تشهد دبي بعد يومين حدثا ثقافيا واعلاميا دوليا, هو الأول من نوعه عربيا وعالميا, وكعادتها تحتضن دبي الملتقى العالمي الأول لفن الكاريكاتير الصحفي, لتضيف إلى سجل سبقها وتفردها سبقا جديدا بمبادرة من صحيفتنا الغراء. فلأول مرة يلتقي فنانو الكاريكاتير العرب ضمن فعاليات تتيح لهم الاحتكاك برموز هذا الفن الصحفي المبتكر وسريع التأثير والتواصل مع القارئ, والتعرف على أساليب توظيف تلك الرسوم الأخاذة الساخرة, والمضحكة والمبكية معا بتوصيل الرسالة الصحفية إلى القارئ بصورة غير مباشرة أو تعمد لغة تعليمية, بل بتبني أساليب الرمز والايحاء واثراء خيال القارئ وامتاعه بالمفارقة التي هي جوهر سخرية الكاريكاتير والذي يفجر الضحكات المريرة, ويضع اليد على جراحنا الاجتماعية وأوجاعنا السياسية. ويكتسب ملتقى دبي العالمي أهمية مضاعفة من حقيقة المكانة المتميزة التي احتلها الكاريكاتير في تاريخ صحافتنا العربية,عندما كانت رسوم صلاح جاهين أو رخا تنافس في أهميتها واقبال القراء عليها أخطر الافتتاحيات السياسية بأقلام أعمدة الصحافة العربية, محمد التابعي ومصطفى وعلي أمين ومحمد حسنين هيكل واحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين وكامل زهيري. وليس سرا, ان فناني الكاريكاتير العرب أقاموا جسرا للتواصل مع القراء, عبر اختراعهم شخصيات (نمطية) تقوم بدور (الراوي) للحدث أو (البديل) للشخصية المراد انتقادها والتقليل من شأنها, وفي كل الأحوال برزت شخصيات قامت بدور (الضمير المتيقظ) لرجل الشارع. من تلك الشخصيات (المصري أفندي) التي اعتمدها رخا في الثلاثينيات والأربعينيات لتوجيه سهام النقد لرجال الأحزاب المتواطئين مع ساكن قصر الدوبارة ممثل الاحتلال البريطاني. إلا ان شخصية (حنظلة) التي نحتها عبقري الكاريكاتير العربي الفنان الفلسطيني ناجي العلي, ستبقى هي أهم شخصية كاريكاتيرية عربية في تاريخنا المعاصر, وستظل حية في وجداننا. ولن تندهش عندما تراجع رسومات ناجي العلي الكاريكاتيرية المنشورة في السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات قبل اغتياله في حادث غامض على أحد أرصفة لندن, وتكتشف ان هذه الرسوم كأن يدا فرغت منها للتو, فهي تنكأ جراحا متجددة وتتجاوز حدود الزمان والمكان, وتفجر داخلك رغبة محمومة للضحك المر الساخر من الأوضاع المقلوبة, وترسم لك وبك ومعك أفقا للضحكة الصافية الموعودة في رحم المستقبل عندما تتحرر الأوطان وتعود القدس.