الاثنين مابين زيارتين اول زيارة الى سلطنة عمان في عام اربعة وتسعين. ثاني زيارة الاسبوع الماضي. في المرة الاولى صحبني صديق عزيز, ومثقف عربي كبير, شديد التواضع, هكذا عرفت احمد الفلاحي في مصر , منذ سبع سنوات صحبني في رحلة الى داخل عمان, والداخل تعني المنطقة التي تقع في الوسط بعيدا عن البحر , الوسط حيث (نزوى) المركز الروحي والثقافي لعمان, وجبرين حيث الحصن الفريد الذي وصفته في الدفتر الاول من دفاتر تدوين (خلسات الكرى) وكذلك الجبل الاخضر. تعرفت الى نظام الري الفريد عبر الافلاج وانشغلت به منذ ذلك الحين حتى قرر لي ان امضي مرة اخرى الى مسارات المياه التي حفرها الانسان عبرالرمال والصخور, يحار الانسان امام تدفق المياه الصافية, النادرة, ما القوة الخفية التي تدفعها؟ من اين والى اين؟ اشعر بالاسى امام الافلاج الجافة او التي قل الماء بها نتيجة الجفاف, ادعو الله ان يسقط المطر هذا العام بغزارة, منذ عامين والجفاف مستمر, لو دخل العام الثالث, كما اخبرني احد الاصدقاء, فسيكون ذلك صعبا, صعب على البشر والارض, على الحياة, ومنذ عرفت ارتباط توزيع الماء في الافلاج طبقا لنظام كوني مرتبط بالشمس والنجوم تزايد فضولي ورحت احاول فهمه. الجمعة افلاج الافلاج اساس الحياة الزراعية والادارية في عمان, وتعد من اهم مقومات الحياة, الافلاج جمع فلج اي فلق في الارض, وهي منظومة من الممرات المائية التي تنظم توزيع المياه على الحقول وعلى الناس, تعتمد على مياره الابار التي تستمد مخزونها من مياه الامطار, والمياه الجوفية, ويتبع مستوى المياه في الافلاج غزارة او شح المطر, وموسم الامطار في عمان يكون في الصيف, انها نفس الامطار الموسمية التي تنزل ايضا على هضبة الحبشة ومنها يبدأ تكوين نهر النيل, هناك نظام قديم دقيق لتوزيع مياه الافلاج, وتعتمد الساعة الشمسية التي تعتمد على حركة الظل لتقسيم المياه, فلكل جهة او مجموعة او قبيلة او اسرة ساعة محددة تتبع النظام الشمسي, فكأن النظام يتبع النظام الكوني نفسه لدقة الامر وحيوية المياه للبشر وللارض وللزرع ولكافة عناصر الحياة, الافلاج لها ملكية وتورث, قد تؤجر حينا من الوقت, ويتبع تدفق المياه نظاما تراتيبيا دقيقا, في بداية الفلج تكون مصادر مياه الشرب ويكون المسجد ايضا, ومياه الوضوء, ثم تكون مياه الغسيل, وبعد ذلك المياه اللازمة للزرع بالقرب من مسقط رأيت فلجا تتدفق مياهه, وعلى جانبيه بعض النساء يغسلن ملابسهن بالصابون, ورجل يغسل اجزاء من سيارة. رحت اتبع تدفق المياه الهادىء البطىء, النادر, كانت الافلاج تبدو لي عروقا من الصخر تكفل استمرار الحياة وانتشارها. الاحد الفلج ليلا وعمة البشر اهتمامي يتزايد بالافلاج, تلك القنوات المائية المحفورة بدقة وعناية عبرالصخور والرمال لتنظيم توزيع المياه, في النهار تقسم ساعاته الى اربعة وعشرين قسما, كل منها يسمى اثرا, الاثر يساوي نصف ساعة ويتم تحديده بحركة الظل. ماذا عن الليل؟ في الليل بعد مغيب الشمس يتم تحديد انصبة المياه طبقا لحركة النجوم وظهورها في مواقع محددة بالسماء, وسماء عمان شديدة الصفاء مزدحمة بالنجوم, واضحة, جلية, في الطريق من نزوى الى مسقط توقفت عند واحد من اهم افلاج عمان (الدسر يتدفق الماء فيه صافيا, رقراقا, تسبح فيه اسماك صغيرة, ابديت دهشتي لكن مرافقي قال ان هذه الاسماك تضمن نقاء المياه, اذ انها تعيش على الطحالب التي تنمو ويمكن ان تعكر صفو المياه, في هذا العام استمر شح نزول الامطار, رأيت المياه في الافلاج منخفضة, بينما اثار حزني جفاف اشجار النخيل وتحول لونها الى اصفر باهت, ان موت نخلة امر محزن فالنخيل من الاشجار النادرة, متعددة الفوائد والعطاء الى جانب انها تعد عمة البشر في الموروث الصوفي, اذ تقول القصة المتداولة في المصادر الصوفية ان الله بعد ان خلق آدم من طين بقيت فضلة صغيرة خلق منها النخلة لذلك يعتبرها المتصوفة عمة البشر. الجمعة: سوق السمك من البحر مباشرة الى الشاطىء, الى المشتري, الصيادون يفرزون الاسماك من الشباك, آخرون يفرشون امامهم الانواع المختلفة, تختلط بتراب الشاطىء لكن الاهم انها طازجة بعضها مازال يبلبط, تذكرت اسماء القراميط النيلية التي تقضي وقتا طويلا بعد صيدها في قفف الخوص, الملابس التقليدية العمانية, القوارب, ملامح الصيادين, اثق انها لم تتغير منذ قرون عديدة, اهتم دائما باسماء السمك, الانواع واحدة لكن الاسماء تختلف من شاطىء الى آخر, ومن بلد الى بلد, اشهر الانواع هنا هو ما يقابل (الوقار) في مصر, اما (الهامور فسمك لايوجد الا في الخليج والبحر الاحمر ـ التونة لاتتغير ـ السلطان ابراهيم في مصر يسمى ايضا البريون. للسوق نظام صارم رغم تلقائيته البادية, اهم شخصية هنا ابو موسى, رجل متقدم في العمر مسموع الكلمة بمجرد خروج السمك من البحر يجيىء ويوقف الصياد, يتطلع الى السمك, ينطق بالسعر, واحد ريال, اثنان ريال, ولا يعارضه احد, كلمته نافذة. حكى لي صديق عزيز يعيش في سلطنة عمان انه جاء الى السوق مبكرا, رأى صيادا يخرج من البحر ممسكا بسمكة هامور ضخمة ماتزال تحاول الفلفصة, لم تفارقها الحياة بعد, اصر على شرائها, سأل الصياد: بكم؟ قال: سبعة ريالات. لم يناقشه, ادرك الصياد الذكي انه يريد السمكة, السعر يعتبر مرتفعا لكن صاحبي راغب فيها, هنا جاء ابو موسى, تطلع الى السمكة, لمسها بعصاه, قال: اربعة ريالات: ولم يستطع الصياد ان يفاصل او يناقش, كلمة ابو موسى فوق الجميع ولابد من الاصغاء اليها. الجمعة ليلا: الميناء/ مسقط للمرة الثانية اجيىء الى هذا الميناء العريق, العتيق, العتاقة نتاج عناصر عديدة, اهمها تراكم التاريخ, وتوالي الازمنة على العمارة والمكان, المباني التي تنتظم مطلة على البحر على هيئة شبه دائرة, تبدو المباني المتجاورة كأنها واجهة واحدة مقسمة اذا نظر اليها من بعيد, لكن الاقتراب منها يؤدي الى عوالم مختلفة, احد الابواب يؤدي الى منطقة مغلقة تقريبا, ازقتها ضيقة, دروبها كالمتاهة التي تفتح على الداخل, هنا يعيش اللوانية, وهم شيعة ولهم حضور بارز في عمان, احد المداخل يؤدي الى سوق مغطى, انه السوق القديم, مغطى بالحصير الملون لاتقاء الشمس نهارا, المتاجر تعرض السلع التقليدية, بدءا من اغطية الرأس الشهيرة الى الخناجر المصنوعة من الفضة الخالصة والمعدن, والفضة القديمة, ايضا العطور العمانية, وللعطور هنا شهرة, تصنع من الورد والياسمين والصندل, وتتراوح اسعارها بين المرتفع النادر والرخيص الذائع, وقد عرفت عطور عمان منذ زيارتها الاولى, واثق انه لو اتيح للانواع الراقية منها الذيوع فسوف تكون من اشهر انواع العطور في العالم, السوق يتكون من ممرين رئيسين يشبهان الاسواق العربية التقليدية, وتصل بينهما دروب صغيرة, وفي السوق مساجد صغيرة تحتوي على دورات مياه بها (أدشاش) للاستحمام في الصيف الذي يكون ثقيل الحر خاصة على التجار الذين يقضون أوقاتا طويلة هنا, في السوق أجانب أوروبيون يسعون في السوق, والملاحظ ازدياد السائحين, خاصة من ألمانيا, ومعظمهم يتجه الى الصحراء, وما نرجوه الا تغير السياحة المتزايدة الطبيعة الخاصة لعمان والتي لاتزال تحتفظ بالكثير من خصائصها. ومن أهم ما تحتفظ به عمان نظام الري بالأفلاج الذي أصبح شاغلي, خاصة توزيع المياه طبقا لنظام دقيق, مغرق في القدم, والى حديث مفصل عنه.