المتناقضات قوام الحياة.. والحركة الدائمة أو التغير المستمر سنة كونية وهذا يتطلب موقفا محددا في مواجهة مختلف تحدياتها وتناقضاتها من أجل الوصول إلى الاعتدال والتوازن. وجدلية الإسلام تستهدف التوفيق بين المتناقضات فهي الاجتهادات الشرعية أو الجهود التوفيقية من أجل وضع أحسن وتحقيق التقدم والرقي. وتختلف جدلية الإسلام أو المنهج المعرفي الإسلامي عن الجدلية الوضعية أ و المنهج المعرفي الإسلامي عن الجدلية الوضعية أو المنهج المعرفي الغربي فالجدلية الإسلامية تقوم على ثلاثة أسس رئيسية: الأول: التناقضات حقيقة قائمة لكنها في الإسلام للتكامل لا على الصراع. الثاني: المتغيرات حقيقة أخرى قائمة لكنها في الإسلام تكون في حدود الثوابت الإلهية. الثالث: التسليم بالغيبيات والتجريب في المحسوسات وفي هذا الإطار تدور دراسة الدكتور محمد شوقي الفنجري رئيس مجلس الدولة الأسبق "جدلية الإسلام" من خلال تحديد المفهوم الإسلامي للجدلية والمقارنة بين هذا المفهوم والمفاهيم والنظريات الغربية وما ترتب على هذا وذاك من نتائج في البداية يحدد المؤلف معني الجدلية بأنها فن أو أسلوب التعامل مع مختلف متناقضات الحياة وما ينشأ عنه من اطروحات أو مستجدات أو معطيات جديدة تتطلب بدورها تعديلات أو اختبارات أو مواقف جديدة تهدف إلى تحقيق التوازن كلما اختل مشيرا إلى أن الجدلية بهذا المعنى تعد من أهم حقائق الوجود حيث تساعد الإحاطة الرشيدة بها واستيعاب حقيقتها على إعادة ترتيب العقل الإنساني وخلق الوعي لمواجهة تحديات الحياة ومتناقضاتها وتحقيق التوازن والاعتدال. الثنائية ويشير إلى أن الثنائية تمثل حقيقة الكون والحياة وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) فهناك الحق والباطل والخير والشر والعلم والجهل والتقدم والتخلف والقول والعمل والفكر والسلوك إلى آخر ذلك موضحا أن الثنائية إذا احسن تقديرها وتوظيفها كانت أداة للتعارف والتكامل والسعادة يقول تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . ويرى المؤلف أن ثنائية التركيب وواقع المتناقضات وحقيقة المتغيرات واستمرارية المستجدات هي سر الحياة ومحرك الوجود ومحدث التاريخ وهي التي تدفع مسيرة البشر وتحدد ملامح الحياة مشيرا إلى أن الإنسان مطالب بالإقرار والتسليم بل والترحيب بكافة صور المتناقضات سواء في ذاته أم في علاقاته الخارجية, فالإنسان مطالب بنص القرآن بتزكية نفسه والدفع بالتي هي أحسن أي بالتهذيب والتعاون والتكامل والتنافر والصراع. المنطق الإسلامي ويقارن المؤلف بين المنطق الإسلامي وغيره فيرى أن المنطق الشكلي الأرسطي منهج للبحث والتفكير على أساس أن كل ما في الوجود ثابت وما كان حقيقيا بالأمس هو حقيقي اليوم وسيظل حقيقيا على الدوام, وعلى ذلك تعتبر الملكية الفردية أو الدولة أو الرق حقائق ثابتة في ظل أي مجتمع وفي عصر. في حين يقوم المنطق الجدلي الهيجلي على أساس أن كل ما في الوجود في تغير مستمر بسبب ما يحمله في محتواه من تناقض يؤدي إلى إنشاء وضع جديد وهكذا وعلى ذلك فما كان حقيقيا بالأمس أو صالحا في ظروف معينة ليس كذلك اليوم أو الغد وأخذ ماركس فلسفة هيجل الجدلية لكنه قلبها من جدلية مثالية إلى جدلية مادية فالمادة في نظر ماركس هي الأصل في الوجود وهي السبب في كل موجود والأفكار ليست إلا انعكاسا لمادة أما المنطق الإسلامي فيشير المؤلف إلى أن علماء المسلمين اتفقوا على أن كل ما ورد في القرآن والسنة من أحكام سواء تعلق بالعبادات أو المعاملات هي أحكام إلهية ملزمة غير قابلة للتغيير والتعديل وصالحة لكل زمان ومكان وقالوا إن كل ما ورد في القرآن والسنة من أحكام تفصيلية ملزمة للكافة إنما يتعلق بالعقيدة والأخلاق التي تشكل فكر ونفسية وسلوك المسلم على النحو المثالي المنشود أما بشأن ما ورد في المعاملات من أحكام ملزمة فهو محدود للغاية ولا يتضمن سوى أحكام عامة صالحة لكل زمان ومكان كمبدأ الشورى والتزام العدل في المجال السياسي وكتحريم الربا والاحتكار وكافة صور الاستغلال في المجال الاقتصادي, واستنتج فقهاء الشريعة من ذلك أن هناك مجالا واسعا للاجتهاد في نطاق المعاملات وهكذا قرر الإسلام ما لم يتوصل إليه الفكر البشري عبر تاريخه الطويل وحتى اليوم حيث يجمع الإسلام بين الثبات والتطور. أسلوب خاص ويفرق المؤلف بين الجدلية الوضعية وجدلية الإسلام فيقول لقد تصور الفكر الوضعي بتصوره أو ضلاله أن هذه المتناقضات هي للصراع والاقتتال وحسم القضية بطريقة خاطئة بترجيح أحد طرفي التناقض بالاعتداد بأحدهما دون الآخر وفي مجال التدافع بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة نشأ كل من المذهب الفردي الرأسمالي والمذهب الجماعي الاشتراكي موضحا أن المذهب الفردي يجعل الفرد هدفه ويهتم بمصلحته ويقدمه على المجتمع ويمنحه الحرية الكاملة في ممارسة نشاطه الاقتصادي وفي التملك وهذا أدى إلى سيطرة الأقوياء واستئثار الأقلية بخيرات المجتمع وسوء توزيع الثروة والدخول وتفاقم ظاهرة التفاوت بين الطبقات التي تثير الفرقة والصراع بين أفراد المجتمع. أما المذهب الجماعي فيجعل المجتمع هدفه فيهتم بمصلحته ويقدمه على الفرد وهذا أدى إلى إضعاف المبادرات الفردية وتحكم البيروقراطية وسيادة الدكتاتورية والطغيان وانتفاء الشعور بالأمن وانعدام الحرية التي هي أساس كل إبداع. ويوضح المؤلف ان الإسلام له أسلوب جدلي خاص فهو يقر مختلف التناقضات الموجودة في الحياة الثبات والتطور ومصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. المصالح المادية والحاجات الروحية وجعل المتناقضات سبيلا إلى التكامل والتعاون ولذلك حرص على الإبقاء عليها والتوفيق بينها وتغليب المصلحة العامة على الخاصة عند الضرو رة. ويرى أنه إذا كان هناك قديم ذاهب وجديد آت فإن هذا الجديد بمقتضى الجدلية الإسلامية لا يولد من فراغ ولا ينشأ كرد فعل أو حسب اختيارات أو أهواء الحاكمين كما هو الشأن في كافة المذاهب والنظم الوضعية وإنما هو محكوم بمبادئ الشريعة وأصولها ولا يتجاوز حدودها. مشير ا إلى أن اختيارات الوسط الذي تدعو إليه الجدلية الإسلامية ليست وسطية حسابية وإنما وسطية اجتماعية نسبية لا تعني سوى الاعتدال التكامل بين المتناقضات. الفروض والمسلمات ويشير المؤلف إلى أن المنهج اليوناني الذي كان سائدا قبل ظهور الإسلام كان منهجا نظريا فرضيا بني على الفروض والمسلمات على المدركات الحسية والاستقراء ويبدأ بالعموميات المرسلة ليصل إلى الجزيئات ويكرر النتائج في المقدمات لذلك تجمد فكر اليونان وعارضت الكنيسة التقدم العلمي. أما الإسلام فقد جاء بمنهج النظر في الكون والتأمل في الكائنات واستقراء المشاهدات وعلل الأشياء في الأرض والسماء واستعمال العقل للاعتبار توصلا إلى الإيمان والارتفاع بالنفس والسلوك في الحياة إلى مستوى التقوى بدافع الخشية والرجاء في الله تعالى. ويؤكد أن المنهج العلمي المعاصر (التجريبي) الذي نسب إلى المفكر الإنجليزي فرانسيس بيكون إنما أخذ باعتراف كثير من علماء الغرب من علماء المسلمين حيث انتقل إلى أوروبا عن طريق الأندلس لكن الاوربيين جردوا هذا المنهج الإسلامي من صيغته الربانية وأهدافه السامية فكان هذا الاضطراب والتخبط الذي تعانيه الإنسانية وكان ذلك القلق والصراع الذي يتجرع عالمنا المعاصر مرارته. ويخلص إلى الإسلام هو الذي أخرج العالم كله من دائرة المنهج اليوناني النظري إلى المنهج العلمي التجريبي مشيرا إلى أبحاث المسلمين التجريبية في الطبيعة والكيمياء والفلك والطب والجغرافيا وكانت يقظة الغرب حيث درست علوم المسلمين في الجامعات الأوروبية في القرن الثاني عشر الميلادي. العقل ويضيف: لقد بين الإسلام موقفه من العقل فجعله مناط التكليف وحرره من التقليد واتباع الظن ودعاه إلى التجريب والبرهان لكنه يقرر أن العقل وحده غير كاف وأن المعرفة الإنسانية ليست مقصورة على معطيات الحواس وأنه إلى جانب العلم الذي مصدره التجريب هناك أيضا العلم الذي مصدره الوحي والدين ويؤكد أنه لا خلاص للعالم إلا بالعودة إلى المنهج المعرفي الإسلامي بجناحيه الإيماني والتجريبي وتصحيح حضارة اليوم من حضارة المادة والأشياء إلى حضارة الإنسان والاعتصام بالله. ويشير إلى ملامح النموذج الإسلامي في التعامل مع المتناقضات فيقول ان الإسلام لا ينكر المادة ولا يجحد الغرائز والشهوات لكن يدعو إلى السيطرة على المادة والاغتناء ويحرص على إشباع الغرائز وفي نفس الوقت يرفض إطلاق الغرائز والانغماس في الشهوات ليضع بجانب المادة والشهوة العقيدة الإيمانية والالتزام بالأخلاق والمثل ويزاوج بينها بحيث لا يهدر أحدهما على حساب الآخر وإنما يكمل كل منهما الآخر ويلخص المؤلف جدلية الإسلام في قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما احسن الله إليك) وقوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وقوله: (لا تظلمون ولا تظلمون) وقول الرسول ـ صلى الله علية وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله أيضا:(إياكم والغلو فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو) . الإصلاح ويرى المؤلف أن إصلاح المفاسد والشرور والتمزق والإحباط الذي يعانيه عالمنا المعاصر إنما يكون بالعودة إلى المنهج الإسلامي الذي يرفض المنهج المعرفي الغربي القائم على إسقاط كل ما لا يدركه الحس ويرفض أيضا فصل الدين عن الدولة أو استبعاده كلية من الحياة ويرفض تصوراته في الاكتفاء بالتقدم المادي أو التركيز على القوة أو الحضارة المادية أو أن يكون الفرد نتيجة منفعلة وليست فاعلة في البيئة والأحداث أو أن يكون عبدا لشهواته أو مسيرا بنزواته. ويشير إلى أن الإسلام يرفض سائر حضارات وفلسفات البعد الواحد التي تغفل حقيقة الحياة كما يرفض المنهج المعرفي الغربي القائم على النسبية والمتغيرات في مجال العقيدة أو الأخلاق أو قيم الحياة ولا يقبل الإسلام التغيير إلا في المعاملات وفي التفاصيل فقط ويرفض الإسلام القول بصراع الأشياء أو تنازع البقاء, أو عداء الطبقات أو نفي أحد طرفي العلاقة لحساب الآخر وينفرد الإسلام بوضع حلول الهية في مختلف المجالات من خلال زوجية الأشياء وثنائية الحاجات وتضارب المصالح على أساس التعاون لا التنافر والتكامل لا الصراع ودون إهدار لأحد طرفي العلاقة. القاهرة البيان