الحج إلى بيت الله الحرام ركن من أركان الاسلام الخمسة لا يتم الاسلام الا بها وقد فرضه الله على كل مستطيع فقال سبحانه (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وفى هذا المجال يؤكد علماء المسلمين أن هناك أمورا ينبغي للحاج أن يهيىء بها نفسه لينال بذلك ثواب الحج ويغفر الله له ذنوبه ومن هذه الأمور التوبة ورد المظالم وأداء الأمانة واستصحاب النفقة الحلال لأن الله لا يقبل إلا طيبا. ويشير الشيخ علي محمد عثمان الضبع رئيس قسم الافتاء بأوقاف دبي إلى أن الله شرف الوجود بخاتم النبيين محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الذي يتصل نسبه الشريف بابراهيم عليه السلام ويقول: على رأس الأربعين من عمره الشريف اصطفاه الله تعالى نبيا لهذه الأمة وتحققت فيه دعوة ابراهيم عليه السلام حينما كان يرفع قواعد البيت هو واسماعيل عليهما السلام (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) . ولقد استوعب القرآن الكريم ذلك في سورة ابراهيم في قوله تعالي: (وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام, رب انهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم, ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) . ولقد استجاب الله تعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام الدعاء وحقق له الرجاء ورزق أهل الحجاز الثمرات وأكثر لهم الخيرات وجعل مكة بلدا آمنا وبارك في ذرية اسماعيل عليه السلام وبنى لهم بيتا معمورا وجعله مثابة للناس وأمنا يحجون إليه كل عام وبعث فيهم منهم رسولا هو من ذرية اسماعيل عليه السلام هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الذي يتصل نسبه إلى اسماعيل عبدالسلام وأتم به النعمة على المسلمين وأنزل عليه القرآن الكريم, وفى زمن وجيز عمت دعوته ودخل الناس في دين الله أفواجا وفي شريعته صلى الله عليه وسلم الحج إلى بيت الله العتيق ركن الاسلام وفرض المستطيع عبادة العمر وختام الأمر وتمام الدين وكمال الاسلام وهو من التكاليف التي ابت السماوات والأرض والجبال عن حملها وحملها الانسان كما في قوله الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) والمراد بها التكاليف الشرعية والأوامر والنواهي وعبادة الله تعالى بالصلاة والزكاة والصوم والحج. ويضيف الشيخ علي عثمان الضبع: وهي الغاية من خلق الإنسان ووجوده كما في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) . والحج أمانة المكلف القادر المستطيع: (ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو قلت نعم لو جبت ولما استطعتم) ثم قال: (ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) وعلى المكلف أن يأتي بمقدوره ويسقط عنه معجوزه وما جعل عليكم في الدين من حرج فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. وعن أبي ثعلبة الخثني رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) . وعلي من أراد حجاً مبروراً وذنباً مغفورا أن يهييء نفسه قبل التلبس به بالتوبة ورد المظالم وأداء الأمانات وتوديع الأهل والجيران والأصحاب واستصحاب النفقة من المال الحلال فإن الله تعالي طيب لا يقبل إلا طيباً ومن حج بمال حرام وقال لبيك اللهم لبيك قيل له لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك. وعلى الحاج اختيار الرفيق الصالح الذي إذا نسي.. ذكره وإذا ذكر أعانه وعليه أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال امتثالاً لقول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات.. فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوي واتقون يا أولي الألباب) . والأفضل أن يدخل الحاج المسجد الحرام من باب السلام ويقول حينئذ: اللهم أنت السلام ودارك دار السلام فحينما ربنا بالسلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وحينما يقع نظره على البيت (الكعبة المكرمة) يقول: اللهم إن هذا البيت بيتك عظمته وكرمته وشرفته فزده تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً ومهابة وزد من حجه أو اعتمر به شرفاً وبراً ومهابة بالله يا واحد يا أحد يا رحيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم. وحينما يبدأالطواف يقول اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ,واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم اللهم رب هذا البيت العتيق اعتق رقبتي من النار اللهم إن هذا هو مقام العائذ بك من النار فأعذني منها ثم يدعو بما شاء لنفسه ولمن شاء فهذا من مواضع الاجابة. ثم بعد الفراغ من الطواف يصلي ركعتين وجوباً بمقام ابراهيم عليه السلام لقول الله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) إن تيسر له ذلك وإلا صلاها حيث يتيسر في المسجد بلا مزاحمة ولا مدافعة ولا مغالبة وعليه أن يقول بعد السلام منها اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى ثم يعرج علي زمزم المباركة ويكثر من شرب مائها المبارك فماء زمزم لما شرب له فإن شربته للشفاء شفاك الله وإن شربته تستعيذ أعاذك الله وإن شربته لشبعك فاشبعك الله وهي هزمة جبريل وسقيا اسماعيل واعلم أخي الحاج وفقك الله وبلغك مناك بأن الحج إلي البيت العتيق يقوي الإيمان ويثبت العقيد ويؤثر فى الاخلاق ويحسن العبادات وينفي الفقر ويوجه إلى البر والخير ويدعو للصلاح والتقوى والتعاطف والتراحم والتعاون وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. والحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه خطيئة وكذا إذا قضى آخر طوافه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج ولو تطوعاً أفضل من الغزو مالم يتعين والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة والحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبيث الحديد والذهب. وفي الحديث الشريف أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد حج مبرور. مكانة الحج بين أركان الاسلام ويقول الباحث أحمد عمر النعمة: الحج نهاية الأركان في الاسلام, ووقته آخر شهر من شهور العام سمي بذي الحجة وذلك اشارة من الله المشرع الحكيم إلى ان نهاية مطاف الانسان في عمره هي قدومه على ربه, فعمر الانسان يَعّده بالسنين والأعوام, فحتى لا ينسي الإنسان المسلم هذا القدوم, ويشغل عنه بزخارف الحياة الدنيا, أوجب الله على المسلمين في مجموعهم قدوماً عليه في بيته المحرم كل عام, وجعله الركن الخامس والختام من أركان الإسلام, وأوجب عليهم أن يكون لباسهم أشبه ما يكون بأكفان الموتى الذين ودعوا الأهل والولد والمال والأوطان, وقدموا على الله, ووقفوا في ساحة الرضوان من أرض المناسك في الشهر الحرام بين الجبال والوهاد, بعيدين عن زحمة الدنيا وغرورها, يلبون ويكبرون, ويعجون بالدعاء ويتضرعون, ويشهدون ربهم وهم عراة الرؤوس حفاة الاقدام بأنهم كانوا فيما مضى من عمرهم عند شريعة ربهم فأتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, وفي كل وقت من أوقات عمرهم لله فيه شرع أقاموه, فأقاموا الصلاة في أوقاتها, وأخرجوا زكاة أموالهم بمقاديرها ومواعيدها, وصاموا رمضان, وجاهدوا أنفسهم الامارة بالسوء في كل موقع من مواقع حياتهم, فكانوا في رحلة داخلية طول العام مع انفسهم لا يعلم بها إلا الذي خلقها واقسم بها حيث قال تعالى: (ونفس وما سواها وألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها لندائه, في رحاب بيته الكريم الذي كان منذ القدم ولا يزال مجمعاً للملائكة الأبرار والأنبياء المصطفين لا خيار أمناً للخائفين وملاذاً للعائذين. والذي رفع قواعده الخليل ابراهيم عليه السلام, وأعلى الله قدره ورفع ذكره في القرآن الكريم فقال تعالي: (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, ربطاً لحلقات تاريخ الانسانية المؤمنة بربها, وشكراً له علي نعمة التوفيق في مسيرة الماضي من حياتها, والدعاء بدوام التوفيق في مستقبلها. واشهاداً للعوالم من حولهم بأننا مسلمون, وعلى ملة أبينا ابراهيم سائرون. ويضيف الباحث أحمد عمر النعمة: أرايتم, ان الرباط محكم بين اركان الاسلام لأنه دين الله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) . فالشهادة باب الدخول في الاسلام, والصلاة رحلة بين يدي الله في مواقع العمل في مناكب الأرض وسهولها, والزكاة رحلة بين يدي المال يعزل فيه حق الله المعلوم للسائل والمحروم, ورمضان رحلة مع النفس داخلية تمهيداً لرحلة الحج الخارجية إلى الله, ورحلة الحج الخارجية إلى بيت الله تذكير للرحلة النهائية من هذه الحياة والوقوف بين يدي الله يوم القيامة وقد اشارت إلى ذلك الآيات الأولى من سورة الحج فيقول تعالي: (يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما بهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) . هذا هو الحج ركن الاسلام الخامس, وهو القصد إلى بيت الله بمكة المكرمة, وتأدية المناسك فيه وحوله بأمر الله, طواف حول الكعبة سبعاً, وسعي بين الصفا والمروة سمعاً لله وطوعاً ومبيت بمني ووقوف بعرفة ورمي الجمار, ودوام التلبية والتهليل والتكبير, ونحر الضحايا في أماكن شهدت أعظم مثل في التضحية والفداء كل ذلك في خشوع وخضوع وخوف ورجاء وبعد عن اللغو والرفث والفسوق والعصيان فالله تعالى يقول (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) . ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق فلا ينكسو أركان الاسلام, أو يقيموا ركنا ويهدموا أركاناً, ناس من المسلمين لا يصلون ولا يصومون ولا يخرجون زكاة أموالهم ولا يتنزهون عن الربا, وأكل أموال اليتامي, واستغلال العباد في البيع والشراء فهؤلاء لا حج لهم مقبول ولا تلبية ودعاء مرفوع. رباط مادي ويضيف الباحث أحمد عمر النعمة: للمؤمنين بالله في الأرض منذ الأزل رباطان, رباط روحي وهو جماع أركان الاسلام وهو دين الله الذي قال فيه: (إن الدين عند الله الاسلام) ورباط مادي: أرسى قواعده في الأرض تجاه البيت المعمور في السماء وهو الكعبة البيت الحرام, وهو المكان الذي اختاره الله عز وجل لنفسه ليكون مسجداً يتقرب فيه المتقربون, ويتعبد إليه فيه المتعبدون, وسماه الحرام, لأنه يحرم فيه ما لا يحرم في غيره. والمساجد بيوت الله باختيار البشر والكعبة بيت الله باختيار الله سبحانه, لذا فالمساجد تتجه إلى البيت الذي اختاره الله بنفسه, فالكعبة أصل, والمساجد تبع. هذا البيت أي البيت الحرام ألقى الله عز وجل في رحابه الأمن والأمان, ودعاهم إلى الطواف حوله كل عام ليتعارفوا ويشهدوا منافع لهم, ويجددوا العهد بين يدي ربهم, وسماه في القرآن المسجد الحرام فقال تعالي (سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فهو أول مسجد وضعه الله في الأرض متعبداً لعباده, إليه تتجه ذوات الملايين من المسلمين في اقطار الارض عند كل صلاة وفي كل عام تهفوا لرؤيته والطواف حوله قلوب الموحدين من كل عمران وفلاة. أمان الخائف وملاذ العائذ ترد إليه ثمرات كل الأرض بأمر الله قال تعالى (أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويُتخطف الناس من حولهم) . كما قال عز شأنه (أولم نمكّن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدناّ) ومن رحابه تفجرت ينابيع الهداية للبشرية لتستقيم لها الحياة, وهو في مكان الوسط من الأرض تجاه البيت المعمور في السماء ومكة من حوله أم القرى, ومقامها من أجله مرفوع بين الورى, بنته الملائكة بأمر الله وحرمه الله يوم خلق الأرض والسماء. فهو محفوظ بحفظ الله, تفد إليه وتطوف حوله الأمم أمة بعد أمة وتتعاقب على رعايته الرسل. فكان رباطاً وثيقاً لأوائل الانسانية المؤمنة بأواخرها حتى اذا أراد الله للرسالة بالختام وبعث في رحاب البيت الحرام مسك الختام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة الخليل ابراهيم التي سجلها الله في القرآن بقوله (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك انت العزيز الحكيم) فكان الرباط أحكم, وحجة الله على الانسانية أوضح وأتم. نسب شامل ورابطة جامعة للمسلمين في أقطار تآخى في ظلالها العجمي والعربي والأسود والأبيض يذكرونه في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه, سواء علموا بالحكمة أو خفيت عليهم, وسيظل البيت الحرام على القرب والبعد أمناً ومنسكاً للذين استمعوا إلى نداء الخليل ابراهيم من فوق جبل الصفا (يا أيها الناس إن الله بنى لكم بيتا فحجوه) ومن بعده مجدداً للنداء رسول الله صلى الله وسلم إذ قال بين الجموع المسلمة (أيها الناس: إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا (فيستجيب المسلمون وتفد إلى بيت الله وفودهم القادرة, معتمرين وحاجين ليشهدوا منافع لهم, وتزداد أواصر القربى بينهم, وتنزاح من بينهم فوارق المعايش واللون واللسان, ويقارنوا حاضرهم بماضيهم ويجددوا العهد لربهم تلبية وتهليلاً وتكبيراً يستلمون الحجر الأسود رمز يمين الله فى الأرض. هذا هو البيت الحرام ورسالته بين الناس, فسبحان المشرع الحكيم جمع عباده على كلمة سواء وقبله هي للجميع رباط وضياء, حتى لا تختلف بالمسلمين الأهواء, أيها المسلمون فى أقطار الأرض, اتقوا الله جميعاً, فربكم واحد, وقبلتكم واحدة ومناسككم واحدة توحي إليكم أن اتحدوا وأصلحوا ذات بينكم, ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم, وعودوا إلى شريعة الله إخواناً تسعد بكم الحياة, ويهييء لكم من أمركم رشداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فلنستفد من حكمة الحج ونصلح ذات بيننا وندعو لبعضنا في هذه الايام لعل الله ان يصلح أحوالنا ويكفينا شر عدونا.