كان عليّ, بعد تفكير طويل, ان انتهي الى ضرورة, انسحابي من مجلة (فصول) التي رافقتها منذ كانت فكرة في ذهن صلاح عبدالصبور, واذهان اصدقائه الذين ظلوا يحلمون طويلاً بمجلة دورية, متخصصة في النقد الأدبي, وأحسبني شعرت, بعد عشرين عاماً أو يزيد من العمل من أجل (فصول) وفي تحرير (فصول الغالية) , انه قد آن الاوان لأن اترك الاشراف عليها لغيري, وان اترك لمن يأتي بعدي استكمال مسيرة هذه المجلة التي احدثت ـ ولا تزال تحدث ـ اعمق الأثر في تيارات النقد العربي وكان دافعي الى قراري امرين: اولهما تزايد الاعباء الادارية والعلمية التي فرضت نفسها, او فرضها شعوري بالواجب فضلاً عن ثقة الآخرين, وثانيهما انني قدرت ان ما يقرب من عشرين عاماً في العمل من اجل (فصول) او في تحريرها تكفي وتزيد, وان على المرء افساح ما بقي من الطريق لأجيال جديدة, تبدأ من حيث انتهى وربما كان هذا الدافع وحده يستحق التأكيد, خصوصاً لأننا نعيش في زمن يعض فيه صاحب كل منصب على منصبه بالنواجذ, ويظل حريصاً على البقاء متربعاً في كرسي المنصب, حتى لو فقد الكرسي بريقه او تململ الآخرون من جلوس الجالس. وقد تحدثت فيما انتهيت اليه مع زميلي الدكتور سمير سرحان رئيس مجلس ادارة الهيئة المصرية العامة للكتاب, ولكنه بمحبته ابى ان يستجيب لقراري, وامهلني بعض الوقت طالباً مني معاودة التفكير, ولكنني كنت حاسماً مع نفسي, مقتنعاً بأنه حان الوقت لأن تدخل دماء جديدة الى شرايين (فصول) الغالية, وان تستهل مرحلة جديدة من حياتها النقدية. لقد اسهمت (فصول) في تأسيس تيارات محدثة جذرية, منها البنيوية والهرمنيوطفا وعلم العلامات ونظريات التفكيك والاستقبال وخطاب ما بعد الاستعمار.. الى آخر كل ما هوجمت به (فصول) في بادئ امرها, وقد نجحت بكتاباتها في اقناع منتقديها بأهميتها, كما نجحت في تقديم أجيال شابة من الناقدات والنقاد الذين جاوزوا ـ الآن ـ مرحلة الشباب, وكانت ولا تزال, تجمعاً حياً خلاقاً للطليعة النقدية على امتداد الوطن العربي, كما كانت, ولا تزال, عونا ودعماً لتيارات الكتابة الجديدة ومحاولة مستمرة لاختبار الجديد الواعد والتجريب النقدي في الوقت نفسه, ولذلك كنا نرى في (فصول) رأس حربة الاجيال الشابة من تيارات الحداثة وما بعدها, كما كنا نرى فيها منبر الطليعة النقدية في تطلعها الى ممارسات مغايرة والى حوار مفتوح على العالم بأسره. لكن أفكار الأمس التي دفعت (فصول) في انطلاقها الأول ايام ان كان الدكتور عز الدين اسماعيل رئيس تحريرها, وفي انطلاقها الثاني منذ ان اشرفت على تحريرها لما يقرب من عشر سنوات, اصبحت في حاجة الى المراجعة, وفي حاجة الى ان توضع موضع المساءلة, وفي حاجة الى الاضافة فالجديد الذي أحدث صدمة في وقته أصبح مألوفاً وجاء بعده ما هو أجد من التيارات والانجازات النقدية على امتداد الكوكب الارضي كله, والأجيال الشابة التي اعطت للمجلة حيوية البداية المتحمسة المندفعة لا بد لها من ان تترك القيادة لأجيال اكثر شباباً لتضيف الى الحماسة القديمة حماسة جديدة. واضيف الى ذلك ان عالم نهايات القرن العشرين الذي جسدته احلام (فصول) بوعودها الموجبة انقضى بمحاسنه ومساوئه, وأقبل عالم القرن الحادي والعشرين بأسئلته التي تحتاج الى طرح مغاير, كما تحتاج الى جسارة اقوى في التناول او المقاربة ولذلك شعرت بحاجة (فصول) الى قيادة جديدة واعدة, قيادة تنطلق من خبرات الماضي لتضيف الى وعي الحاضر, وتحلم بالمستقبل الذي تدفعنا وعوده الى مجاوزة شروط الضرورة والثبات التي قد تخترقنا دون ان ندري, قيادة لا تكف عن متابعة الجديد وتأصيله, متفرغة للعمل في (فصول) وحدها غير مثقلة بالأعباء الادارية, او المشاغل العملية العديدة, فهذه المجلة التي ارجو ان تظل رائدة لا تقبل لها شريكاً في الاهتمام والأولويات. هكذا, اقنعت صديقي سمير سرحان بضرورة قبول اعتذاري عن الاستمرار في العمل رئيساً لتحرير (فصول) التي اقترنت بها احلى سنوات العمر وأكثرها توهجا بالحماسة والتحديات والرغبات وقبل صديقي استقالتي المكتوبة على مضض, وبعد الحاح مني وكان مثلي يدرك صعوبة اتخاذ هذا القرار وحتميته في الوقت نفسه, ربما قد لا يوافقني على الكثير من آرائي, واختلف معه او عنه في الكثير من مواقفه, لكن العمل في الثقافة والايمان بأهميتها يجمع بيننا رغم كل اختلاف, كما يؤسس عمق المودة والمحبة الموجودة منذ سنوات تلمذتنا معا في كلية الاداب بجامعة القاهرة, واذ اكرر لصديقي سمير سرحان اعتذاري عن عدم استجابتي الى رغبته في الاستمرار, أؤكد له تقديري وشكري لكل ما قدمه من عون, فلولا دعمه ما خاضت (فصول) رحلتها الثانية بجسارة وقدرة. وها هي (فصول) العزيزة, تصل الى خاتمة رحلتها الثانية, تلك الرحلة التي بدأت منذ اصدار أول اعدادها الثلاثة عن (الأدب والحرية) في ربيع عام 1992 وقد كانت هذه الرحلة الثانية استكمالاً لرحلة (فصول) الاولى التي بدأت منذ اصدار عدد المجلة الاول في اكتوبر من عام 1980 واذا كان صدور (فصول) , في رحلتها الاولى قد مثل (استجابة طبيعية وضرورية لحاجة يلح الواقع في طلبها) كما اشار استاذنا الدكتور عز الدين اسماعيل في تقديمه العدد الأول من المجلة, قبل عقدين من الزمن, فإن استمرار صدور المجلة, خلال هذين العقدين, كان متصلاً بهذه الاستجابة الطبيعية والضرورية نفسها وفاء بحق الواقع الأدبي ـ النقدي, لكنه كان ـ من ناحية اخرى ـ حركة صاعدة مع هذا الواقع في تحوله الخلاق, خصوصاً بعد ان تعددت (الحاجة) الواحدة فأصبحت (حاجات) وتجددت المطالب والمطامح مع تجدد الواقع وتغيره المستمر, خلال السنوات التي وصلت بالقرن العشرين الى خاتمته الاخيرة. واعترف أنني بعد ان كتبت خطاب الاستقالة وارسلته وجدت نفسي أسير التداعيات المرتبطة بذكريات (فصول) وهي التداعيات التي انثالت على ذاكرتي لتعيدني الى الوراء حين كنا نجتمع في مقر الجمعية الادبية المصرية التي كانت تضم صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي وعز الدين اسماعيل ومحمد النويهي وعبدالغفار مكاوي وغيرهم من الاساتذة الاجلاء الذين احاطوني بالرعاية والمحبة منذ ان عرفت طريقي الى الجمعية قبل تخرجي من الجامعة وقد ظلت علاقتي حميمة بهؤلاء الاساتذة الكبار الى اليوم وما أكثر ما كنا نتحدث عن ضرورة وجود نقد جديد, وحاجتنا الى تعددية حقيقية في التيارات النقدية, ومن ثم الى وجود مجلة متخصصة ذات مستوى رفيع, تكون منبراً لأصوات هذا النقد الجديد الواعد وقد نقل صلاح عبدالصبور الحلم الى حيز التطبيق حين تولى مسئولية الاشراف على الهيئة العامة للكتاب, واتاح اصدار مجلة (فصول) التي تولى رئاسة تحريرها عز الدين اسماعيل, يعاونه كل من صلاح فضل وجابر عصفور بوصفهما نائبين لرئيس التحرير. واستمرت (فصول) في الصدور, وظلت تثير عواصف المعارضة, لكنها ظلت في الوقت نفسه تثير غبار الطلع الذي حمل اللقاح الى كل الاغصان والنباتات المتطلعة الى اخصاب جديد واذكر, ونحن نعمل في اعداد العدد الاول, انني اندفعت بحماستي واستكتبت الكثيرين الامر الذي ادى الى تضخم مادة العدد الاول, فاضطررنا الى ان نختار قطعاً كبيراً غير اعتيادي للمجلة, وهو القطع الذي حافظت عليه (فصول) في سنواتها العشر الاولى واذكر ان القطع الكبير للمجلة لم يحل مشكلة العدد الاول, فقد ظلت المادة متضخمة وعدد الصفحات التي وصلت الى اربعمئة أكبر من الميزانية المقررة للمجلة. واتفق صلاح عبدالصبور مع الدكتور عز الدين اسماعيل على اختصار عدد الصفحات الى النصف, ولكنني رأيت ان هذا الاختصار يقلل من وزن المجلة الفكري ويختزل كثيراً من حجم تأثيرها المتوقع, وظللت اجادل الدكتور عز الدين اسماعيل الى ان اقتنع, وطالبني باقناع صلاح عبدالصبور, فذهبت اليه في منزله عليه رحمة الله, وظللت أجادله وهو يحاول اقناعي بضرورة الالتزام بالميزانية وكم كانت ضحكاته الصافية الودودة جميلة عندما قلت له انني مستعد للتنازل عن كل مكافآتي المالية التي سوف اتقاضاها من (فصول) لكي ادعم المجلة مادياً, وسألني صلاح عبدالصبور حانياً, وهل تعرف كم ستحصل من المجلة؟ وهل تظن ان ما سوف تحصل عليه يكفي؟ ويبدو ان الحيرة التي ظهرت على وجهي دفعته الى التعاطف معي, والى محاولة التخفيف عني ولكنني بكل عناد الشباب وحماسته لم اتركه الا بعد ان انتزعت منه وعداً بعمل كل ما يستطيع لتعديل ميزانية (فصول) العزيزة وانجز صلاح عبدالصبور ما وعد, وضاعف ميزانية (فصول) التي اقامت الدنيا الأدبية والنقدية يوم صدورها ووجدت من الاستحسان والتشجيع ما دفعها الى المضي قدماً في طريقها الصاعد, ومواجهة كل العقبات وانجاز ما انجزته, وظل صلاح عبدالصبور فخوراً بالمجلة طوال ما بقي له من حياة ولم يهملها قط أو يضع العراقيل في طريقها كما فعل غيره, رحم الله صلاح عبدالصبور المثقف الكبير, والشاعر المبدع فهو صاحب الفضل الاول في صدور المجلة التي ذكرتني استقالتي منها بدينها له وديننا جميعاً لمواقفه الثقافية الشريفة والجليلة.