في الوقت الذي تحتفي الاوساط الثقافية الايرلندية باصدار الكاتبة (آن انرايت) روايتها الجديدة (من تشبهين؟) يجد المرء نفسه أمام هذا السؤال: كيف يبدو الجيل الجديد من كتاب الرواية الايرلنديين؟ والى أين تتجه المقارنة بين الرواية الانجليزية والواية الايرلندية؟ تقول الايرلندية انرايت الروائية وكاتبة القصة القصيرة. الشابة فيما يمكن اعتباره شهادة واقعية عن المقارنة بين الرواية الانجليزية والرواية الايرلندية, في الرواية الانجليزية تجد أن ملكية الانسان لشيء معين هي التي تحدد وضعه الطبقي وهو ما يشير الى الكيفية التي تعمل من خلالها مشاعره. ولكن الامر مختلف في ايرلندا. فمع ان هناك الكثير من المتملقين الا ان هذا لا يسري على الاشياء لانها لم تكن لتوجد بأعدادها الكبيرة في مجتمعنا. تصور مثلاً أنه وعلى مدى سنوات لم تكن لتوجد الا ثلاثة محلات لبيع الارائك. وهناك الكثير من لا يعرفون فن التسوق حتى الآن. وانا واحدة منهم وهذه واحدة من حكاياتي, (عندما استلمت مرتبي للمرة الأولى بعد عملي في وظيفة مخرجة تلفزيونية, اشتريت ملابس كانت مثيرة للضحك, سخر منها الجميع. ان الغرابة ليست فيما ترتديه آن أو غيرها من الكتاب الايرلنديين وانما فيما يكتبه ابناء هذا الجيل الجديد. فمتابعة ما يصدره هؤلاء من اعمال باتت تشعر المرء بأنه يقف أمام اشياء أو ابداعات استثنائية ومع أنها كعادتها تسير يساراً ويميناً, الا انها قد تكشف في النهاية عن فرضية جديدة لعلاقة جديدة يزعم النقاد وجودها الان بين الرواية الايرلندية ومثيلتها الرواية الامريكية الجديدة. ولدى تناول انرايت تستطيع القول بأن الارضية المتواضعة المجنونة من الخيارات المادية تعتبر مادة جديدة بالنسبة للرواية الايرلندية فهل يدل ذلك على ان انرايت قد تأثرت فعلاً بتقنيات الكتاب الامريكيين مثل (دون ديليليو) على وجه الخصوص. ودون ديليليو هو مؤلف رواية (الضجيج الابيض) الشهيرة وهناك ايضا (ميف برينان) كاتبة القصة القصيرة التي وضعت خلال أيامها الأخيرة, أفضل الاعمال القصصية على الاطلاق وهي تلازم الاماكن المتواضعة الاستثنائية التي لايكون التفكير فيها مثل أماكن في مقر جريدة (نيويوركر) الامريكية الشهيرة. وفيما يدور الجدل حول هذه العلاقة الجديدة, فان الاوساط الثقافية الايرلندية تحتفل خلال هذه الايام باصدار جديد للكاتبة الايرلندية, رواية (من تشبهين) وهو عمل يدور موضوعه الاساسي حول توأمين لا يفقد بعضهما الآخر فقط ولكن احدهما يفتقد وجوده في الاساس. وبداية تقدم الكاتبة للقارىء احدى الشخصيتين وهي امرأة لديها اقتناع شديد بوجود من يماثلها أو بوجود نسخة طبق الاصل لها في اي مكان من هذا العالم الشاسع. ان هذين التوأمين كما تقول انرايت سياميين ومع ذلك فإنهما غير متماثلين في تصرفاتهما وهي تمنح كل واحدة من الفتاتين فرصة للتعبير عن هذا الاختلاف. لكن احداهما وهي (روز) لا تفكر مطلقاً في أن تجوب العالم مثلاً بحثاً عما يمكن أن يكون نسخة أخرى منها, ولا تتكبد حتى مشقة الاحساس بهذا الشعور وهو ما يخالف الفكرة التقليدية عن هذا النموذج من الناس (التوأمين) المعروفين بامتلاكهما احاسيس متطابقة. اما الآخرى (ماريا) فتمتلك لوحدها هذا الشعور الذي تدخره ايضا لاشخاص آخرين كالرجال وهي الفئة من البشر التي تحس بالمزيد من التفاؤل في علاقاتها معهم. كما أن المشهد يطرح هذه الاحتفالية بالجنس الآخر لدى الكاتبة ولدى بطلتها. انها جزء من المألوف بالنسبة للانسان الايرلندي. وعلى ناصية الطريق كما (تروي) انرايت في قصتها تقف بائعة الحقائق ماريا لتقيم مقارنة في غاية الجنون بين الرجال وبين الحقائب. وهي في الواقع مقارنة لاتخلو من النكتة والفكاهه والمأساوية لاسيما وأن كل عبارة من عبارات الكاتبة تبدو مكهربة واحتفالية ومقلقة بشكل يستدعي الانتباه لما يحدثه من جلبة نفسيه تصيب القارىء. أن اكثر ما تشير اليه انرايت في موضوعاتها هو العلاقة بين المرأة والرجل وهي وعلى الرغم من تدني مستوى الاستحسان الذي تحصل عليه, تدافع عنه. وكما تقول فقد التقت هذا الموضوع للمرة الأولى عندما كانت طالبة في السادسة عشرة من عمرها وكانت تدرس الادب الامر الذي اتاح امامها فرصة التعرف على المعالجة الادبية لهذه المسألة الهامة, كان ذلك اثناء درس رواية (السيدة الجميلة عديمة المناقب) ولقد كان ذلك مدمراً لكتس بالنسبة لي, أنا الفتاة الايرلندية المحافظة التي اتت في هذا الوقت للانتظام في المدارس الكندية كما اصبح موضوع العلاقة بالجنس الآخر جزءاً من مناقشاتي الاساسية منذ ذلك الوقت, خاصة وان واجبنا المدرسي التالي كان رواية (العودة الى الدار) للكاتب البريطاني هو (بنتر) كانت عملاً ابداعيا فكريا وأدبيا (تقول انرايت) . وعن علاقتها بالوضع الراهن حيث تسيطر أقدام الرجال على الساحة فيما لا تبرز المرأة الايرلندية إلا نادراً تكشف المواجهة مع انرايت عن جانب شخصي آخر مهم حيث تقول ان ما اكتبه يخصني, انني انظر الى الكتاب الايرلنديين الذكور وافكر لأقول بأن ما يكتبونه هو شيء مختلف يعبر عنهم. انا فخورة جداً لكوني الروائية المرأة بين الروائيين الرجال وهو ما يتيح لي فرصة اللعب جيداً وسط مقاطعات كثيرة من الرجال الذين لا يفعلون هذا مع بعضهم ولكنهم يصرون على فعله معي. ان رواية آن انرايت مليئة بالسخرية, ومليئة بالتهكم الذي ورثته اصلا عن امها كما تقول وليس من الكتب اما التفسير الوحيد لهذه الظاهرة المميزة لابداعها فهو اعترافها بأنه وعلى الرغم من بحثها عن رواية أو أدب جادين الا انها تريد أن يتزامن ذلك مع روح الفكاهة المتأصلة. ومع ذلك فان الاماكن والمشاهد الأكثر استثنائية تصبح هي الاختيار عندما تفكر انرايت في كتابة عمل آخر. واذا كانت خواطر مثل الوقوف امام مناظر خرساء تحتوي عليها المتاحف مثل الصور والتماثيل والمجسمات هي مما يستفزها للكتابة فان سؤالاً لابد وأنه سيأتي السؤال حول ما اذا كنت محقاً في تصورك بان اعمال انرايت كلها تدور حول فكرة كيف تبدو الاشياء من الداخل وكيف تبدو من الخارج. وهما المستويان الهامان بالنسبة للكتابة لدى كاتبة مثل أن انرايت. تعودت على أن تربطها بالفنون التشكيلية علاقة وثيقة, فكل ما تكتبه انرايت يكون مرسوما في الاصل وموجودا في احد المتاحف المحلية أو الخارجية. أو كما تقول أن اعمالي هي في واقع الأمر (صدى) لكل ما تراه عيني ويلامس عقلي من ابداع فني, لاسيما هذا الذي تتفق عنه ذاكرة نساء مثلي. أن تمثال فنانة مثل (برند رجست) تمثال التوأم المصمم بطريقة العقد المتشابكة, هو في الاصل ما استوحيت منه الفكرة الرئيسية لروايتي الاخيرة (من تشبهين) . ويبقى أمام القارىء ان يكتشف تلك المسافة القصيرة التي تفصل بين الكتابة والتشكيل على وجه الخصوص وانها هي ذاتها المساحة التي تقف عليها انرايت لتفعل شيئا ما بين الكتابة وبين الرسم. شيئاً يسمى ابداعا. كل أعمال انرايت الرواية من الممكن ان تجد طريقها الى المقارنة بأعمال كتاب كبار مثل الكاتب الايرلندي الكبير (صاموئيل بيكيت) . ولم يبق امام القارىء الجديد الا ان يكتشف ان بعد جويس وشو واوسكار وايلد ويتس وغيرهم من الكتاب الايرلنديين الكبار جيلاً من المبدعين لا يقل أهمية عنهم. حقائق في مسيرة آن انرايت * ولدت آن انرايت في دبلن سنة 1962. * تلقت تعليمها في المدارس الايرلندية والكندية ثم البريطانية حيث تخرجت من جامعة (ايست انجليا) . * تحمل الكاتبة درجة جامعية في الكتابة الابداعية من الجامعة نفسها. * عملت في الانتاج التلفزيوني لمدة ست سنوات. * تعمل حاليا كمذيعة ومحرره في ملحق عروض الكتب الصادر عن صحفية (ايريش تايمز) . * متزوجة من الممثل المعروف (مارتن مارفي) * من أهم أعمالها الروائية (الشعر المستعار) الذي كان يضعه أبي) و(من تشبهين؟) . * حصلت على جائزة الادب الايرلندي عن مجموعتها القصصية (العذراء سريعة الانتقال) . اعداد مريم جمعة فرج