وافتنا ذكرى وفاة رائد كبير من رواد فجر النهضة العربية الحديثة في الأدب العربي واللغة العربية, وهو الأديب واللغوي اللبناني الشيخ ناصيف اليازجي, الذي كانت حياته كتاباً حافلاً بالعطاء من أجل إحياء الأدب واللغة من سبات ما يسمى بعصر الانحطاط, في ظل التخلف والركود الحضاري الذي فرضته الدولة العثمانية على البلاد العربية على امتداد أربعة قرون من الزمان. ولد اليازجي سنة 1800, في قرية كفر شيما بلبنان, حيث لم يكن هناك نبض حياة في الأدب واللغة, فلا كتب, ولا وسائل تعليم, واللغة كالجسد الهامد يثقله ركام العامية والألفاظ والتعابير التركية, والفقر والقهر يخنقان الأنفاس في كل مكان من الوطن العربي. لكن تحت كل هذا الرماد, كانت إرادة الحياة تتململ وتتحفز, وعبرت عن نفسها ببراعم هنا وهناك, شقت الصخر, ونمت وتفتحت, وكانت البشارة بالربيع. بالرغم من ندرة الكتب ووسائل التعليم, فإن اليازجي راح يسعى بشغف الى المعرفة, ويستقي مما يجده من كتب التراث العربي في الاديرة والمساجد. ووجد ذلك ارضاً خصيبة في نفسه, وسرعان ما ظهرت مواهبه, وعرف طريقه ودوره. كان حماسه متوقدا لإعادة الشعر العربي إلى مجده ونضرته, وإعادة اللغة العربية إلى جمالها وفصاحتها وحيويتها, وكان يحفزه افتتانه بالمتنبي وبمقامات بديع الزمان والحريري. والحق أن اليازجي قدم في حياته ما يعد ـ في ظروف عصره وبمقاييس زمانه ـ نهضة رائدة, وبداية واعدة, تجلت آثارها من بعده على أيدي تلاميذه النجباء, ومنهم: سليم ثقلا فنشىء (الأهرام) , وسليم بستاني محرر (الجنان) , وعبدالله البستاني صاحب (البستان) , وخليل الخوري صاحب (حديقة الأخبار) , ويعقوب صروف مؤسس (المقتطف) , وابنه الأديب اللغوي الفنان إبراهيم اليازجي. من أبرز آثار ناصيف اليازجي عدة كتب في علوم اللغة: النحو والصرف والبيان والمعاني والبديع والعروض. بعضها صيغ شعراً أو أراجيز, لتسهيل حفظها على طريقة القدماء. أما كتبه الأدبية, فثلاثة دواوين, وشرح لديوان المتنبي, وكتاب (فاكهة الندماء) الذي ضم رسائله الشعرية, ورسالة في الدفاع عن مقامات الحريري, ثم كتابه الأشهر (مجمع البحرين) الذي يضم إبداعه من فن المقامات, وعدته ستون مقامة. والمقامات فن ظريف, تحتشد فيه المعلومات اللغوية, والفنون الأدبية, والمعارف العامة كالطبية والفلكية, والمأثورات من الأمثال والأشعار, والطرائف من الملح والألغاز اللفظية. من أمثلة ذلك, يقول اليازجي في المقامة الحكيمة: (يابني, لاتسلم نفسك إلى هواك, ولا تستودع سرك سواك, ولا تفوض أمرك إلا لمن يعرف قدرك. ونزه نفسك عن الخسائس, وقلبك عن الدسائس. ولا تهرف فيما لا تعرف, ولا تصدق كل ما تسمع, ولا تنقل القدم إلى ما يعقب الندم. ولا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفاً..) . * أما شعر اليازجي, فإضافة إلى ما تضمنته مقاماته من مقطوعات مناسبة للسياق, فإن كثيراً من شعره قيل في الرثاء, وبعضه في المدح والغزل والوصف والحكمة. وتغلب عليه الصناعة البديعية. ومع ذلك, كان له فضل عظيم في التقدم بلغة الشعر وصحة لغته وجودة صياغته, وهو ما مهد بعض الطريق لانطلاق الشعر من وهدة الركود الطويل. من مأثور حكم اليازجي: لعمرك ليس فوق الأرض باق ولا مما قضاه الله واق وما للمرء حظ غير قوت وإن كانت له أرض العراق أضل الناس في الدنيا سبيلاً محب بات منها في وثاق ومن جميل مدائحه التي تبين وفاءه, قوله في الأمير بشير الشهابي بعد نفيه ورحيله عن البلاد: إنما أنت واحد, غير أني لست أعطيك منزل الآحاد كنت دهراً فبنت, لم تغننا منك ولا عنك كثرة الأعداد أنت بين الكرام درة تاج وإزاء الخطوب صخرة واد يفخر الشعر عزة بك حتى يستحي أن كتبته بمداد ومن مأثور قوله الذي يظهر فضيلة التواضع فيه, قوله في أثناء مرضه الأخير: الناس تنسب لي ما فوق مرتبتي من كل علم وفيه لست أدريه يا أيها الناس قولوا إذا أغيب كما شئتم, فما لثناكم من يماريه فإن حضرت دعوا عني مبالغة (فصحاب البيت أدرى بالذي فيه)