوجهون السهام اليها وبذلوا الجهود الكبيرة لاضعافها وتدميرها وابعاد المسلمين عنها وصرفهم عن الفصحى التي تؤدى بها ومازالت جهودهم تبذل بصورة مستمرة وبلا توقف ومن ذلك انهم اخذوا يروجون فكرة عجز اللغة العربية عن مسايرة التطور العلمي وانها لم تعد صالحة اليوم لاستيعاب كل الاغراض في العلوم الحديثة لتظل الامة الاسلامية عالة على مصطلحات الغرب في العلوم الحديثة وبالتالي يشعر المسلمون بفضل الغربيين وتفوقهم الادبي ويشعرون ايضا بمركب النقص فيتجهون الى ادب الغربيين وتراثهم واسلوب حياتهم. اهمال اللغة والسخرية من متحدثيها ثم انهم فرضوا على الشعوب العربية والاسلامية لغتهم محاولين بذلك صهر هذه الشعوب بلغتهم وحضارتهم فأصبحت لغات الثقافة الغربية في كثير من البلاد الاسلامية هي اللغات الرسمية السائدة وهي لغات التخاطب ولغات التعليم والتعلم كما كان الامر في الجزائر والسودان واصبحت الدوائر الحكومية لا تعين داخلها الا من يجيد لغة المستعمر في كثير من البلاد الاسلامية ونتيجة لذلك أهملت اللغة العربية وأصبحت في كثير من الاحوال مثار الهزء والسخرية واصبح التغيير منها ظاهرة بارزة في اغلب مجتمعات المسلمين ومن ثم اخذ المستعمرون الجدد يروجون للغة العامية واللهجات الاقليمية المحلية لتكون لغة التخاطب والكتابة والاداب والفنون وكان ذلك اسلوبا من اساليب اضعاف اللغة العربية واهمالها وكان ايضا جزءا من المؤامرة عليها. (وللحديث بقية ان شاء الله) أحمد حلمي سيف النصر