أعرفه كاتبا مسرحيا, يستثمر في مسرحياته قصصا درامية من قصص التراث, يسقط عليها رؤية عصرنا وقضاياه, يرمز بها للمشاهدين, الى ما لايستطيع البوح به مباشرة من وقائع الحاضر, خوفا من قلم الرقيب, وعقاب العسس, اعشق في مسرحه حواره الدرامي, الغني بالشاعرية والايقاع والتركيز, كأنه شعر مكثف الصور, يحمل نبض الحياة وفكرها معا, ولحبي له منحته لقب المارد. ولم يخطر لي على بال (انا الذي احبه قارئا ومشاهدا, واراه احيانا من قرب كالبعد, في ندوة ادبية, او عبر الطريق, بمقهى, او على رصيف) انه سيأتي الي يوما, وفي مكتبي بالمجلة. ويجلس معي في (مطبخ) التحرير. مصطحبا معه مفاجأة من مفاجآت العمر. طرق الباب, رفعت رأسي عن الورق على مكتبي, ناظرا الى باب الغرفة الزجاجي المضبب, رأيت مزلاج الباب النحاسي يدور, والباب يدفع, ويظهر المارد بوجهه الودود, وعوده الفارع, ولونه الاسمر, وانفه الرماني, وعينيه الحزينتين. نهضت له واقفا, خارجا عن مكتبي. دخل, تتبعه هي. صافحتهما. اغضيت النظر حين رأيت وجهها, وعودها, ونحرها العاري بدت لي مثل (لوليتا) التي لم ارها قط. جلسنا امام مكتبي. قدمها الي باسمها. وقال لي المارد: ـ هي زوجتي, الآن. وتحب العمل في الصحافة. وستعمل معك. قلت له مروعا, راضيا وخائفا: ـ هنا؟ في مطبخ التحرير؟ ضحك المارد لضحكته هدهدة منغمة. قال لي: ـ ليس في المطبخ بالتحديد, ستأتي اليك بتحقيقات وحوارات صحفية, تكلفها المجلة بها. اتفقت مع رئيس التحرير على تعيينها بالمجلة, واتفقت معه على ان يكون مكتبها معك. بهذه الغرفة, دون اي غرفة اخرى. وصمت المارد لحظة, وتنهد, وقال لي امامها وهو ينظر الى وجهها: ـ لا آمن عليها احدا, سواك. نظرت الي وهي مطرقة, ثم اليه, محرجة, قلت له مطمئنا: ـ اعدك يا صاحبي. ابتسم المارد لي. ومد يده نحوها, ففتحت لوليتا حقيبتها البيضاء, واخرجت اوراقا من ورق الصحافة المصفر الصغير, اخذها منها, واعطاها لي, قائلا: ـ تجمع زوجتي معلومات موضوعاتها جيدا, لكنها ليست كاتبة, تحتاج ما تكتبه الى مطبخ التحرير: الرتوش, والعناوين, واعادة الصياغة, وانت بذلك خبير. فتحت الاوراق التي قدمها الي. كانت مقدمة التحقيق بخط المارد, ولغته, مقدمة جميلة. وكانت رتوش قلمه, عبر صفحات الموضوع, بين السطور, واضحة وظاهرة, قلت للمارد: ـ لا بأس. فقال لي: ـ سأساعدها من جهة, وانت من جهة. فقلت له: ـ لا تتعب نفسك. هذا هو عملي. نهض واقفا, وقفت بوقوفه, وعانقني, وقبلني, وربت على كتفي, والتفت اليها, كانت لاتزال جالسة, وقال لها: ـ نلتقي في البيت: والتفت الي قائلا: ـ الى لقاء. سرت معه الى باب المجلة, وعدت اليها. اشرت الى مكتب شاغر من المكتبين الاخرين, وقلت لها: ـ هذا هو مكتبك. بدرجه الرئيسي مفتاح. تعالي وقتما تشائين. فلا حضور لمحرر ولا انصراف, الا لمن يعمل بالمطبخ. عندئذ ضحكت لوليتا ضحكة منغمة, لا تقل فتنة عن وجهها, وجلست الى مكتبها, مسبلة النظر, ورحت اقرأ موضوعها, وأردد في نفسي: (لابأس, لا بأس, لا تنقصه سوى العناوين الرئيسية والفرعية, والصور) , وكنت استرق النظر الى وجهها الجميل, ونحرها الساحر. قلت لها: ـ موضوعك تنقصه الصور. فتحت لوليتا حقيبتها البيضاء, واخرجت بضع صور, وناولتها لي. كان مكتبها متعامدا مع مكتبي, لمست يدها يدي. فسرت للمستها رعشة في ساعدي. زفرت بخوف من نفسي, قلت للمارد في نفسي: (يامسكين, كيف ستحيا مع هذه الفتنة؟ ولم جئت بها الى هنا؟, والغول رئىس التحرير (دبور) . والثعلب زميلي في المطبخ (دبور) , ومحرر الاخبار المتجول زير النساء دبور: ولهم في ذلك حيل لا يعرفها الشيطان؟. فاجأتني لوليتا ملتفتة الي, وكنت انظر اليها, قائلة, وكأنها تقرأ مخاوفي: ـ لا تخف علي, انا احب من تحبه. بل.. اعشقه. ابتسمت لها. ولم اقل شيئا. فقالت لي: ـ ثق بي, كما تثق بصاحبك. لم اقل لها شيئا. لم يكن ما يشغلني هي, من يشغلني الآن, خوفا على حبي, وعليها هم الغول, والثعلب, وزير النساء. هم: والباقون من المحررين والمحررات, يأتون ويذهبون ومثلي متعففون. يعجبون نعم. ويشتهون نعم, لكنهم مثلي, يكتمون. قالت لي: ـ عندك اسئلة لي؟ ـ لا. وفي نفسي كأن الف سؤال وسؤال. اكتمها الآن, تاركا اجوبتها للأيام. اخشى عليها من الاحراج وكشف الشكوك, وعلى المارد من ان تهتز ثقته بي, فسوف تحكي له كل ما قد اسألها عنه. جاء الثعلب. دخل من الباب المفتوح, ونظر اليها, وظهرت الدهشة على وجهه, ونظر الي, فضحكت, وقلت له: ـ السيدة (...) زوجة صاحبنا, صاحب مسرحية (توبة) . فمد لها يده مصافحا, وابقى يده في يدها لحظة, وهو يقول لها: ـ زوجك رجل محظوظ. ضحكت عندئذ ضحكتها المنغمة, وقالت: ـ انا المحظوظة به. ونهضت خارجة من مكتبها, حاملة برشاقة حقيبتها على ساعدها. وقالت: ـ اراكم غدا. وغادرت مكتبها, وغرفة المطبخ, وكان زميلي الثعلب يتبعها بعينيه, يتأملها وكأنه سيأكلها اكلا. قلت له, وقد انصرفت لوليتا من باب المجلة المفتوح: ـ اجلس. واسمعني. جلس على مقعد امام مكتبي, وقال لي ضاحكا: ـ اعرف ما ستقوله. صاحبنا اوصاك بأمرها. وانت تخاف عليها, من اجله, مني, ومن الغول ومن.. بهته قلت له: ـ كيف عرفت؟ فقال لي: ـ اعرف مثله, واقدر خوفك عليها, لكن. من اين اتت؟ وكيف عرف مثلها؟ وكيف تزوجها؟ كانت لي دالة على صديقي الثعلب قلت له: ـ من اجل صاحبنا. دع هذه الاسئلة. تفجر الثعلب ضحكا, وقال لي: ـ ومن اجله. سأعرف. قلت له بحزم: ـ كما تشاء, لكن اتركها انت لحالها. صدمته لهجتي, صمت, وذهب الى مكتبه, كنت واثقا انه سيحترم ما قلته له, وسينفذه بالحرف الواحد, وكان علينا ان نتفنن في حمايتها من الغول, ومن غيره, قلت لزميلي في المطبخ: ـ افضل شيء, ان نجعل تعاملها معنا مباشرة, نأخذ منها الموضوع, ونطبخه, وتقدمه الى رئىس التحرير. فقال لي ضاحكا: ـ تعاملها معك انت لا معي, انا لا شأن لي بها فأنا ضعيف غاية الضعف امام مثلها, ورأيي ان صاحبك وقع في ورطة سألته: ـ معنا ستنجو, وينجو. فقال لي: ـ ان نجت معنا, فمن يضمن ان تنجو في اي مكان آخر, حتى في الطريق. وسكت لحظة, ثم قال: ـ هذه مثل الزبدة, تذيبها اي درجة حرارة. حتى حرارة هذه الغرفة البحرية الهادئة. وانفجر ضاحكا. كان ضاحك الوجه ابدا. ويعشق الضحك بسبب ولغير سبب. على غير موعد, التقيت بمقهى (علي بابا) , بالصديق: (الدب) , قال لي: ـ بلغني ان فلانة تعمل معكم بالمجلة. قلت له: ـ نعم. اتعرفها؟ فقال لي واجما: ـ اعرفها. ومن لا يعرفها بالقاهرة. مجلتنا كل من بها يعرفها. عرفها صاحبنا الرومانسي, حين عمل معنا محرر مطبخ بهرته مثلما بهرتنا قبله. ليس منا من لم تذهب الى بيته. وكم من ليلة باتتها عندي, وفي.. قاطعته قائلا بغيظ: ـ فليكن. احبت وتابت, وهو احب وغفر, ماشأننا نحن. ضحك وقال ساخرا بفجاجة. ـ وتعاهدا على الاخلاص. اليس كذلك؟! حدثت نفسي: (لذلك السبب, جاء بها الى مجلتنا) . وقال لي الدب: ـ الدبابير في كل مكان بالوسط الثقافي والفني. دبابير ودبورات. غايتهم الادب والفن والصيد, ورأيي ان صاحبنا الرومانسي قد جن. قلت له: ـ من هي؟ فقال لي: ـ كانت زوجة لشهيد, ولها ابن منه نصف متخلف, اسمه (...). قاطعته قائلا: ـ هي انثى. لكنها ضحت بمعاشها, وتزوجت منه, هو الفقير مثلي, ومثلك. فنبر ساخرا, ولم يعجبه قولي, فدلق ما بقي من قهوته في حلقه, ونهض مغادرا المقهى قائلا: ـ الايام بيننا. اقصد بينهما, فلن تفارق صاحبنا شكوكه, اتعرف كاتبا واحدا لم يعرف الشك. صرت وزميلي الثعلب نترقب حضورها الى (مطبخنا) . وحين تأتي نروح ونحن نعمل, نتأمل حسنها, حضورها يجلب الينا كل عطور الدنيا, وسحر الهواء البحري, الذي يهب من باب الشرفة. نتأمل وجهها البيضاوي المشرق, لون بشرتها الحمري, وعيناها الواسعتان, تنظران في براءة ويخيل الينا انها تتحدث الينا, وهي تسمعنا في صمت, كل جسدها ابيض مثل الزبدة, نضر ولدن بلا غش ولا مسام, مثل ورق نبات غض لم يزل. ثوبها الابيض دائما كثوب عروس في صباحها الاول, اصابعها خلقت لتعزف, وشفتاها مقترتان ابدا عن ابتسامة, تدعوان من يراهما الى الحب. وشعرها مرسل كالمروحة على الكتفين والعنق. حواء الاولى التي عرفها آدم, واكلت من تفاحة الشجرة المحرمة. وحين لا تأتي يوما نقلق عليها, نسألها كلما اهلت عن اخبارها. ونجحنا في ابعادها عن الغول او هكذا ظننا, وعن الضبع او هكذا ظننا. ونجحت في ابعادها عن الثعلب, او هكذا ظننت, لكنني لم انجح في ابعادها عن ان احبها حبا عذريا, صامتا. ورأيناها يظهر عليها الحمل, وهي لا تغادر ابدا اللون الابيض, في كل ثوب من ثياب خروجها, ولا حذاء من احذيتها, ولا حقيبة من حقائبها وقلت لزميلي الثعلب يوما: وأنا المح الى حملها: ـ أرأيت. انها مثل (فاضلة) سارتر. فقال لي ملغزا: ـ ربنا يستر. وضحك. غابت عنا لوليتا اسبوعا بأكمله. وعادت الينا كعهدها بنا, جميلة, وآسرة السحر, وقد افرغت ما في بطنها, واستردت رشاقتها واناقتها, رحبنا بمقدمها, وسارع الثعلب بقوله لها ضاحكا: ـ ولد قبيح مثله؟ او بنت جميلة مثلك؟ فضحكت ضحكة ضعيفة, كالبسمة, وقالت: ـ ستة. ارتعنا, وزعق الثعلب قائلا بذعر: ـ ستة؟ الرحمة!! فقالت: ـ ولدوا موتى. صغار.. كفئران الشقوق. واشارت الى حجم اصبعها: ـ هكذا. قدر الاصبع. وجمنا. وجلسنا صامتين. وشردت عنا. ثم قالت: ـ لم يكن يريد اولادا مني. كان يدعوني دائما لاسقاط ما في بطني. خطر ببالي ما قاله صديقي: (الدب) لي, ونحن على مقهى (علي بابا) : (الايام بيننا. اقصد بينهما, فلن تفارق صاحبنا شكوكه) . قلت لنفسي: (يريدها اذن عشقا بلا ثمرة) . وقال لي الثعلب, ولنفسه ايضا حين غادرت لوليتا المجلة, عائدة الى بيتها, وهو يتنهد: ـ اللهم قنا شر التجربة!! عامان مرا, ولوليتا بيننا, تأتي الى المجلة يوما او اياما, وتغيب يوما او اياما, وهي آمنة معنا, على الاقل, وهي دائما في ثوبها الابيض, لا تملك الى ان تبرق كجوهرة تفتن الانظار, وتسرق القلوب, فهكذا خلقت. وجاء يوم انقطعت بعده عن المجلة دون ان نعرف, او يصدر لها قرار بفصل, او تستقيل من عملها معنا, او تودعنا قائلة (الى اللقاء) . وفي جلسة من جلسات المثقفين للنميمة, على مقهى (ريش) , تحدث الاصدقاء, وقلوبهم شتى, عن ان لوليتا قد انفصلت عن زوجها. قالوا عنهما: كان الامر متوقعا منذ اول لحظة؟ وقالوا عنها: (كانت تحبه, نعم. ولكنها ايضا تحب ان تفتن الرجال, وتحب الترف, وتعشق المال. وصاحبنا من يده الى فمه, وفمها) . وقالوا عنه: (مجنون مفتون, ورومانسي حالم, ولكن والحق يقال, انه عاش معها تجربة, فيها الحلو والمر, والثقة والشك. وهمسات النجوى, وتفجرات القلق, والحيرة, والغضب, الرضا وعدم الرضا, فهي كالفصول الاربعة) . وبدأنا ننساها, وننسى امره معها, وامرها معه, وسقطت منا في جب النسيان, مثلما تسقط الاحلام والوقائع معا, في جب الزمن, لكن مسرحيات صديقي المارد, فقدت الهامها, وقلبها النابض بالهمس, والعشق, والاتواق التي لا تتحقق. صارت فكر حياة, لكاتب الشيخ, ويحيا بلا قلب, يغرق في الشراب ليوقظ احزانه, او ليقتلها, فالفارس العاشق القديم قد مات, حين فقد فرسه, ورمحه, وقوسه. واصاب ابداعه جفاف الفكر, وخمود العاطفة. يلوذ بصمت طويل, كلما التقينا به مصادفة, يبتسم لنا, وعيناه غائبتان عنا, يضحك لنا ضحكا من الحلق, ثم يسجل سريعا ضحكته. على غير توقع, سمعت صوتها. ادرت مفتاح الراديو, فسمعت صوتها يقدم برنامجا, صوتا انثويا ناعما ومنغما, تخال معه, عبر الراديو انك ترى وجهها وصدرها ونحرها, وسمانة الساقين, ولدونة الساعدين والكفين. وحدثت نفسي انها وجدت بعده عملا, ومصادفة رأيتها بقاعة من قاعات الاذاعة, دخلتها لأزور سيدة اذاعية صديقة وحبيبة, فقد اذاعت لي يوما عددا من القصص عندما كانت تعمل بالبرنامج الثقافي. حين رأتني الصديقة, كانت امامها استمارة من استمارات التعبئة والاحصاء, تملأ بياناتها. صافحتني, وقالت لي: ـ قل لي ياسليمان. أأنا ذكر ام انثى؟ ضحكت في دهشة, وانا اجلس, فخجلت من قولها: ـ امامي بيان يسألني: أأنا ذكر ام انثى؟ كان زوجها لايزال سجينا سياسيا منذ عشرة اعوام وادركت ان السؤال قد فجر فيها ما كان كامنا, لم اقل لها شيئا, فلم تكن في الحقيقة تطلب اجابة من احد, وكانت معها زميلة لها, تجلس الى مكتب آخر بجانبها. تضحك من سؤالها. والتفت دائرا بعيني في القاعة رأيت لوليتا جالسة, وحيدة تماما, تنظر نحونا باسمة, بدت لي فاتنة, صريحة العينين, لكنها لم تكن ترتدي ثوبا ابيض, كان ثوبها وردي, وحذاؤها ورديا, وحقيبتها على المكتب وردية انيقة, ونحرها كالعهد به ابيض وردي, عار في فتحة الفستان, يكشف النقرة في صدرها, ابتسمت لها, فرحا برؤيتها, وذهبت لتحيتها, صافحتها, فطلبت ان اجلس معها, فعندها ما تقوله لي. ترددت لحظة في الجلوس, فقد جئت زائرا لغيرها, وحسم ترددي. صوت صديقتي يقول لي آمرا, في رنة غضب: ـ سليمان. تعال هنا. استأذنت آسفا من لوليتا وعدت الى صديقتي ولم اكد اجلس, حتى قالت لي بصوت مسموع, سمعته لوليتا بلاشك: ـ كيف تعرف مثلها؟ وجمت لجرأتها وصراحتها, والتفت نحو لوليتا مشفقا عليها مما سمعته, رأيتها تنهض وهي تحمل حقيبتها على ساعدها, وتغادر مكتبها خارجة من الغرفة, وكان وجهها جامدا. قلت لصديقتي: ـ كانت زوجة صديق, وكانت تعمل معنا بالمجلة. فقالت لي ساخرة: ـ هو مجنون. هل جننت مثله؟ لم اعلق على سؤالها, وطلبت لي قهوة, شربتها صامتا على مهل, وكانت هي تسألني عما اكتبه الآن, ورحت احدثها, وعقلي مشغول بمشهد مغادرة لوليتا لمكتبها, وللقاعة حزينة, مكسورة الخاطر. توقف البرنامج الذي تقدمه لوليتا. وسألت عنها لأزورها, فقيل لي انها ذهبت الى دولة عربية شقيقة, وتزوجت من مدرس جاءت له بعقد شخصي, ليكون محرما لها, وحتى لا تحبس في مسكن المغتربات اللاتي لا محرم معهن, وقيل لي ان هذا المدرس كان يعشقها, وانها كانت لا تكترث بحبه لها. وقيل لي ان هذا المدرس ظل اعزب بسبب حبه لها, يرقبها من بعد, وانه كان يتبعها كلما خرجت من بيتها, وكلما عادت من عملها. وقيل لي انها التفتت اليه يوما, حين اتيحت لها الفرصة للاغتراب عن مصر او احتاجت الى محرم, قائلة وآخرتها: وآخرته, تتزوجني.. فقال لها بدهشة غير مصدق: (في الحال) . وقيل لي انها اشترطت عليه ان تكون, وهي زوجة, حرة في بلد الغربة, لا شأن له بها, الا حين تنام بجواره, فقال لها انه موافق على شرطها. وقيل لي انها قالت له ستكون له زوجته اربع سنوات فقط, ولذلك فهي تطلب العصمة في يدها, لتنفصل عنه اثر عودتهما الى مصر, فقال لها انه موافق على هذا الشرط ايضا. وحسبه من الزواج منها ان يكون بقربها, يراها, ويسمعها, ويخدمها بعينيه, حتى لو كان ذلك لأربعة ايام فقط. ثم قيل لي, بعد عامين, ان لوليتا عادت الى مصر, وانفصلت عن المدرس, فقد ثم طردت من عملها, ومن الدولة العربية الشقيقة, لأنها كانت في العمل مصدر فتنة, واثارة لتنهدات من حولها, وانها كانت في الليل مثل طيور الليل. ثم طردت, وعادت الى مصر, وقد تضخم رصيدها في البنك, ولم اكذب ما يقال لي, ولم اصدقه ايضا, فكل شيء مع لوليتا وارد وممكن, الحب او غيره, وربما كان الاثنان معا, فهكذا خلقت, وكانت مجالس النميمة. تناظرها حينا بكارمن, وحينا بلوليتا, وحينا بغادة الكاميليا, او الليدي تشارلي, الى ان استقر الامر بين المثقفين في مجالس النميمة, على انها اقرب الى ان تكون للوليتا, دون اية غاية اخرى. اغراني صديقي امير النمامين (المغترب الابدي) ان نستجم معا مدة اسبوع بالاسكندرية, فاستجبت لاغرائه, وكنا في عز الصيف, استأجرنا شقة مفروشة, او بالاحرى غرفة مفروشة, في شقة تقيم بها صاحبتها العجوز. وقرب الغروب, قال لي المغترب الابدي: ـ لوليتا هنا بالاسكندرية. فصحت به في دهشة: ـ ولذلك جئت ساعيا وراءها؟! فقال وهو يرتدي ثيابه: ـ انا ذاهب لأراها, واجلس معها, واسمح لك ان تأتي معي, اذا شئت. ذهبنا معا. وصعدنا درجا في ملهى مكشوف, يقدم نمرا مسرحية وغنائية, وقرأت اسمها على (الافيش) في واجه الملهى, ورأيتها امامي جالسة وراء شباك التذاكر, تحصل نقودا, وتقطع تذاكر للمشاهدين, وقال لي (المغترب الادبي) : ـ استأجرت لوليتا هذا الملهى, ودخلت عالم الفن. سلمت عليها, هي الجميلة الفاتنة, وضحكت لي من وراء شباك التذاكر, على حين استدار المغترب الادبي الى باب جانبي, وجلس بجانبها على مقعد بلا ظهر, ورأيتها تحمل قنينة نبيذ مستديرة, وتفرغ بعضها في حلقها, ثم تناولها للمغترب الادبي, فيفرغ منها بعضها في حلقه, وتضع القنينة بجانبها, ولم افكر حين قلت لها: ـ الا تزالين تحبين صاحبنا؟ ذهبت الفرحة عندئذ من وجهها, وقالت لي: ـ نعم, لم انسه لحظة, كان حبي الاول والاخير. ورأيت عينيه تتغرغران بالدموع, وقال لي المغترب الابدي: ـ ادخل. وشاهد الملهى. دخلت الملهى. وكان ملهى خشبيا مكشوفا, واسعا مثل ارض خربة. ممتلئا بمقاعد خشبية قديمة, غاصا بالجمهور, وعلى خشبة الملهى, كان ممثلان يتشاجران, كانا زوجا وزوجة, شهيرين, ولم يكن العرض قد بدأ بعد, فثمة بروفة كان ينتظر ان تجرى, وكان الجمهور يضحك على النجمين, وقد انقسم الى صيحتين: ربيها, ربيه. ورأيت الممثلة النجمة تتقيأ فجأة على خشبة المسرح: اع. اع. وصعد الى خشبة المسرح ابن لوليتا ليفض الشجار, ويشرف على تنظيف خشبة الملهى, واسرعت بمغادرة الملهى الى البحر, تاركا ورائى لوليتا والمغترب الابدي. وقرب الفجر, عاد المغترب الابدي الى غرفتنا. ورأيت وجهه وقد افرغ من كل حيوية كانت به, قال لي: ـ لماذا ذهبت؟ كانت ليلة لا تنسى؟ فقلت له: ـ في الملهى, وفي شقتها, ارى ذلك على وجهك. وأضفت: ـ اسمع, سأعود غدا الى القاهرة. لم يقل المغترب شيئا, خلع ثيابه, وعلقها بالدولاب, ثم ذهب الى الحمام, وسمعت صوت تقيئه. الوقت كان شتاء, وقد خرجت لتوي من مشاهدة فيلم (الوصايا العشر) لسيسل دوميل, وعبرت رصيف سينما ريفولي, والطريق, وصعدت الى رصيف ضيق بوسط الطريق, رأيتها, هي بعينها لوليتا, ترتدي بدلة صوفية بنية اللون الابيض والفرو الناعم يحيط بعنقها وصدرها, وكمها. وخصرها, وقد ادخلت اطراف بنطلون بدلتها, في حذاء (بوت) بني اللون, يؤطر الفرو الابيض نهايته حول الساقين, بششت لرؤيتها ضاحكا, وكتمت شعوري بالفجاجة من منظرها, سلمت عليها, وسألتها عن اخبارها, فالتفتت بعنقها الى الخلف قليلا, وقالت لي بصراحة وقمة, ودون حرج. ـ هاهي اخباري, هذا هو زوجي, تاجر خردة, مليونير يعني. نظرت الى زوجها. كان رجلا اسمر, ثلثي القامة, يرتدي بدلة رمادية داكنة من عنقه تتدلى كرافته خضراء. وكان يحمل لها حقيبتها البنية اللون في يده وحقيبة زينتها الصندوقية الشكل. سلمت عليه (دون اكتراث, حدثت نفسي انه تابع اخر. وقالت لي ان مشروعها الفني اخفق, وافلس. فآثرت ان تكون زوجة وتريح عقلها من هم الفن, وفضول اهل الفن. وضحكت, ثم قالت: ـ الزواج اكثر راحة. اليس كذلك؟ ثم قالت لي دون ان تنتظر جوابا: ـ فيلم (الوصايا العشر) فيلم جميل. اليس كذلك؟ اومأت برأسي قائلا: ـ ممتع. وهو عن بناء الهرم وبناته. فالتفتت برأسها الى تابعها الزوج قائلة: ـ قل له. لا يحب سوى افلام فريد شوقي, والمليجي, وهند رستم. لم اقل لها شيئا. واستأذنت منها, ومنه, وابتعدت عنهما. مرت سنوات الى ان رن جرس التليفون, في الواحدة ليلا, سمعت صوت لوليتا يقول لي: ـ سليمان, تعال بسرعة, ارجوك. قلت لها: ـ الآن, الساعة الواحدة, ونحن في الشتاء. فقالت لي: ـ ارجوك, اريد ان اراك, الا تريد ان تراني, خذ العنوان وتعال. دونت عنوانها, وارتديت ثيابي, وذهبت اليها في عنوانها, فتح الباب ابنها, حارسها, وفتوتها, وادخلني الى حيث امه لوليتا, ورأيت بعيني هاتين مشهدا لن انساه يوما. كانت جالسة على طرف اريكة. وعلى منضدة واطئة في الغرفة الصفراء الضيقة المساحة, كانت زجاجتان من ويسكي (بلاك ليبل) , مفتوحتان, وكان عندها ضيف عربي, اردني فيما اظن, بغطرته ذات المربعات الحمراء والبيضاء, وعقاله, وثوبه الابيض, ينظر الى حيث انظر, في صمت. حيث كان المارد زوجها يقبل ركبتها وهي تضحك دون انفعال. مدت طرف يدها نحوي, فلمست باطراف اصابعي اطراف اصابعها مصافحا, قلت لها: ـ خير. ـ احببت ان تجلس معنا, مع صديقك. ومعي, اجلس, واشرب. ونظرت اليه جاثيا تحت قدميها, لم يعرن انتباها ما, وضحكت لوليتا ضحكة ماجنة. انصرف ضيفها العربي, صامتا, لا يشعر بالرضا, دون ان يحيي احدا, وانصرفت بعدها, تاركا صديقي, المارد معها, وكان ابنها لايزال جالسا بالصالة قرب باب المدخل, ينتظر اوامرها اليه. بعد سنوات, خطرت لوليتا على بالي. سألت عنها, قيل لي انها مرضت بسرطان الدم, وماتت بائسة في بيتها, لا تجد طبيبا, ولا علاجا, ولا نقودا, وقيل لي ان ابنها لم يجد له أي عمل, سوى ان يكون فتوة, في ملاهي المدينة. * سليمان فياض اديب مصري (71 سنة) ينتمي الى جيل الخمسينيات في القصة والرواية, له 26 كتابا من بينها 9 مجموعات قصصية وخمس روايات ويتنوع انتاجه الفكري ايضا بين اللغويات وكتب الاطفال وله كذلك 32 كتابا عن ابطال العرب من اشهر مجموعاته القصصية (الشرنقة) ومن اشهر رواياته (اصوات) التي تعالج قضية الصراع بين الشرق والغرب ومن اهم بحوثه اللغوية (معجم المأثورات اللغوية والتعابير الادبية) , و (الافعال الشاذة) .. عمل سليمان فياض في مهن عديدة منها التعليم والصحافة, وفاز مؤخرا بجائزة (العويس الثقافية للدورة الثالثة).