ثمة شهادة تكريم يريد ان يوجهها العالم للقرن العشرين فيما ينصرم. هذا هو الخاطر الذي راودني وأنا احتفل مع نفسي باليوم العالمي للشعر, في 21 مارس 2000, وهي المناسبة التي أقرتها منظمة اليونسكو لتكون مناسبة عالمية يحتفل بها العالم أجمع, كل في الأسلوب الذي يناسبه وينسجم مع امكانياته, شعراء وشخصيات أدبية, جمعيات ومنظمات واتحادات ومؤسسات أهلية وشعبية وحكومية. وظني انه كلما كان الاحتفال شخصياً صار أكثر صدقاً وجمالاً وفاعلية. في القرن العشرين, الذي نحاول ان نغادره بأقل خسارة ممكنة, تحققت المنجزات الانسانية المهمة التي وضعت العالم في المنعطف الخطير نحو المستقبل. ومن بين هذه المنجزات تلك التحولات العظيمة في مفاهيم شعرية في كل حركات الشعر في العالم. فلم يعد ممكنا في نهاية هذا القرن القول بالشعر لكي يتفق الجميع على ذلك ضمن مفهوم واحد متقارب ومتشاكل ولا يخلو من قلق. وهذا هو بالضبط ما يعتبر انجازا كونيا نقل الانسان من النظر الواحد للأشياء الى التعدد اللامتناهي من الدلالات والمفاهيم. وقد تحقق للشعر في العالم الحديث ان يخرج على المفهوم الواحد, وعلى القالب الواحد, وعلى المعنى الواحد. من هنا سوف يكون جديراً ان نمنح هذا القرن تكريما لائقا به, لئلا يقال بأن البشر لا يكترثون بالتاريخ الا بوصفه فعلاً ماضياً, في حين ان للتجربة التاريخية (كلما أتيح لها التخلق في مخيلة الانسان) طاقة على رفد المستقبل بكل عناصر الخلق والابتكار المستمرين. فبعد ان اعلنت الأمم المتحدة, (طوال ما يربو على سبعين عاماً) يوماً لكل حقل في شئون الحياة تقريباً, استدركت ما أوشك ان يسقط من ذاكرة المستقبل, وهو الشعر الذي لا يسقط أبدا من ذاكرة القلب, واستجابت للدعوة الجميلة التي أطلقها الأصدقاء المغاربة في بيت الشعر منذ العام 1997, في صيغة دعوة ذات بعد شعري, لأمين عام منظمة اليونسكو (السابق) من أجل اعتماد يوم عالمي للشعر. وبعد عدد من الاجتماعات والنقاشات على المستوى العالمي, تم الإطلاق العالمي ليوم 21 مارس من كل عام يوما عالميا للشعر. يحق لنا ان نعتبر هذا ضربا من صقل التاج على رؤوس الشعراء في كل العالم, وهو تاج سيراه الآخرون اكثر مما يكترث به الشعراء أنفسهم, كلما بالغ الشعراء في تواضعهم ازاء صنيعهم في المشهد الإنساني. اولاً, ثمة تحية نود توجيهها لكل من سعى وحقق هذا الاعلان الشعري عربياً وعالمياً, وتحية مضاعفة لكل من يساهم في الاحتفال بهذه المناسبة في أرجاء الأرض, بأمل أن نكون قادرين على أن نقول القصيدة الجميلة دائماً للعام الجديد, وللقرن الجديد أيضاً. ترى بماذا استعد العرب (وهم أصحاب السعي الجميل لفكرة هذا اليوم) للاحتفال الأول بهذه المناسبة؟ نكتب هذه الكلمة اليوم من غير ان نلحظ خبراً يشير الى مشروع برنامج جدي في البلاد العربية للمشاركة في الاحتفال العالمي, وهم الذين نصبوا السرادقات الصاخبة ذات النكهة الاجتماعية (لئلا نقول شهوة البرستيج) الفاقعة على امتداد القاعات العربية من اقصى اليسار المتشدق بذاكرة تتشبث ببقايا أوهام التحرير (الذي لم يبق منه إلا تحرير المرأة التي تطلب الحرية من رجل أكثر عبودية منها), الى أقصى اليمين المطمئن بأن مشاركته (وهو في سدة الحكم منذ الأزل) لا يزيد سدته الا سداداً وتنكيلاً بباقي الأوهام التي سيطلبها الرجل (هو الاخر) باسم المرأة من الجهة الغلط. وهذا استطراد فرضته لحظة تأمل الشغف العربي بالاحتفال بكل شيء يستجيب لشهوة الاستهلاك التي تستفحل في الحياة العربية منذ اواخر السبعينيات, لكي تأتي الأسواق الحرة (وهي الشيء الحر الوحيد في مضارب العرب) لتفتح لها التفاقم على آخره, لكي يبدو الاحتفال في حد ذاته مناسبة لاستهلاك الحياة ذاتها بلا غاية ولا هدف ولا معنى.وهو استطراد لا يفارق الشعر الا بالقدر الذي يجعل (الفسيتفال) اكثر رشاقة وأهلية للنظام العالمي الجديد الذي لن يعرف العرب منه الا المفهوم التجاري (حيث يمكن للمرء ان يشتري كل شيء مقابل ان يبيع كل شيء أيضا) الامر الذي سيذكرنا بالشاعر الذي قال ذات قصيدة وهو في سجنه الأثير, فيما يصف البلاد التي (تفتح ساقها للخيل حتى تدخل الابل). أظن ان احتفالا بالشعر بهذه التداعيات سيكون معبرا عن المسافة التي تفصلنا ليس عن المستقبل فحسب, ولكن خصوصا عن الواقع, الواقع الذي يقف فيه الاخرون على نقيضنا. في فرنسا, فقط, تبدأ احتفالاتهم بالشعر على الشكل التالي, 16 الف موقع في المدارس والمعاهد والجامعات. 1500 مدينة فرنسية تحتفي بالشعر. 500 مقهى. ثلاثة آلاف واجهة عرض. 230 محطة قطار وأتوبيس ومترو. 28 مستشفى. 14 سجناً. 520 مكتبة تجارية. 523 مكتبة عامة. 7 مواقع ثقافية (مسرح ـ سينما) 460 جمعية في الأحياء. 73 ناشر (كتاب ـ مجلة). كل هذا في بلد واحد من العالم. وقياساً على ذلك نستطيع المقارنة بين هذه الارقام وبين حجم الاحتفال في البلاد العربية باليوم العالمي للشعر, وبناء عليه يمكننا تقدير المسافة الحضارية بيننا وبينهم. فلولا ان خبرا ابلغ عن البرنامج الذي اعده بيت الشعر في المغرب (وهو صاحب فكرة الاحتفال العالمي), احتفالية (مكتب الأونيسكو, وزارة الثقافة, مسرح بيروت, مؤسسة ناديا تويني) في بيروت, ومسابقة شعرية أدبية على قرار بداية القرن تململت بها رابطة الأدباء في الكويت, وما لا اعرف من نوايا طيبة مازالت تتثاءب في رواق معتم في بلد عربي موغل في السبات, أقول, لولا ذلك لجاز لنا الشك ان اليونسكو ما تزال تابعة لكوكب زحل. وليس للعرب (على كل مستوى وصعيد) الزعم انهم بوغتوا بموعد الاحتفال العالمي للشعر, فحسب علمي الموثق بان المنظمة العالمية قد أبلغت كل المؤسسات المعنية بالثقافة في العالم منذ اكثر من ستة أشهر على الاقل بمشروع الاحتفال وعممت وثائق الاعلان العالمي بهذا الشأن. وكنا سنشعر بالغبطة لو ان التفاتة عربية لائقة نهضت بفعالية راقية من أجل الاثبات للنفس اولا وللعالم ثانيا (وللشعر خصوصا والعرب امة الشعر, حيث الشعر علمها) بأننا جديرون ليس بالسعي لاقتراح فكرة تخصيص يوم عالمي للشعر فقط, بل أننا نقدر على التعبير عن حبنا الحقيقي للابداع الشعري بوصفنا امة شاعرة. اكثر من هذا, فإنني اعرف جهات رسمية عربية, لم تكتف انها أهملت مراسلة منظمة اليونسكو ووثائق الاعلان العالمي, بل أنها لم تكلف نفسها بتعميم هذه الدعوة والوثائق على المؤسسات الثقافية والأدبية ذات العلاقة في بلدها. لا نقول ذلك لكي نعتب على أحد او نلوم جهة. على العكس, فلم نعد نأمل في جهة ولا نعول على مؤسسة, خصوصا عندما يتعلق الامر بأمر جاد وجميل ويشترط استقلالية الرؤية والفعل. لقد خرجت المؤسسة العربية عن شرط الحاجة التنموية المتحضرة التي يتطلبها استنهاض الانسان العربي بدون امتهان ولا هدر للكرامة. وبقي ان نتأكد من الطاقة الحيوية والغنية التي يمتلكها الانسان العربي بوصفه فردا بمعزل عن المؤسسة. بهذا المعنى اعتقد ان علينا الثقة في مواجهة المؤسسة (لئلا اقول) بمعزل عنها. الا حين تقتنع هذه المؤسسة بضرورة احترام الانسان المبدع بذاته وفي ذاته وتقبل شرطه البسيط والوحيد كلما تعلق الامر بالعمل: وهو شرط الحرية وعدم التبعية للمؤسسة ايا كانت هذه المؤسسة). الشعر, وهو هنا موضوع الحديث والمناسبة والاحتفال, سيكون في مأمن اكثر كلما نسيته المؤسسة, لذلك قلت قبل قليل انني لا أعتب على أحد ولا ألوم جهة. على العكس انني اسوق كل تلك المقدمة لكي اخلص الى الاهمية الحضارية التي اصبح العصر الجديد يتطلبها في اية فعالية ثقافية وابداعية مؤمناً ان المبدعين كأفراد هم أصحاب المبادرة الأجمل دائماً, وما علينا الا ان نتأكد من ذلك. سوف نقدر دائما على المشاركة في الاحتفال بالشعر على طريقتنا. كما سيكون للجميع ان يساهم (كل على طريقته) في هذه المناسبة التي نتمنى ان تنجو دائما من سطوة التقليد على امتداد الارض, فكلما صار الاحتفال بالشعر مختلفاً وغير مألوف ومتجدد, تسنى لنا الزعم بأننا نقدر على الإخلاص لمعنى الشعر في الجوهر: الجديد, الجميل, الشخصي والخارج عن العادة. بكلمة او نص قصير او حلم او تفاحة او حجر كريم او قبلة حميمة او عصفور في هيئة رسالة او غيمة خارجة من الدفتر الأزرق. فالشعر يضيء العالم بالحب, رحيق القلب.