تلك النقاط الزرقاء من الضوء انشغالي بالزمن القديم, يرجع إلى بداياتي الأولى, يتلخص في سؤال كبير: من أين؟ وإلى أين؟ انشغالي بالزمن قادني إلى الاهتمام بالفلك, بكل ما يتعلق به, وللأسف فإن ما يتعلق به من مؤلفات قليل جدا, أعني الموضوعة من علماء العرب, أو تلك المترجمة من لغات أخرى إلى العربية, خاصة أن علم الفلك يشهد تطورات مذهلة خلال السنوات الأخيرة, ومن انجازات البشرية تلك السفن الفضائية التي تستكشف الكون الآن, وتلم المراصد المحلقة حول كوكبنا الأرض والتي تسدد عدساتها إلى عمق الكون, أشهرها (هابل) أول مرصد فضائي يلتقط صورا لعمق الكون, وقد ترجم الصديق الدكتور مصطفى فهمي كتابا رائعا عنه, صدر عن المجمع الثقافي في أبو ظبي, استحق بجدارة جائزة الكويت للتقدم العلمي مؤخرا. الصور التي يلتقطها (هابل) يمكن مشاهدتها على الموقع الخاص بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) على شبكة الاتصالات الدولية (انترنت) . وهي صور تثير من التأمل قدرا كبيرا, ولعل أهم صورة منذ اختراع فن التصوير في تقديري, تلك الصورة الملتقطة لكوكبنا الأزرق الجميل وهو يشرف على سطح القمر, صورة التقطتها سفينة الفضاء الأمريكية أبوللو! ما أن يصدر كتاب جديد عن الفضاء, عن الفلك, عن الزمن, حتى أسارع بقراءته, أتوقف عن قراءة أي كتاب مهما كانت أهميته, وألتهم صفحات الكتاب الجديد, وأحدث ما قرأته صدر عن (عالم المعرفة) السلسلة الكويتية الرصينة التي قدمت عدة كتب مهمة عن الفلك, ومعظمها كتب صادرة حديثا, هذا الكتاب للعالم الأمريكي كارل ساجان, وهو أحد قادة برنامج الفضاء الأمريكي منذ الخمسينيات, متخصص في السفن الفضائية المتجهة إلى عمق الكون, وله مؤلفات مهمة يخاطب فيها القراء العاديين, يبصرهم بحقائق الفلك, يشغل حاليا منصب أستاذ المنظمات المعنية بالفضاء في العالم, ترجم الكتاب إلى العربية حسين بيومي, عنوانه (كوكب الأرض .. نقطة زرقاء باهتة) . كيف تبدو صورة كوكبنا من الفضاء الكوني؟ حتى وقت قريب, بالتحديد في زمن جاليليو, كنا نظن أن الأرض مركز العالم, وأن الشمس تدور حولها, كذلك النجوم, ثم بدأت الحقائق تتكشف, ولاتزال, أدركنا أن الأرض ليست إلا ذرة صغيرة على شاطئ رملي يحف محيط هائل لا يمكن إدراك حدوده. لكم تأملت النجوم, خاصة عند خروجي إلى الصحراء, حيث تنأى أضواء المدن تشوش على النجوم, تخفيها وتحاصرها رغم محدوديتنا, تماما كما تخفي سحابة هشة عابرة قرص الشمس, السماء تبدو مزدحمة بالنجوم والمجرات, أما ضباب مجرة درب التبانة التي ننتمي إليها فيبدو كأنه نهر خفي يتمدد في الأعالي, ليست شمسنا التي ندور حولها إلا نجم متوسط يوجد في ذراع لولبة جانبية تبعد عن مركز المجرة بثلاثين ألف سنة ضوئية. الصورة الأولى التي رأينا فيها كوكبنا من خارجه, تلك التي أشرت إليها والتي التقطها رجال بعثة أبوللو من فوق سطح القمر, للأسف لن يقدر لأمثالي مشاهدة هذا المنظر المهيب, ذلك الكوكب الذي جئنا من ترابه, الذي نسعى فوقه, تشدنا إليه جاذبية مركزها قلبه الملتهب, ذلك الكوكب الذي توفرت لديه ظروف نادرة لنشأة الحياة؟, ليست حياة الإنسان فقط, إنما كافة أشكالها, يبدو من فوق سطح القمر دائريا, أزرق اللون, حجمه ستة أضعاف قرص القمر الذي اعتدنا رؤيته, والذي يشرق في ثبات لا يعلم مداه إلا الله على اليابسة والبحار, على المدن والقرى, على الحيوات التي تسعى وتلك التي كانت بكل ما يضمه من صراعات وحب وكره واقتراب وابتعاد. انها الصورة التي التقطها الإنسان بنفسه من فوق سطح القمر, لكن .. كيف تبدو الصورة إذا انتقلنا إلى مسافة أبعد؟ خلال عشرين عاما من المقرر أن ينزل أول إنسان على سطح المريخ, بالطبع سيوجه بصره إلى حيث كوكبنا الذي جاء منه, سيراه كما نرى نحن المريخ, مجرد نقطة دائرية أكبر قليلا, تبدو في السماء الحمراء لحيظات, فترة محدودة من الوقت. لكن .. كيف تبدو صورة كوكبنا إذا انتقلنا أبعد قليلا, إلى كوكب آخر, أو كيف تبدو من خارج المنظومة الشمسية؟ لدينا هذه الصورة بالفعل. نقطة في الفضاء الكوني الآن, خارج المنظومة الشمسية تحلق سفينتان من صنع الإنسان, المستكشف (1), والمستكشف (2), لقد تجاوزتا حدود المنظومة التابعة للشمس, وهما الآن في عمق الكون تبثان رسائلهما لعل وعسى تلتقطهما حضارة عاقلة, أو شكل من أشكال الحياة على أحد الكواكب التابعة للنجوم. في سنة 1990 كانت المستكشف (1) تحلق مبتعدة عن الوطن الأم, كوكب الأرض, بل عن المجموعة الشمسية كلها بسرعة أربعين ألف ميل في الساعة, فوق ما يسميه علماء العلم, خارج دائرة البروج, وهو خط متخيل يقع خارج أبعد الكواكب, في هذه النقطة صدرت إليها الأوامر من الأرض لتغيير إتجاه زوايا التصوير, وأطاعت الأجهزة, قامت بالتقاط ستين صورة, حفظتها بالطريقة الرقمية على جهاز تسجيل خاص بها, ثم بدأت في بثها إلى مراكز المتابعة فوق سطح الأرض, كانت السفينة على بعد ثلاثة بلايين وسبعمئة مليون ميل من الكوكب الأم, وكان إرسال كل عنصر من عناصر الصور يستغرق خمس ساعات ونصف الساعة بسرعة الضوء حتى يصل إلينا. عندما وصلت الصور أتيح للبشر أن يروا لأول مرة صورة الكواكب كما تبدو من خارج المجموعة الشمسية, بمعنى آخر, إذا قدر لسفينة فضاء مرسلة من حضارة كونية أخرى تقترب من مجموعتنا الشمسية, وعند اقترابها قادمة سترى ما سجلته هذه الصور. كوكب الأرض مجرد نقطة من الضوء, نقطة باهتة. نجحت السفينة في تصوير خمسة كواكب أخرى أيضا من كواكب الشمس التسعة المعروفة, عطارد وهو الأقرب من الشمس بدا مفقودا في وجهها, في حين بلوتو والمريخ صغيرين جدا وضوءهما معتم جدا, وبعيدين جدا, أما أورانوس ونبتون فقد كانا من العتمة بحيث تطلب ظهورهما فترة أطول من الكاميرا. من هذه المسافة تبدو الكواكب مجرد نقاط ضوء, غير واضحة المعالم, يبدو كوكب الأرض مجرد نقطة متحركة بين النجوم, أحيانا تظهر, وأحيانا تختفي, فقط مجرد نقطة, لا يمكن تحديد شكلها, أو التنبؤ بما يوجد عليها, أو داخلها, لو قدر لإنسان أن يلقي نظرة من هذا الموضع, فلن يرى إلا هذه النقطة, نقطة عليها كل من يعرفه, كل من سمع عنه, كل إنسان كان موجودا في أي وقت, الأفراح, الأحزان, الأديان, الأفكار, النظم, كل بطل, كل جبان, كل مبدع, كل مدمر للحضارة, كل أب, كل أم, كل من سعى حيا من إنسان أو حيوان أو حشرة أو زرع, كل هذا تحتويه هذه النقطة الباهتة, لكن عندما يتمكن الإنسان من النظر إلى تلك النقطة الدالة على الوطن الأكبر, هل يراه في نفس اللحظة التي يوجد فيها, أم يرى لحظة مغايرة. الماضي لننظر إلى نجم معين في السماء اننا نراه, ولكن ربما يكون غير موجود في اللحظة التي ننظر اليها فيها, ربما يكون قد انتهى بالفعل, أما لأنه أنفجر, أو لأي سبب آخر, أن ضوءه فقط هو الذي مازال يعبر الفضاء ويصل إلى عيوننا, لكننا لا نراه كما هو, بل نراه كما كان. أنه أمر مثير للدهشة عندما نواجه هذه الحقيقة البسيطة لأول مرة, ان الضوء في عالمنا الصغير ينتقل بالنسبة لجميع الأغراض العملية في الحال, عندما يضيء المصباح الكهربائي فهذا يعني أنه موجود ماديا حيث نراه ونرى ضوءه باستمرار, ويمكننا أن نمد أيدينا ونلمسه, أنه أمامنا, ساخن أيضا, وإذا ما كان السلك الرفيع داخله أو أنقطع فسوف يتوقف الضوء, سيخبو. كيف يمكن القول إذن أن هذا الضوء القادم من نجم بعيد يسافر وحده بعد أن اختفت الشمس أو تفجر النجم الذي يصدره؟ الحقيقة تقول اننا إذا كنا بعيدين بشكل كاف, فإن شمسا كاملة يمكن أن تخبو, ونستمر في رؤية الضوء الصادر عنها الذي يسافر بسرعة رهيبة اصبحت القياسات التي يستخدمها علم الفلك. يقول كارل ساجان ان المسافات الشاسعة التي تفصل بيننا وبين النجوم والمجرات تعني أن كل ما نراه في الفضاء ينتمي إلى الماضي, إن التلسكوب يماثل آلة الزمن, وقديما, عندما بدأت إحدى المجرات المبكرة في إصدار ضوء نحو الظلام المحيط بها, لم يكن أي مشاهد أو راصد يعرف أن بعض الكتل البعيدة من الصخر والمعدن والجليد والجزيئات العضوية سوف تسقط مجتمعة بعد بلايين السنين لتشكل مكانا يسمى كوكب الأرض, وأن الحياة سوف تنشأ, وان كائنات مفكرة سوف تتطور, وتستخدم يوما بعض الضوء الصادر من هذه المجرة, وقد ترى به, وقد ترى الضوء الذي صدر عنها في وقت نشوئها, وسوف يستمر سفر الضوء الصادر عن شمسنا عبر فراغات الكون, ولو قدر لحضارة عاقلة أن تلتقطه, فلن تعرف منه أنه كان يصدر يوما عن شمسنا, ولن تعرف أن كوكبا جميلا أزرق اللون كان يضم البشر الذين ننتمي إليهم الآن.