يكتبها اليوم: علي عبيد إلى مَعْشرِ الكُتَّابِ والجَمْعُ حَافِلٌ بَسَطْتُ رجائي بعدَ بسطِ شَكاتي فإمَّا حياةٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى وتُنْبتُ في تلكَ الرُّؤوسِ رُفاتي +++++ 250 وإمَّا مماتٌ لا قيامةَ بَعدَهُ مماتٌ لَعَمْري لم يُقَسْ بمماتِ +++++ 250 هكذا أطلقت العربية صرختها الشهيرة منذ عقود سبعة على لسان شاعر النيل حافظ ابراهيم أشهر من حمل لواء الدفاع عن الضاد شعرا. ولايزال صدى تلك الصرخة يتردد حتى يومنا هذا, يتجدد رنينه كلّما تناهى إلى أسماعنا اعتزاز أمة بلغتها ليعيدنا إلى العربية وهي تسعى إلى استنهاض همم أبنائها قائلة: فيا ويَـحكُمْ أبْـلَى وتَبْلَى محاسني ومنكم وإنْ عزَّ الدواء أُسَاتي أرى لرجالِ الغَرْبِ عِزّاً ومَنْعَةً وكم عزَّ أقوامٌ بعزِّ لُغَاتِ بتلك القصيدة (الصرخة) ذكّرتني الضجَّة القائمة هذه الأيام في فرنسا حول الأسلوب الأمثل لتعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية, والخلاف المحتدم حول ما إذا كان من الأفضل تقديم اختباراتها في الثانوية العامة للطلبة العرب بأحرف عربية أم لاتينية؟ وقضية اللغة العربية في فرنسا ـ التي يعيش فيها أكثر من خمسة ملايين عربي ـ أخذت أبعاداً أخرى لم تنحصر في هذا الخلاف فقط وإنما تعدته إلى استخدام العامية أو اللهجات العربية وليست الفصحى في اختبارات المدارس, وهو الأمر الذي ألغاه البرلمان الفرنسي عام 1999 عندما صادق على قانون اعتبر اللغة العربية لغة واحدة, ولا يجوز تقسيمها إلى لهجات, وأصبحت مادة تدرس في المدارس كغيرها من المواد. غير أن الدكتورة دومينيك كوبيه رئيسة القسم العربي المغاربي في المعهد القومي للغات والحضارة الشرقية تعارض ذلك معتبرة أن إعادة اختبارات اللهجات العربية إلى المدارس ستسهم بشكل كبير في تحسين النسب الدراسية للطلبة العرب الذين كانوا قبل المصادقة على هذا القانون يتمتعون بحرية الاختيار في الاختبارات بين اللهجة المغربية أو التونسية أو الجزائرية أو المصرية أو الشامية بأفرعها اللبنانية والسورية والفلسطينية مع الحرية أيضاً في اختيار الكتابة بالأحرف العربية أو اللاتينية, والإجابة شفهياً وليس تحريرياً. ورغم ادّعاء كوبيه معارضتها لاستخدام الأحرف اللاتينية في كتابة العربية إلاّ أنها تقول في إحصائية لها إن 74.5% من الطلبة العرب الذين يعيشون في فرنسا ويُقدَّر عددهم بالآلاف قد اختاروا الاجابة عن الاختبارات بأحرف لاتينية, وإن نسبة الذين سيختارون مقرر اللغة العربية كمقرر اختياري ستنخفض كثيراً في حال حصر الاجابة في الاختبارات على استخدام الأحرف العربية فقط, كما تقول إنه من بين 10111 طالباً اختار 1500 طالب فقط أن يكون اختبار اللغة العربية بأحرف عربية. وقد نجحت كوبيه في جمع أكثر من 300 توقيع لشخصيات مهمة في فرنسا يؤيدون دعوتها, ويعربون عن دهشتهم من القرار الفرنسي قائلين إن فيه خرقاً للقانون الاوروبي للغات الاقليمية واللغات الخاصة بالأقليات الذي يعترف باللهجات العربية كإحدى اللغات البالغ عددها 75 لغة في فرنسا, ومع ذلك فان وزارة التربية الفرنسية تعارض دعوة كوبيه وإن كانت قد أعادت أسلوب الاختبارات هذا الى العملية التعليمية مؤقتاً حتى يتم إيجاد حل نهائي, حيث يقول المفتش العام لمادة اللغة العربية في الوزارة إنه لا يجوز تقسيم اللغة العربية إلى لهجات شأنها شأن بقية اللغات العالمية. وليس مستغرباً أن تثار هذه المسألة في فرنسا بين فينة وأخرى, فالفرنسيون الذين أصدروا قانوناً لحماية لغتهم أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1994, وقادوا حملة للتصدي لإدراج الثقافة ضمن اتفاقية التجارة الدولية, هم أنفسهم الذين أغلقوا المدارس التي كانت تعلم اللغة العربية في الجزائر عندما دخلوها في الخامس من يوليو عام 1930 وأنشأوا جامعتهم الفرنسية, ثم أصدروا في الثامن من مارس عام 1938 أمراً ينص على اعتبار اللغة العربية الفصحى لغة أجنبية في الجزائر واعتماد العامية المتداولة عربية كانت أم بربرية. واستمر الفرنسيون يشعلون اوار هذه الحرب على العربية الفصحى في الجزائر, ولم يهدأ لهم بال حتى انشأوا عام 1967 مجمعاً للغة البربرية سموه (الاكاديمية البربرية) وجعلوا من باريس مقراً له. ولذلك فان دعوة دومينيك كوبيه والمؤيدين لها الان لا تعدو أن تكون بعثاً لحملات سابقة, وإحياء لدعوات ومؤامرات تصدّى لها المخلصون من حماة الضاد على مدى عقود من الزمن, وأفشلوها محاولة بعد أخرى. فبدعوى تطوير اللغة وعصرنتها انطلقت دعوات من بعض أبناء العربية نفسها لو كتب لها أن تحقق شيئاً من النجاح, أو وجدت من ينتصر لها من أصحاب القرار السياسي لحلّت باللغة العربية كارثة كبرى, ولأصبح حالها كحال اللغة التركية التي بدّل كمال أتاتورك حروفها العربية بالحروف اللاتينية, واللغة الشيشانية التي فرض ستالين على أهلها استخدام الحروف الروسية بدلاً من العربية. ولعل أشهر من دعا إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية في النصف الأول من القرن العشرين الكاتب المصري سلامة موسى, وانضم إلى هذه الدعوة عام 1942 السياسي والمحامي والباحث اللغوي عبدالعزيز فهمي, حيث تقدّم لمجمع اللغة العربية الذي كان عضوا فيه باقتراح يقضي بإحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية, وكان نصيب اقتراحه الرفض بعد جدل وصراع استمر ثلاث سنوات. أما آخر رموز هذه الدعوة وحملتها فهو الشاعر اللبناني سعيد عقل الذي غالى في دعوته إلى الدرجة التي جعلته يرصد الجوائز لكل من ينشر دواوين الشعر باللهجة العامية, وأراد أن يضرب المثل والقدوة فأصدر ديوانه (يارا) ونشره بالأحرف اللاتينية. كل هذه الدعوات كان مآلها إلى الفشل, وكان مآل أصحابها إلى الصفحات السوداء من التاريخ, أما اللغة العربية التي اصطفاها الخالق العظيم فأنزل بها كتابه المعجز (القرآن الكريم) فقد ظلت وستبقى مصونة محميّة, غير أن الخوف هو علينا نحن الذين تتعرض ألسنتنا لغزو يهدد بطمس هويتنا, فليست اللغة مجرد حروف تكتب وأصوات تنطق, وإنما هي ذاكرة أمة ومنهج تفكير وأسلوب حياة وناقل حضارة ووسيلة تواصل بين الأجيال, إذا ماتت انقطعت الفروع عن الأصول, وجفت الجذور, ودب الاصفرار في أوراق شجرة الأمة, ولذلك فقد حرص المستعمرون في كل العصور على فرض لغاتهم على سكان البلاد التي احتلوها, وكان أول قرار يتخذه أهل تلك البلاد بعد تحريرها هو إعادة لغتهم إلى الحياة وبعثها من جديد بعثاً يعيد إلى الأمة روحها. حدث ذلك للكوريين الذين استعمرهم اليابانيون ستين سنة, منعوا فيها استخدام اللغة الكورية وفرضوا اليابانية, فلما استقلت كوريا كان أول مرسوم يصدر في أول عدد من الجريدة الرسمية هو مرسوم منع استخدام اللغة اليابانية ليعيد للغة القومية كرامتها التي أهدرت. وانطلق كبار السن يلقِّنون الأجيال الجديدة لغتهم الأصلية التي كادت تنطمس بفعل المستعمر الذي أراد أن يغير وجه البلد ويطمس هويته. فهل ترانا بعد ذلك نعجز عن حماية ثمانية وعشرين حرفا بينما ينجح اليابانيون في حفظ لغة تحوي 2600 حرف, ويتمكن الصينيون من نشر لغة تتكون من 2200 حرف بين ما يربو على المليار نسمة؟! إن أخشى ما أخشاه هو أن يصبح حال بلداننا وحالنا كما وصف المتنبي شِعْبَ (بوان) وحال العربي فيه حينما قال: مغاني الشِّعبِ طِيْباً في المغاني بمنزلةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَّمانِ ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ