فى عام 1955 أمر الزعيم جمال عبدالناصر بانشاء (مكتب تنسيق الجامعات) يتولى توزيع الطلاب المتقدمين الى الدراسة الجامعية حسب مجموع درجاتهم فى الثانوية العامة (وقتها كانت تسمى التوجيهية وقبل ذلك التاريخ كان اسمها شهادة البكالوريا). وحكاية التوزيع حسب درجات المجموع رغم ما قد يشوبها من سلبيات , ما برحت تمثل نوعا من صمام الأمان أو حسن العدالة الحصين حيث لاينظر هذا التوزيع الى نسب الطالب أو جاه أسرته أو الى ديانته أو غناه أو مسغبته وحين أنشئ المكتب التنسيقى المذكور كان الباشاوات مازالوا يتمتعون هم وأخلافهم بقدر من النفوذ أو التأثير فى أحوال مصر, فاذا بالمكتب اياه يفرز درجات المجموع بمعيار العدل المطلق ومن ثم فقد دخل أبناء الفلاحين الفقراء وأبناء صغار الكسبة والحرفيين الى كليات الطب والهندسة.. فيما لم يستطع البعض من أبناء البكوات والبشاوات إلا أن يتعلق بأذيال كلية متواضعة هنا أو معهد متوسط هناك. المهم أن بات الطلاب يتفاخرون على بعضهم وبخفة الشباب وعفوية الصبا بنوعية الكليات التى أمكنهم الالتحاق بها وكانت فى مقدمتها كلية الطب فى القسم العلمى وكلية الآداب فى القسم الأدبى.. ولم يعد التفاخر كما كانت الأحوال أيام زمان أيام ماقبل عبدالناصر, باسم العائلة الشهيرة أو بما كان يملكه بابا جدو أو أونكل خورشيد باشا الكبير من ضياع وكشوفيات وأبعاديات. يومها كان طلبة كلية دار العلوم يرددون فى تواضع ظريف بيتا من الشعر لاندرى من أطلق صياغته حيث كان البيت يخاطب طالب دار العلوم المتخصص فى اللغة العربية فى تلميح لايخفى بأن مصيره هو وظيفة مدرس على قد الحال فيقول البيت: فغضَّ الطرف إنك درعمى فلا طباّ لحقت ولا آدابا وطبعا كانت المسألة لاتعدو أن تكون خفة روح ودعابة بريئة فى التحليل الأخير, فمن طلاب دار العلوم الدراعمة كما كانوا يسمونهم من أجاد فى ألسنيات العربية وآدابها وتفوق وحصل على أعلى جوائز الدولة, ومن خريجى الطب من أسلمته الأحوال ليكون طبيبا فى الأرياف ومن خريجى الآداب من قنع بوظيفة ما أشد تواضعها فى ادارة علاقات عامة فى واحدة من المؤسسات شبه المجهولة بالقطاع العام.. مع ذلك.. كنا نردد البيت المذكور على سبيل التفكه وكان زملاؤنا الدراعمة يتقبلونه منا فى سماحة نفس, وكنا نحن وهم ندين فى سبك البيت وعباراته الى مبدعه الأول, زعيم شعراء النقائض وسيد الهجائيين الأخ جرير التميمى وكان يدافع وينافح عن عشيرة قيس فيما كان منافسه وغريمه الأول الفرزدق يدافع عن عشيرة مجاشع الدرامية كما يقول الناقد القديم أبوعبيدة الذى شرح أشعار الخصمين تحت اسمها الذى شاع واستمتع بمتابعته متأدبو العربية, ومتذوقو ابداعاتها (النقائض) التى مازلنا نستمتع بها فى كتابة هذه السطور. ثمة شاعر متواضع الموهبة اسمه الراعى كان معاصرا للغريمين وشاء له حظه العاثر أن ينتصر للفرزدق على جرير حين أنشد الراعى قصيدة قال فيها: يا صاحبّى دنا الروّاح فسيرا غلب الفرزدق فى الهجاء جريرا واذ كان السيد الراعى المذكور أعلاه ينتمى الى قبيلة نمير فقد قرر جرير أن يهجوه ويهجو قبيلته ويندد به ويقومه وبالذين خلفوه حتى يصبح اسمهم مضغة فى الأفواه الى يوم الدين. قال عمنا أبوالفرج صاحب (الأغانى) * عكف جرير على اعداد قصيدته الجديدة الى أن عرف أن الناس جلسوا مجالسهم فى (سوق) (المربد) وهو (مجمع انشاد الشعر عند العرب).. فدعا بطيب تعطر به وكّف رأسه (أى عصبها) وكان حسن الشعر (بفتح الشين) ثم أمر غلامه أن يسرج له حصانا امتطاه الى أن بلغ مجلسه المعين له فى (المربد) واذ واجه الشاعر الراعى اندفع جرير فأنشد قصيدته البائية وفيها يقول بيته الشهير: * فغُضَّ الطرف انك من نُمَير فلا كعبا بلغت ولا كلابا والمعنى ياسيد أنت من قوم فى غاية الغُلب والاتضاع فلا حسبك يوصلك الى بنى كعب ولا نسبك يرتفع بك الى الكلبيين فأنت ببساطة لا فى العير ولا فى النفير.. يعنى لا هنا.. ولا هناك.. يقول أبوالفرج: * ولم يلبث الراعى أن انصرف يعلوه الخزي وسوء السمعة بين قبائل العرب على أن الملاحاة الحقيقية كانت بين جرير والفرزدق (الملاحاة أصلها المنازعة وقالت العرب من لاحاك فقد عاداك) ثم دخل صاحبنا الأخطل على الخط فكان أن ناله من لسان جرير رذاذ كثير وكان الأخطل ينتسب الى قبيلة تغلب وكان الأخطل قد هجا بنى كليب وهم عشيرة جرير فقال: أما كليب بن يربوع فليس لهم عند التنافس ايراد ولا صدد مخلَّفون ويقضى الناس أمرهم وهم بغيب وفى عمياء ما شعروا فكان أن رد عليه جرير بنقيضة جعلها حسب أصول الملاحاة من نفس الوزن والقافية فقال: نحن اجتبينا حياض المجد منزعة من حوقة لم يخالط صفوها كدر خابت بنو تغلب ان ضل رأيهم حوض المكارم, ان المجد مبتذر الظاعنون على العمياء ان ظعنوا والسائلون بظهر الغيب ما الخبر الآكلون خبيث الزاد, وحدهم والنازلون اذا واراهم الخمر والخمر هو الموضع المستتر كناية على أنهم يستترون من الضيفان بخلا وشحا عن واجب كرم الضيافة.. أما ملاحاة جرير مع الفرزدق فتلك حكايات سارت بها الركبان كما يقولون. ولقد هاجم الفرزدق جريرا وقومه من بنى كليب فى قصيدته التى قال فيها: ولست بمأخوذ بلغو نقوله اذا لم تعمَّدْ عاقدات الغرائم فيا عجبا حتى (كليب) تسبنى وكانت (كليب) مدرجا للشتائم وجاءه رد منافسه جرير بصفته وزوازاً أى خفيف الوزن كناية على قصر القامة: لقد ولدت أم الفرزدق فاجرا وجاءت بوزواز قصير القوائم وما كان جار للفرزدق مسلم ليأمن قردا ليلة غير نائم تتبع فى الماخور كل مريبة ولست بأهل المحصنات الكرائم وكان الفرزدق يفتخر على صاحبه فيقول اتعدل احسابا لئاما أدقة باحسابنا اني إلى الله راجع ويعجب الناس بما يقول الى أن يجاوبه جرير قائلا: زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع فيذهب قوله مثلا سائرا بين الناس عبر الحقب والعصور ومن عجب أن الشاعرين كانا يستمتعان بهذه الخصومة عند مستواها الفنى أو الابداعى فلم يكن بين الرجلين على الأرجح خصومة شخصية.. بل روى صاحب الأغانى كثرة من الأخبار التى أكدت أن الرجلين كانا متصافيين متوادين لا متباغضين.. فهما كما يقول العلامة شوقى ضيف يجتمعان عند الخلفاء والولاة وهما يرحلان الى دمشق سويا واذا نزلت بأحدهما شدة أو حزبه أمر وقف الآخر معه يمد له يد العون. نحن إذن أمام الفرزدق وجرير.. بينهما منافسة فى الابداع.. وهى خصومة جنتلمان كما قد نصفها.. وكيف لايكون الأمر كذلك وها نحن نقرأ لجرير رثاءه للفرزدق إذ رحل قبله عن عالم الأحياء فأبدع جرير مرثية رصينة قال فيها: ولا حملت بعد الفرزدق حُرة ولا ذات حمل من نفاس تعلت هو الوافد المحبو والراتق الفتى اذا النعل يوما بالعشيرة زلت