كم احتارت مصر واحتار دليلها في مشكلة قد تبدو بسيطة وربما بديهية بكل تأكيد, وكيف لا تكون كذلك وهي مشكلة الاسم, نقصد اسم الدولة الحاكمة في مصر, وكيف لا تحتار مصر الطيبة ويحتار دليلها بعد ان كتبت الاقدار عليها ان يتغير اسمها مرة ومرات على مدار بضعة عقود من عمر الزمان المعاصر. وفيما ظل الاسم الرسمي للدولة الحاكمة في لندن هو المملكة المتحدة باقيا على حاله لم يتغير أو لم يكد يتغير, وفيما ظلت فرنسا على مدار المئة سنة الأخيرة تحمل اسم الجمهورية الفرنسية ولا يتغير فيها سوى العد والاحصاء, من الجمهورية الرابعة إلى الجمهورية الخامسة في عهد زعيمها الكبير الجنرال ديجول, فقد تغير اسم مصر ـ يا مولانا ـ 6 مرات على مدى العقود السبعة الأولى من القرن العشرين الذي استهله هذا البلد العربي باسم الاريكة الخديوية (العثمانية) ثم السلطنة فالمملكة المصرية بعد عام 1923 (الاستقلال السياسي) وفي عام 1953 حين تحول الاسم المذكور أعلاه ليصبح الجمهورية المصرية وكان اسما غلبانا إذ لم يطل عليه العهد أكثر من سنوات خمس ما لبث ان تغير بعدها ليصبح ـ على سن ورمح ـ الجمهورية العربية المتحدة حيث اكتفت مصر بعد فبراير 1958 وفي اطار دولة الوحدة الممجدة باسم (الاقليم الجنوبي) فيما اكتفت شريكتها سوريا باسم (الاقليم الشمالي) وكان في ذلك تنازل ولا شك من طرفي الشمال والجنوب ولكنه كان تنازلا بسماحة قربى للتجربة الوحدوية الجسورة التي نعم بها جيلنا أربع سنوات إلا قليلا تحت لواء جمال عبدالناصر, ولكن لأن الأيام دُول ومن المحال دوام الأحوال, ودوام الاسماء أيضا, فقد رحل عبدالناصر وراحت أيامه وشعاراته ومسمياته واختار أنور السادات ان يعيد تسمية الدولة لتصبح جمهورية مصر العربية, وهو الاسم الذي مازال قائما ـ كما لا يخفى على معلوماتك ـ حتى كتابة هذه السطور. واللهم لا تثريب على تغيير الأسماء فذلك تعبير موضوعي كما قد نراه, عن واقع الحال, وعن تحولات التاريخ ما بين العصر العثماني إلى عصور الاحتلال ومن نظام أسرة محمد علي الملكي إلى نظام (الأسرات) الجمهورية ان صح التعبير ولقد كانت منظومات الاعلام في مصر وفي غيرها كفيلة بمتابعة تحولات الأسماء التي أضيفت على مصر والتي تحملت مصر متغيراتها وتبعاتها في صبر تاريخي دؤوب, لكن المشكلة كانت عند الأخوة والزملاء الأجانب بالذات الذين كانوا يشتغلون بحرفة الترجمة ـ الفورية بالذات ويسمونها في أدبيات الأمم المتحدة بالترجمة الشفوية وهي حرفيا الترجمة المتزامنة. أجل كانت متغيرات الأسماء التي طرأت على مصر موضعا لقلق وانشغال بالغين طالما كانا يساوران أفئدة المترجمين الأجانب بالذات اذ كان مطلوبا منهم ان يسارعوا في كل مرة إلى صياغة الاسم الجديد الذي يطرأ على شعار الدولة المصرية من ملكية إلى جمهورية, ومن مصرية إلى عربية ومتحدة ومن هذا كله إلى مصرية, ثم عربية في آخر التسمية. وربما كان الاخوة والزملاء من مترجمي الروسية من أكثر أهل الحرفة الفورية, انشغالا وهواجس في ذلك الزمان, مقتبل عقد السبعينيات, أولا لأن علاقات مصر بالسوفييت الروس وقتها كانت حميمة وشديدة التواتر والاطراد شغالة على ودنه, كما يقول المصريون, حيث كانت مصر تستعد للثأر من العدو الصهيوني عبر قناة السويس وكانت ترسانات السلاح في روسيا هي المورد الوحيد أو شبه الوحيد لهذا السلاح. من هنا كان الطريق مفتوحا باستمرار بين القاهرة وموسكو لتبادل الوفود على مستويات شتى ومن نوعيات متباينة عسكرية ومدنية وتقنية وبرلمانية وشبابية وغيرها. هل الكرملين الحاكم في روسيا كان مرتاحا إلى هذه الصداقة, كان طبيعيا ان تقام حفلات الترحيب بالوفود الزائرة من القاهرة, وتلقى فيها الخطب الطوال أشبه بالمعلقات التي كان مترجمو الكرملين المساكين يجهدون في ترجمتها وخاصة من العربية إلى الروسية ويتم في اطارها أيضا تبادل أنخاب الصداقة والمودة الساخنة المتبادلة حيث كان الاصدقاء الروس يجرعون أقداح الفودكا فيما كان الاصدقاء القادمون من مصر يكتفون بعصير البرتقال, وكان ذلك تقليدا محمودا أرساه الزعيم عبد الناصر مع مطالع الستينيات وخاصة لدى زيارة زعيم الكرملين الأشهر نيكيتا خروشوف للقاهرة ولأسوان للمشاركة في افتتاح السد العالي, بل ان ناصر استن وقتها سلوكا حميدا وجديدا كذلك في مراسيم البروتوكول, فبدلا من ان يدعو الضيوف الحاضرين إلى رفع أقداح شراب لاحتساء نخب ضيفه الأجنبي موضع الحفاوة, كان عبدالناصر يقول للحاضرين: أيها السادة, أرجوكم ان تقفوا معي تحية لضيفنا الكريم فلان ثم يبادر إلى تصفيق ويتبعه من بعد سائر الحاضرين, وكان هذا الابداع البروتوكولي البسيط محاولة ناصرية كما قد نسميها للالتفاف حول عادة احتساء الانخاب ومقارعة الأقداح على رؤوس الأشهاد. والحاصل ان المترجمين الروس كانوا قد بلعوا ريقهم إذ استقروا على ترجمتهم للاسم الجديد ـ جمهورية مصر العربية ـ الذي اختاره الرئيس السادات وكان ـ كما ألمحنا ـ هو التغيير رقم أربعة في مدى أقل من عقدين من الزمن فقط لا غير. والحاصل أيضا أن زار موسكو وفد برلماني مصري رفيع المستوى برئاسة المرحوم حافظ بدوي رئيس مجلس الشعب (البرلمان). وكان المجلس المذكور بدوره قد تغير اسمه بعبارة فاه بها السادات بدون مبرر وبغير سابق انذار, وكأنما يزيد وطأة البلاوي على رؤوس مترجمي الروس, وكان الضيف القادم من القاهرة مشهورا بالخطاب على طريقة وعاظ الأرياف, وما ان وضعوا أمامه الميكروفون وهو في قاعة مجلس السوفييت الأعلى وعلى مسمع من بريجنيف ومارشالات الاتحاد السوفييتي حتى بدأ خطبته العصماء بقوله بالعربية: ـ أيها الأصدقاء.. جئت اليكم من أرض الكنانة. وكاد يغمى على كبير المترجمين الروس ولكنه تحامل على نفسه وهو يتقدم هامسا في أذن القائم بالأعمال المصري (صديقنا السفير محمد وفاء حجازي) قائلا بالروسية ما معناه: ـ يا نهار اسود.. هل غيرتم اسمها من جديد.. فماذا نحن صانعون؟ وعبثا حاول السفير المصري ان يقنع الاصدقاء الروس بأن مصر العربية مازالت على حالها, وان حكاية (الكنانة) هذه هي أقرب الى اسم الدلع للدولة والأرض في وادي النيل, ولسنا نظن ان المترجم الروسي اقتنع بهذا الشرح التاريخي البليغ, والذي نظنه انهم ظلوا في قلم الترجمة الفورية في الكرملين على توجسهم خيفة من تبديل اسم هذه الدولة أو تلك سواء بوحي تجربتهم التي أوضحناها في مصر, أو في ضوء تحولات الاحداث في كثرة من أقطار العالم الثالث. لعل كبيرهم كان يتفرس في سحن أعضاء الوفود الزائرة من القارات النامية الثلاث ثم يقترب من أكثر تلك الوجوه سماحة طارحا سؤالا أقرب إلى التفكير بصوت عال: ـ أيها الرفيق الزائر ـ ما اسم الدولة التي جئتم منها هذا الصباح؟