اليوم نستريح مع القراء الأحبة من كل محاولة للحديث عن الهموم والمشاكل, فاليوم عيد, واليوم تحتفل أمة بكاملها فينتشر أفرادها في كل مكان من مساحة الكرة الأرضية بعيد الأضحى المبارك لذلك نقول للجميع: صباحكم جميل, مفعم بالفرح, معطر بالرحمة والطاعة, وعيدكم مبارك دوما وأبدا. في هذا العيد تصر جداتنا وأمهاتنا على الذهاب والعودة, على الحركة التي لا تهدأ في البيت بانتظار ذبح الأضحية وتوزيعها, انهن يفعلن ذلك بهمة وجَلَد, وفي مناخ عقائدي حميم, يعطي للصباح معنى وللعيد مغزى, ولذلك يحفظ صغار اليوم ممن مُحيت من حياتهم وأيامهم تفاصيل الموروث, يحفظون في هذا اليوم, وفي بيوت الأجداد والجدات أول طقوس الدين وأكبرها وأجملها, وأما نحن فنستحضر في هذا اليوم روحه وحكمته ومغزاه, في حين يمر الكثيرون على رمز الأضحية مرور الكرام. اسماعيل (الابن) كان فتى غضا مطواعا لوالده النبي ابراهيم عليهما السلام الذي جاء إلى ابنه مباغتا إياه بحلم كالفاجعة, لكنه حلم النبوة الذي لا يخطئ, والحلم كان أمرا من الله بان يذبح ابراهيم ابنه اسماعيل! الذي لم يطاوعه لسانه ولا قلبه ان يقول لوالده (لا) حتى وان كانت هذه الـ (لا) حقا مشروعا للدفاع عن حياته ونفسه في حين يقول أبناء اليوم لآبائهم (لا) دائما وكأنها قاعدة التعامل الصحيح. والله يعرف حيث يضع رسالته وسره, لهذا كان ابراهيم بحجم التحدي وكان اسماعيل بحجم التضحية والطاعة, فكان الفداء كبشا جاء به الأمين جبريل هابطا به من سماء الخالق الرحيم فكانت الحادثة لحظة مذهلة تحولت عبادة يتوارثها المسلمون حتى قيام الساعة. في هذا اليوم يفرح الآباء بسعادة أبنائهم, وبرغم الاعراض عن الفكرة والرمز لدى الكثيرين في سلوكياتهم مع آبائهم وأمهاتهم إلا ان الوجوه كلها ستكتسي بالسعادة المفتقدة, وسيهل الفرح على بيوت ظلت مغلقة ومقفرة زمنا, وسيرحل الصغار ـ رمز فرحنا الأبدي ـ في كل مكان ينشرون سعادتهم لهوا وضجيجا وثيابا ملونة زاهية وأيادي رقيقة ناعمة تعد ما حصلت عليه من عيدية بفرح غامر. هل نفرح بالعيد حقا؟ هل نمارسه كما نريد؟ أم نمارسه كما يريد الآخرون باحتفائية جماعية متشابهة, فنقول الكلمات ذاتها, ونتناول الطعام نفسه, ونستقبل نفس الأشخاص ونشاهد نفس القنوات والبرامج؟ نعم العيد احتفائية فرح جماعية, ليس في ذلك خطأ ما, فالانسان في عالم اليوم يعيش في ذاتيته الفردية طوال العام, وقد يكون العيد فرصته لممارسة الحياة وتبادل تفاصيلها مع الآخرين بنفس القدر واللون والرائحة. الجميل ان يأتيك العيد وقد وضع لك شخص حميم باقة زنبق بين يديك وعطر عمرك كله بكلمات ودودة, وجميل ان يأتيك العيد وأنت تنتظر ذلك الشخص الحميم الذي سيأخذك من كل العالم ليهبك عيدا آخر في مساحة من الوقت قد لا تتجاوز الكثير, وجميل ان يعيش البعض احتفائية العيد بطريقتهم الخاصة, فالعيد موسم حب قصير تشهده الحياة بشكل مباغت.