هي أحدث رواية صدرت في يناير 2000 لنبيل نعوم عن هيئة قصور الثقافة. ومن المدهش أنها تطرح تنويعات لعلاقة المرأة والرجل (حب, زواج, طلاق, صداقة) على مستوى العالم, بعد أن انداحت المسافات بين البلدان, وتيسرت سبل انتقال وعمل الإنسان, بحيث أصبح العالم وكأنه قرية كبيرة مع بدايات القرن الجديد. وربما سهلت خبرات نبيل نعوم, التي اكتسبها خلال عمله مهندسا في الولايات المتحدة الأمريكية اعتبارا من عام 1969 ورحلاته المتعددة إلى البلدان الأوروبية, سبيل الانخراط في هذا الخضم, وهو ما سبق أن طرقه في روايته السابقة (جسد أول) (1998), حتى بدت هناك علاقات (ارتباط واختلاف) بين الروايتين, كما أينعت رواية (حافة الود) رؤى خاصة بها. صدر لنبيل نعوم من قبل ثلاث روايات: (الباب) (1977), (العودة إلى المعبد) (1994), و(جسد أول) (1998), بالإضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية. ارتباط واختلاف بين روايتي نبيل نعوم السابقة (جسد أول) والجديدة (حافة الود) , ففي حين كان بطل الروايتين ومحور الارتكاز فيهما مصريا مغتربا, إلا أن عمله ومستقره قد اختلفا, ظفر في حين كان في الأولى أستاذا لعلم الاجتماع في إحدى الجامعات الأمريكية, عاد إلى مصر ليستقر فيها يحفزه حلم معنوي في اكتشاف مدينة قديمة وأمل مادي بإقامة ملجأ ضيافة للعجزة من أسرته, للكتابة عن تجربة الموت, كان في (حافة الود) مهندسا, له مكتب معماري في باريس, واختار أن يستقر هناك, وإن حن أحيانا إلى مصر, ورغب في (تصميم مقبرة جماعية لكل الذين هاجروا, ويحنون للعودة. تخيلها على شكل فيل ضخم وسط أرض صحراوية) . كما أقام كلا البطلين علاقة مع فتاة أمريكية, برزت في رواية (جسد أول) بعد أن عادا إلى القاهرة, وهما متقاربان في العمر ومتزوجان, حيث تأكد فشل العلاقة بينهما حتى آلت إلى الانفصال. أما في رواية (حافة الود) فهي علاقة عابرة, مع فتاة تصغره بعشرين عاما. وفي الوقت الذي كانت فيه ـ في رواية (جسد أول) ـ هي تجربته الرئيسية, نجدها في الرواية الجديدة مجرد محطة قصيرة في حياة حافلة لرجل مجرب, هو منير وهبة, بعد أن طلق زوجته المصرية فاتن, التي تعيش في نيويورك مع ابنه شريف منذ عشر سنوات, بعد زواج فاشل استمر سبع سنوات. كما انطلق بناء كلتا الروايتين من منظور البطل المصري, فإذا هو حاكم للعمل بأكمله في رواية (جسد أول) بعد أن عاد إلى مصر واستقر فيها ناشدا تحقيق أحلامه, لذلك جاء بناء الرواية قويا, راسخا ثابتا, مستقرا, متماسكا, يدين بوحدة منظور البطل وتتبع تطورات حياته بأحداثها الخارجية أو جوانبها النفسية الداخلية. أما في رواية (حافة الود) وإن ابتدأت بالبطل المصري منير وهو ينتظر فتاته الأمريكية في المطار لتقضي معه أربعة أيام, هي زمن الرواية, التي تنتهي في الطائرة عائدة إلى مقر عملها بشرم الشيخ في مصر, إلا أنها لم تعتمد على منظور البطل وحده, بل وسعت مجال رؤيتها لتتيح الفرصة للاهتمام بالأطراف الأخرى في الرواية وتقديم وجهات نظرهم المتعددة, لذلك جاء بناء الرواية على شكل مقاطع سريعة, متتالية, متلاحقة, لاهثة, بلغت سبعة وثمانين مقطعا, لتعكس رؤى شبكة شخصيات واسعة امتدت عبر أماكن متباعدة بين أركان المعمورة, وكأن العالم قد أصبح قرية كبيرة, ولتخرج علاقة الزواج بين مصري وأمريكية من منظورها الخاص الضيق, في رواية (جسد أول) ولتتفحص أسباب فشلها من خلال منظور أوسع وأشمل, ربما على ضوء طرح موسع لقضية العلاقات بين المرأة والرجل بوجه عام (حب زواج, طلاق, صداقة), وعلى مستوى العالم بأكمله, وإن جاءت بينها بعض مقاطع زائدة, لا تنسجم مع رؤى الرواية, كمقاطع بروز شخصية الكاتب المريض أمين سليمان وتدهور حاله, ومقطع أم مارك الأمريكية. شبكة علاقات تعددت العلاقات وتنوعت في رواية (حافة الود) وتشابك بعضها وتقاطع, فهناك نموذجا زواج متوازيان ومتقابلان أيضا. الأول خاص بجاك الفرنسي صاحب مصنع الإلكترونيات وزوجته نادين, وهما يعيشان حياة مستقرة في حي مونمارتر, بعد أن حقق مصنعه أرباحا طائلة. وجاك مخلص لزوجته, قد يحدث أخريات أحيانا, لكن إذا أنتجت له الفرصة للانفراد بإحداهن (بيتي الأمريكية) فإنه رغم شبابها وجمالها سرعان ما يهرب معها معتصما بهوايته المفضلة في تقليم زهور حديقته. وزوجته نادين تعرف زوجها جيدا, وحين يتصاعد مللها من حياتهما تحاول مع منير الذي يعتذر بلطف بالصداقة التي تربط بينه وبينهما, فتحمل حقيبتها وتسافر إلى الريف الفرنسي لتفكر في مستقبل أيامها على مهل. والنموذج الثاني (المقابل) من ألمانيا, الزوج هو دكتور هيلموت شبنجلر أستاذ تاريخ الفنون, الذي عاش مع زوجته كورينليا حياة هادئة لمدة عشرين عاما, حتى انجرف إلى علاقة مع إحدى طالباته (هيلجا, في السابعة والعشرين من عمرها) والتي تصغره على الأقل بعشرين عاما, وذلك خلال إشرافه على رسالة الدكتوراه التي تعدها في تاريخ الفن. وقد شعرت كورينليا بهذه العلاقة وعايشتها بحكمة, وحين سافرت هيلجا فجأة, اعتبرت كورنيليا عودته إليها أمرا طبيعيا, لأنها كانت واثقة من عودته, فأعدت لرحلة سافرا فيها معا إلى جنوب أسبانيا, دون أن تسمح للزوج أن يأخذ معه أي كتب أو مراجع حتى تكون إجازة خالصة للراحة والاسترخاء. هنا أيضا علاقات بين طرفين من الشباب, حيث يوجد نموذجان متوازيان ومتقابلان. النموذج الأول بين مارك الأمريكي, الذي عمل بمركز تدريب الغوص بشرم الشيخ بمصر, وأثناء زيارة له لموطنه دعا (بيتي) زميلة دراسته في العلوم السياسية بجامعة برنستون, والتي تركت منزل أسرتها منذ سبع سنوات, إلى زيارة شرم الشيخ. وبسبب روعة المكان وتطور مشاعرها مع مارك, قررت البقاء خاصة بعد أن أوجد لها مارك فرصة للعمل معه. وهي تعرف أن مارك مغرم بها ويريد الزواج منها, لذلك سافرت ثانية إلى باريس آملة أن تحسم أمر علاقتها بمنير. وهناك نموذج آخر (مقابل) للعلاقات (العابرة) بين الشباب, بدا أولا في إقبال هيلجا على مارك وتطوير علاقتها سريعا به, محاولة أن تجد فيه بديلا للدكتور هيلموت, الذي يقلقها الارتباط به. وحين أوضح لها مارك أنه ينوي الزواج من بيتي, لأنه يحبها, انتبهت لحقيقة علاقتها وعرضيتها, وقررت التعجيل بالعودة إلى هيلموت. علاقة عابرة أخرى نشأت بين مارك وإيزابين (ابنة عم هيلجا, ورفيقة رحلتها), لكن إيزابيل على عكس هيلجا كانت تعرف حدود علاقتها (العابرة) مع مارك, لذلك أقامتها وفق شروطها الخاصة تارة تحت الماء وتارة أخرى فوق الأرض. في الرواية أيضا, علاقتان الطرف الأول منها فتاة صغيرة والطرف الثاني عجوز يكبرها بعشرين عاما. هذان النموذجان وإن توازيا فقد تقابلا أيضا. النموذج الأول بين الدكتور هليموت شبنجلر أستاذ الفنون وطالبته هيلجا. وافقت هيلجا على السفر مع ابنة عمها إيزابيل وأخيها في رحلة سياحية إلى شرم الشيخ بمصر, (للخلاص من توترات علاقة سرية, بكل ما تحمله من تناقضات ومشاكل وحزن) , ورغم أن هيلموت فاجأه سفرها وآلمه حتى فكر أن (الحل الأمثل لحياته: الطلاق وتزوج من يحب) , إلا أن حكمة زوجته ساعدت على انتشاله من أحزانه فكان شاكرا ومقدرا لفعلها. أما المهندس منير فقد بدأت علاقته مع بيتي منذ عام مضى, خلال تواجدها في باريس عدة أيام لشراء معدات لمركز تدريب الغوص الذي تعمل به, واعتبرته (الرجل الذي ظهر في حياتها, كحادث تصادم على طريق صحراوي, من الصعب إنقاذ الجرحى منه) . وحين رجعت إليه في العام الجديد, فإن عودتها كانت بغرض حسم علاقتهما, لكنه سرعان (ما تقوقع داخل صدفته التي هندس إحكام إغلاقها) , وخلال تلك الأيام توصلت إلى أنه (صعبة كانت حياتي دونك وحياتنا معا مستحيلة) , وأيقنت أخيرا أنها (تحبه, لأنه هو) . هذه العلاقات قد يرفضها المجتمع لأسباب مختلفة, لكنها قد تتيح الفرصة لمراجعة علاقات أخرى قائمة على ضوئها, كما حدث مع هيلجا حين قررت أن تعود ثانية إلى الدكتور هيلموت, أو كما جرى مع مارك حين توصل إلى أنه لا يجب التعجيل بالزواج من بيتي, والاكتفاء بالصداقة بينهما. وهو تقريبا نفس ما استقرت عليه بيتي إثر علاقتها السريعة مع منير في عدم ارتباطها بمارك. ويبقى الجانب الممتع من العلاقة, وهي تلك (الذروة), التي أحستها بيتي مرتين: الأولى بعد أن وصلت إلى شرم الشيخ للمرة الأولى بدعوة من مارك, و(بسبب روعة المكان, وتطور مشاعرها نحو مارك إلى حافة الود, قررت البقاء) . والمرة الثانية شعرت بها وهي تكتب رسالة لمنير خلال رحلة عودتها بالطائرة إلى مصر, بعد أن استسلمت لحبها لمنير, حين (ابتسمت وسندت رأسها على النافذة المجاورة, ومن بين تشكيلات السحاب التي كانت تراه من خارج الغلاف الأول الذي يحيط بالأرض, أحست أنها على حافة الود. الحالة التي فيها ليس هنالك سوى اللحظة. لذا قررت عدم إتمام الرسالة) . القاهرة حسين عيد