تتعدد نواحي العطاء الادبي والابداعي عند الدكتور وليد السباعي فهو كاتب درامي رفد شاشتنا بعدة اعمال شاهدناها له, ويكتب الدراسات النقدية والادبية في الصحافة الادبية العربية, وجهوده كبيرة في الترجمة من الاداب العالمية للادب العربي, ومعه كان الحوار: * الترجمة قضاء الانا على الاخر ما مدى العلاقة برأيك كمترجم بين اللغة والحفاظ على خصوصيتها وبين الترجمة؟ ـ لا يمكن لأمة ان تعيش متقوقعة دون انفتاح فعال على ثقافات الاخرين, وعلى البعض التخلي عن مفهوم الغزو الثقافي الذي يدعون ان الترجمة اتونه. هذا هراء, الترجمة وسيط نقل الحضارة والانبعاث الحضاري والتواصل الخلاق, واللغة وعاء الحضارة وكلما ارتقت الحضارة تغيرت اشكالها وطرأ تبديل على اوعيتها ووجب ملء هذه الاوعية بمحتويات حضارية اخرى. في السابق لم يكن يوجد التلفاز وغزو الفضاء والتكنولوجيا ولكل علم من العلوم مصطلحاته (السياسة, الاجتماع, النقد, اللسانيات, الطب, التكنولوجيا.. الخ) التي تتطور باستمرار وعلينا ان نتفاهم جميعا شرقا وغربا بلغة العصر دون ان ننسى اننا اهل الحضارة اصلا. * يقال ان ما يحصل عمليا هو مجرد التأثر بالاخر دون التأثير به وان الكثير من المصطلحات الاجنبية قد تغلغلت الى جسد اللغة العربية؟ ـ هذه حتمية التطور. الغرب لم يخش ابدا حينما اخذ بعلوم ابن خلدون وابن رشد والفارابي وابن سينا والرازي وابن حيان وغيرهم وطورها ولم يحاول ترجمة مصطلح الجبر او كلمة الصحراء او الانتقاضة مثلا.. لقد ادخلها في قاموسه كما هي فلماذا نخاف على لغتنا كل هذا الخوف من تطعيمها ورفدها بمصطلحات علمية عصرية ادخلها الياباني والصيني الى لغته؟ وكلنا نعلم ان اللغة العربية من ارقى واقدم واقوى اللغات بقواعدها ونظامها وهي قادرة على استيعاب كل ذلك. لقد رأيت في يوغسلافيا مثلا الكثير من الكتب العربية التي ترجمت الى لغتهم هناك وهي اكثر بكثير مما نقلناه نحن عن لغتهم الى العربية لقد بدأوا من الشعر الجاهلي مرورا بابن حزم وطوق الحمامة وصولا الى نجيب محفوظ ونزار قباني, كله نقلوه الى لغتهم. قد يختلف الامر نوعا ما بالنسبة للغات الرئيسية كالانجليزية والفرنسية فيختل طرف المعادلة لصحالهما. علينا ان ننقل ادبنا وتراثنا ووجهة نظرنا اليهم علما بأن المسألة ليست بالكم وانما بالنوعية, علينا ان نعرب الآداب والعلوم وان ندخل المصطلح العلمي كما هو دون تعريب الى لغتنا, المصطلح لا يعرب ولا يفرنس ولا يصين ولا يتأفرق, المصطلح ابجدية اللغة العلمية التي تستطيع تجاوز التخلف والاختلاف بخطوات سريعة ومدروسة اذ لا يمكن التفاهم بمصطلحات علمية مختلفة ومتضاربة تلعب فيه الامزجة والهوى, ثم ان الذين ينقلون هذه العلوم والآداب الى لغتنا العربية هم العلماء وليسوا الجهلة حتى نأخذ برأيهم. * من الملاحظ في الروايات والقصص التي ترجمتها وكتبتها وفي الدراما التلفزيونية التي تقدمها انتقاؤك لمواضيع ساخنة تطرح اشكاليات صعبة بشكل درامي لا هوادة فيه.. لماذا؟ ـ هذا صحيح, الرواية الحديثة والدراما الحديثة فيهما شيء من العنف ذلك ان الناس يعيشون اليوم في مجتمعات كبيرة ولا يجدون الاجوبة الشافية على تساؤلاتهم المعقدة كما كان يجدها الانسان قبل مئة عام, مثلا انهم يعيشون في جو من الخوف من المؤسسة الكبيرة التي ليسوا فيها الا اجزاء صغيرة, لهذا يتطلعون الى فن معبر بقوة يقتحم معهم صلف الخوف وليل المجهول, الامر يشبه بعض الشيء التلصص من ثقب الباب لمعرفة ما الذي يفعله الجيران وما الذي يفكرون فيه. هل يشكون من عقدة النقص ذاتها من الرذائل او الفضائل نفسها من الاغراءات او التجارب نفسها, اعتقد ان الناس الذين يشعرون بالقلق ويفتشون عن انفسهم هم اليوم في ازدياد واظن انهم يميلون لمادة تسعى الى التوغل في كل زاوية من زوايا الطبيعة البشرية المعقدة وبشكل صريح وواضح لا يسعى الى تخديرهم. طب وكتابة * الطب والكتابة تعارض ام تآلف؟ واذا كان الطب حرفة فهل الكتابة كذلك؟ ـ لا تعارض على الاطلاق, الطب والكتابة كلاهما بحث وسعي عن خلاص الانسان من عذاباته وسقمه ولا يحتاج كل شخص لأن يكون كاتبا, وعلى كل شخص يشعر انه يستطيع ان يفعل شيئا اخر غير الكتابة ان يفعله. الكتابة ليست حرفة انها قلق وبحث دائمان, دعوة الى الحق وابتكار وسفر في المجهول ولا يمكن للمبدع ان يكون سعيدا في اي وقت من الاوقات. * لماذا؟ ـ لأن ما يدفع احدنا لكي يكون كاتبا او فنانا هي حاجته الماسة لايجاد ذاته كل كاتب يحاول ان يجد ذاته عن طريق ما يكتبه عن طريق شخصياته والاحداث التي يسجلها انه بالمحصلة لا يكتب الا نفسه لقد اعتاد الناس في كل مكان مسألة اقتيادهم قسرا الى الحد الاقصى وحشرهم بصورة لا معقولة في عالم يمكن ان يخضع للعقل, الامر الذي لا يزيدهم الا توترا وارهاقا والعنف مقترن بهذا. نحن لم نعد نفكر بالانسان من وجهة نظر بعض الفلاسفة الذين اعتبروه سيد الخليقة لم يعد الانسان كذلك اننا نراه وجها لوجه وعلينا ان نبحث معه عن الخلاص بعد ان نفتح امامه آفاقا يعي فيها موقعه وموقفه مما يدور حوله. المسألة ليست في تفحص الفنان لذاته فقط انما مسألة تفحص الاخرين بالاختبار الذي لديه عن ذاته انه يكتب بتعاطف لأنه يشعر ان هذا الانسان الاخر هو مثله. * وهل يأتي للفنان دائما ذلك؟ اقصد المعوقات, انها كثيرة؟ ـ المسألة معقدة وشائكة, المهم ان يصل ما تكتبه الى الناس لكن بدون تنازلات, من المؤلم جدا ان تمارس الكتابة وانت تعلم انك لن تكتب حتى النهاية ولن تقول ما تعتقد انه يجب ان يقال. انا لا اعرف كم عدد سكان العالم اليوم ومع هذا اجد ان الاتصال (الاتصال التام) يستحيل تماما بين شخصين اثنين من جميع هؤلاء البشر وهو ما يشكل لي ولأي كاتب مأساة حقيقية. السياسيون في العالم يحاولون خلق ضرب معين من الانسان وعلى الفنان ان يعرض الانسان كما هو. الرسام التجاري يرسم مسطحا تستطيع خرقه باصبعك لكن الفنان الخلاق يرسم تفاحة مثلا تحس بوزنها ولونها وعصارتها ودعوتها المغرية اليك ويفعل ذلك بحركات بسيطة, لهذا احاول شخصيا تجنب الكلمات المجردة او الشعرية والجأ دائما الى المحسوس, احاول تجنب اي شيء لا يضيف شيئا مهما الى البعد الثالث هذا وعلى النقاد تقييم او تقويم تجربتي المتواضعة. حوار عبدالرحمن حمادي