رغم مرور 23 عاما على رحيله إلا أن العندليب عبد الحليم حافظ مازال متربعا على عرش الأغنية.. ورغم تعاقب أجيال من المطربين بعده إلا أن أحدا منهم لم يستطع أن يأخذ مكان عبد الحليم أو حتى ينافسه عليه. ورغم أن هناك أجيالا شابة لم تعاصر العندليب إلا أنها رشحته ليكون مطربها الأول, وهو ما يؤكده ثبات أرقام مبيعات ألبوماته والاستفتاءات الجماهيرية العديدة التي تتكرر كل عام مع ذكرى رحيله .. فما هي أسرار بقاء عبد الحليم حافظ على عرش الأغنية كل هذا العمر؟ في البداية يقول مجدي العمروسي أحد الأصدقاء المقربين من عبد الحليم حافظ ورئيس شركة صوت الفن المنتجة لألبومات العندليب: هناك أشياء كثيرة جدا تجعل عبد الحليم دائما فوق القمة رغم مرور 23 عاما على رحيله, منها أنه كان مطربا صادقا جدا مع نفسه ومع جمهوره, فلم يغن كلمة واحدة إلا وهو مقتنع بها تماما, ولم يوافق على لحن إلا بعد أن يشعر بأنه مناسب تماما للكلمة .. عبد الحليم كان يقدم فنا من أجل الفن لا من أجل الشهرة أو الفلوس , ولذلك مازال يقف على القمة حتى الآن لأنه فن صادق.. أما معظم مطربي هذه الأيام فيفتقدون الصبر.. كلهم يسعون إلى الثراء والشهرة السريعة, ولذلك ليس غريبا أن يقدم كل منهم أكثر من 10 أغاني في السنة, في حين أن عبد الحليم كان يستغرق سنة كاملة في أغنية واحدة, ولذلك من الطبيعي أن تعيش أغانيه طويلا وتموت أغانيهم بسرعة , ولو سألت شباب هذه الأيام الذين لم يعاصروا حليم عن أغانيه ستجدهم يحفظونها بالكامل, في حين أنهم لا يتذكرون أي أغنية لمطربي هذه الأيام التي مر عليها شهر واحد فقط. أما الملحن والموسيقار عمار الشريعي فيؤكد أن الإحساس المرهف الذي كان يغني به عبد الحليم كل أغنياته هو أحد أهم أسباب بقائه على عرش الأغنية حتى الآن.. وهذا الإحساس كان يميز حليم ومن النادر أن تجد الآن مطربا يملك نفس الإحساس , فلدينا أصوات قوية وجميلة لكن ينقصها الاحساس بالكلمة, بل وينقصها أصلا الكلمة واللحن الجيدين.. عبد الحليم عاش عصر الإبداع المتأني في كل شيء.. في الشعر والموسيقى, وعمل مع كبار الشعرا ء والملحنيين مثل مرسي جميل عزيز, وحسين السيد, وكامل الشناوي, ومحمد الموجي, وكمال الطويل وغيرهم .. هذا الجو العام في الإبداع ساعد على صناعة الأغنية التي تعيش لأنها أغنية مصنوعة بشكل جيد سواء في الكلمة أو اللحن أو الأداء الرفيع لعبد الحليم, والذي لا تملك وأنت تسمعه سوى أن تصدقه, ولذلك حتى الشباب الذين لم يعاصرونه صدقوه وتعلقوا به, وأعتقد أن هذا الصدق يفتقده الكثيرون من مطربي هذه الأيام, ومن ثم لم يظهر حتى الآن من يستطيع أن ينافس عبد الحليم أو يزحزحه من مكانه فوق عرش الأغنية مع غيره من كبار المطربين مثل عبد الوهاب وأم كلثوم. أما الشاعر عبد الرحمن الأبنودي فيقول: لولا عبد الحليم حافظ ما كتبت الكثير من أغنياتي العاطفية والوطنية, فصوته كان بمثابة إغراء شديد لي للكتابة, فكتبت (سواح) و(أحضان الحبايب) و(الهوى هوايا) وغيرها من الأغنيات الأخرى.. صوت عبد الحليم كان يعطي للشعر مذاقا خاصا, وكان فنانا واعيا ذكيا يدرك امكانياته جيدا ويعرف كيف يوظفها بالشكل الصحيح لفنه .. وهذا الذكاء الفني ينقص الكثيرين من مطربي ومطربات هذه الأيام الذين يغنون كلمات غير مفهومة وألحان (مقتبسة) من الخارج.. الأغنية الآن تعيش حالة غربة عن مجتمعها وعن قضاياه ومشاكله, أما أغاني عبد الحليم فهي الأكثر صدقا وتعبيرا عن المشاعر, ولذلك هي الأطول عمرا خاصة وأن العواطف والأفكار التي غناها عبد الحليم تمس كل الشباب في كل الأجيال ولم تفقد بريقها ولن تفقده. أما الشاعر عبد السلام أمين فيقول: لأننا نفتقد الرومانسية سيظل عبد الحليم دائما بيننا حيا بفنه, بصوته الدافئ, وباحساسه الصادق, وطالما أن اغنياته موجودة فمن الصعب جدا أن يزحز حه أحد عن موقعه في قلوب الناس, فهو موقع ينتقل من أجيال لأجيال بالوراثة, ومن هنا المهم جدا الحفاظ على اسطواناته وألبوماته وأفلامه, بل وأطالب بنقلها على وسائل متطورة لحفظها بشكل أفضل. ويؤكد الموسيقار عمر خيرت أن عبد الحليم لن يموت لأنه من كلاسيكيات الأغنية المصرية مثل عبد الوهاب وأم كلثوم.. والكلاسيكيات لا تموت حتى في الموسيقى الغربية , فالموسيقى والأغنية الكلاسيكية هي سر الحياة الدائمة لصاحبها بشرط أن تنبع من دراسة وموهبة حقيقية وفهم جيد للبيئة التي تنبع منها.. والأغنية الكلاسيكية تحتاج إلى موهبة خاصة جدا وهذا سر بقاء عبد الحليم حيا طوال السنوات الماضية لأنه لا يستطيع أي مطرب تقديم الأغنية الكلاسيكية إلا إذا كان موهوبا بالفعل وليس من أنصاف الموهوبين. ويضيف عمر خيرت: كيف تموت أغنية كان يستغرق صاحبها في إعدادها سنة كاملة؟؟ وكيف يعيش مطرب لا يستغرق في إعداد 8 أغنيات أكثر من شهر واحد ؟ ومن بين المطربين الذي غنوا لعبد الحليم المطرب محمد ثروت الذي يقول: من منا لم يغن أغنية لعبد الحليم, لقد كان السهل الممتنع, ورغم صعوبة الألحان التي كان يغنيها إلا أنه استطاع توصيلها إلى قلوب الناس بكل بساطة لأنه يملك إحساس غير عادي.. وعندما غنيت لعبد الحليم كان دافعي الوحيد حبي له, فأنا أغني كل أغنياته منذ أيام الطفولة ككل أبناء جيلي من مطربين أو غيرهم.. ولا أعتقد أن المقارنة بين حليم والمطربين الشباب في محلها, فالظروف تغيرت والجمهور اصبح يسمع الأغنيات الآن مثلما يأكل ساندويتشات (الهامبورجر) .. أي أن معظم الأغاني من النوع الإستهلاكي السريع الذي ينساه الناس بعد سماعهم له, وان كان هذا لا ينفي وجود أصوات جميلة ولكنها في ظل هذا الجو الرديء لا تأخذ فرصتها كاملة لتصل للناس بالشكل الصحيح, أما عبد الحليم فهو حكاية أخرى تماما, ولذلك هو على القمة وسيظل على القمة. القاهرة البيان أيمن الملاخ