بقلم الحسن محمد المختار قصتنا بدأت بسيطة, وبسرعة فرضت نفسها كطرف آخر, في بيت اصبح مسكونا بثلاثة اطراف تتجاذب دون رحمة: زوجتي نعيمة, وصاحبها, وانا طبعا. ومع مرور الوقت اصبح بيني وبين نعيمة وصاحبها, سور الصين العظيم, وشاءت الظروف ان تكون القصة بوابة براندنبورج في منتصف السور . اما ضحية هذه الحرب الاهلية, فلنقل انه البيت نفسه: ادخل متسمرا مرهقا من زحام شارع الملاحة, فأجدها منزوية عاكفة على القلم والاوراق, او لاهية متسمرة امام شاشة حاسوبها الشخصي, ترقص الفأرة يمنة ويسرة, ومثل الضيف ألقي السلام مرتبكا خجولا وانسحب, لتبدأ الجولة اليومية في متحف التاريخ الطبيعي: المطبخ: دمار شامل, وعرض بري متوحش, غرفة النوم: ودعت قبل قليل فرقة من المهرجين الاشقياء, الممر: سوق الاوابد والعاديات, الصالون: بيكاسو مر من هنا في مرحلته الزرقاء, الحمام: ذكريات السيرك وأنغام التروبادور, المرآة: قال الشاعر: مهجورة نفسي كذاكرة الراهب في اليوم الاغر, مقفرة كأرصفة الميناء عند الفجر, ونعيمة!؟ وما ادراك ما نعيمة؟ تفكر في صاحبها, او تكتب دون انقطاع. يبدو ان الحصار الذي تفرضه علي مازال ساري المفعول, وعند ظهرها اقرأ كعب الكتاب بصعوبة (النساء العالمات) , قلت بصوت مسموع (لعنة الله على موليير) , لم الفت انتباهها على الارجح, فهي مشغولة, انها تكتب. وفي ركن قصي من المطبخ وجدت نفسي اتساءل: ماذا تراها تكتب؟ هل قررت مثلا ان تكتب وصيتها قبل ان تلحق بالصالحين؟ هل استسلمت اخيرا لكتابة سيرتها الذاتية مثلما يفعل المنسحبون قبل الاوان؟ ام انها تدبج اثناء كل هذه المكابدات بيانها رقم واحد, لأستيقظ في احد الايام القادمة, فأجده موضوعا عند رأسي, واكتشف انها قد اطلقت ساقيها للريح مع صاحبها؟ لاشك ان شيئا ما, يدفع هذه السيدة الى ان تحدب على مهنة الوراقين؟ شيء ما؟ خطب جلل؟! لكن ماهو؟ ادفع نصف عمري لمن يعرف! منذ قررت فرض الحصار علي في هذا البيت حدثت اشياء مريبة, كلها تؤكد ان شيئا ما غير طبيعي يدور في رأس هذه السيدة, وان ثمة شخصا ماجاء من آخر الصفوف, واحتل مكانة متقدمة في قلبها, ظللت اتساءل, واتساءل, وفي النهاية اقلعت عن التفكير في كل هذه الاسئلة دفعة واحدة, بعدما توصلت الى قناعة تامة, ان الامر, اقرب بكثير مما كنت اتصور, لقد اشتططت بعيدا, وذهبت بي الظنون مذاهبها, فنعيمة ببساطة شديدة في حياتها صاحب جديد, وهي بانتظام تكتب له رسائل درامية, او شيئا من هذا القبيل, كأني أراه الآن يتزحلق وسط عبارات الغنج والدلال, ويترنح على الجمل المائعة, لا يعرف ان كان في نوبة دوار, ام ان الارض هي التي تدور به؟ اراه الان يجهد عينيه, يفتحهما على اخر مقاس متحسرا على رسم القلب تخترقه السهام من اليمين ومن اليسار ومع ذلك, ورغم كل شيء, كان في مقدوري شخصيا ان اتغاضى عن خيانة كهذه واتركها, تكتب وتكتب ما شاءت وارفع لوحة على ركني من المكتبة, مكتوبا عليها: (ياجاري انت في دارك وانا في داري) ثم اقنع بحسن الجوار, لكن زحام الحواس الذي اصبح البيت ينوء تحت وطأته فوت علي هذه الفرصة, فمن يستطيع ان يتحمل هذا الوضع؟ زوجتي تكتب رسائل الغرام, وتسكن معنا في البيت صاحبها, ثالث الاثنين, مجنون بني عامر؟! لم اجتمع بنعيمة في يوم من الايام الا كان ثالثنا, رائحته تعج بها زوايا البيت الاربع, وفي كل ركن له ذكريات. الوضع اذن لم يعد يطاق, الصبر له حدود, وهي كأنها لم تفعل شيئا, فهي مازالت تكتب وتفكر, وتفكر وتكتب, صحيح ان التسامح من شيم الكرام, لكن حتى لو سلمنا بهذه, فالاخرون لا يسلمون, وعليه فمن يضمن لي ان ما تكتبه هذه السيدة, المنفتحة على الانترنت والبريد الالكتروني, ليس من ضمن المحظورات؟ من يضمن ان ما تكتبه مأمون العواقب؟ انا اعرف ان كل شاة تعلق برجلها لا برجل غيرها, لكنني اعرف ايضا انني في النهاية, في نهاية النهاية, مسئول عما تكتب نعيمة بحكم كونها زوجتي. بهذا الطريق, تحتم علي, بعد تفكير عميق في العواقب, ان اجد تسوية ترضي جميع الاطراف, لقصتي مع نعيمة, وكان اقرب الحلول احد امرين لا ثالث لهما: اما ان اقبض على صاحب نعيمة بالجرم المشهود, واسلمه الى جهة ما, واما ان اضع يدي, يدي هذه, على ما تكتب هي, لعلي افك من ورائه طلاسم هذه العلاقة المشبوهة, لكن دون جدوى, فصاحبها على ما يبدو, شخصية زئبقية, يمتلك كفاءة عالية في التخفي والتقنع, فهو يدخل البيت من اضيق الثقوب, ويتوارى في جزء من الثانية, اما الوصول الى اوراق نعيمة, رسائل غرامها, فليس اقرب منالا, فهي في كل مرة تخفي اوراقها في مكان مختلف, وقد وضعت زيادة في الاحتياط على ملفات حاسوبها الشخصي تحصينات واستحكامات لا يمكن اختراقها تقريبا, وكان لزاما علي ان ارسم خططا مبتكرة لمباغتة صاحبها, رجعت للبيت في اوقات الدوام الرسمي, نهضت وبيدي العصا في الهزيع الاخير, مشيت على رؤوس الاصابع, وقفت امام المرآة وضعت اكثر ما يمكن ان يخيف من الايماءات, مررت شفر يدي على رقبتي مرات ومرات, فتشت كل الزوايا والطوايا, لكن دون فائدة, جثوت في السرير والعصا الى جانبي, احسست كأنني انداح في واد سحيق, فقدت الشعور بالوزن, في هذه اللحظة, ومع تواصل طفرة الانحدار المفاجئ الرهيب, رأيت صاحب نعيمة, بشحمه ولحمه, نزل من على صهوة حصانه الابيض, ثم وقف تحت النافذة, مقابل شرفتنا, اطلق حمامة زاجلة تمسك بمنقارها ورقة, وعندما استلمت زوجتي الورقة, تمططت, مدت جناحيها, وفي نفس المستوى كانت ترفرف بجناحيها, تتبادل احاديث الغرام مع صاحبها, صرخت بأعلى صوتي: (لا.. لا) احسست بهدهدة وربت متواتر ويد باردة على كتفي: سمّي يا راجل..! جيتي الحمد لله عالسلامة؟ سمّي ايش بيك انتا شارب حاجة؟! هبَّلت؟!! لما استيقظت ضاعت مني ملامحه, للأسف, ذاكرتي لم تعد قوية, لكن مهما يكن, سأمسك به, فكرت في الاستعانة بالجهات المختصة, ليس عيبا ان اطلب العون في البحث عن هذا الشخص المشبوه, او على الاقل ان اطلب الاستشارة الفنية للعثور على اوراق نعيمة, لكن, من اين لي ان اجد لدى الجهات المختصة حلا مثمرا لهذه الازمة؟ ان اقصى ما استطيع فعله, ان اذهب الى نقطة الدرك الوطني, واحرر بلاغا, وعندها سيقع على الارجح مالا تحمد عقباه, كل ما في الامر ان رجلا حسن الصنع, مرصعا بالنحاس من الفه الى يائه, سيدخل بيتنا وبيده القلادة, سيد وربه هنا وهناك, ومع ثقتي الشديدة في قدرة ذلك الكائن على الشم, فإنني لا آمن ما سيكتشف, فقد يرمي من اول وهلة اوراق نعيمة وصاحبها امامي, ويفضحهما بنبحة او نبحتين, لكن لأنه جاء في مأمورية رسمية, فسيكون خروجه, من بيتنا, بيده هو في النهاية, لابيدي انا. فكرت في مصلحة الآثار, فالعثور على كنز اوراق نعيمة, ربما يحتاج الى قدر من التنقيب, اكثر من جهود شخص واحد, بسرعة احجمت, لأنني لا اضمن ان هذه المصلحة وبعد حفريات مضنية, في بيتنا, لن تخرج الماعون, والشراشف والوسائد, وحقائبنا واغراضنا الشخصية, وتعلن انها اكتشفت اثارا فينيقية, ثم يأتي احد مديري المصلحة, ببدلته الكحلية, وعند الباب, يربت على اكتافنا مرة او مرتين: (مع السلامة) , نتشرد نحن, لتستلم المصلحة بيتنا, بحجة انه تراث يخص الانسانية جمعاء, كأنى اراهم الآن يعرضون قدرنا الكبير وقد كتبت عليه بجميع اللغات الحية, عبارة (خوذة هانيبال) , والى جانبه اوراق نعيمة, المكتوب عليها (اربعون ورقة بردى, تحوي الصيغة الفينيقية لقوانين حمورابي) . واخيرا, فكرت في البلدية, لاشك ان استخراج دفائن نعيمة وصاحبها يقتضي تدخلا حازما, من جهة مختصة في الحفر, لم ار في حياتي عمال البلدية, وهم يرفلون في ملابسهم السماوية الكدرة, الا وهم يحفرون, يبحثون عن شيء ما, في شارع جمال يحفرون اخاديد سحيقة بحثا عن ماسورة مياه مكسورة, في ميدان الشهداء يوطئون لأعمدة الضغط العالي, في منتزه الزعتر يحفرون هوة لتسليك البالوعات, وامام الجريدة, حفروا امس, خنادق وانفاقا, راحت طوابي الرمل المبلل والمحار, تشمخ كالقلاع على حواف زلاقاتها واهوارها العفنة, ونكاية فيهم, عنونت زاويتي اليومية, في الجريدة, غدا, البلدية تبحث عن كنز, ما علينا, حتى البلدية, لو تدخلت غدا, فما اراها قادرة على المساعدة في العثور على صاحب نعيمة, ولا على اوراقها. يا أزمة اشتدي تنفرجي, وامام عجز الجهات المختصة, جاء الفرج اقرب بكثير مما كنت اتصور, كنت اعرف ان فاعل خير, هو من سيمكنني من تلك الاوراق, رأيت بعيني نعيمة تطوي رزمة اوراق في محفظتها, ادخلت ذراعها, راحت حمائل المحفظة الجلدية, تحزّ في منكبها, وعند الباب ادلت بتصريح مقتضب, فهمت منه انها ستظل اليوم عند امها, وستعودان معا, قلت معا, عند العصر, ما ان مرت برهة حتى سمعت صراخها في الشارع, ووسط الجلبة, امسكت بذراعها الى النقطة, وحررنا محضرا: (ان نشالا خطف حقيبة السيدة نعيمة: احمر شفاه اوراق شخصية, ورقة عقد, مئتا اوقية, وعند باب اهلها ودعتها, العصر اعود, وما ان عدت حتى فتح الله علي, قلت: اشهر نشال في هذه الحارة عليوة الفرطاس, لماذا لا ابحث عنه؟ عند مدخل الشارع قابلت اطفال الجيران ووجوههم ملطخة بالاحمر, وعن بعد, لمحت عليوة, واقفا عند ناصية الشارع ويده في جيبه. كثير من الناس, لا يفهمون لماذا يد عليوة الفرطاس مغلولة دائما في جيبه, لكن عندما تسلم عليه تفهم, انه يخفي فيها مشرطه, الذي يقطع به الاشياء, وعندما قابلته, استقبلته بشيء من الادب وطلبت معونته في العثور على اوراق, فقط اوراق, كانت في الحقيبة, ادخلت مئة اوقية في جيبه, بشيء من الاستعراض رق عليوة لحالي ودخل على الخط: الشنطة كان فيها هالورق, واحمر شفايف. ليش لوّحت احمر الشفايف, فروخ الجيران خبزوا بيه وجوههم؟ ذنبهم على جنبهم. طير من قدّامي انت او هوما. دخلت غرفة المكتبة, وحدث ما كنت اتوقع بالضبط, نعيمة, في الاحوال العادية, اذا قلت لها (السلام عليكم) اراهن ان ردها سيكون احد امرين: اما ان تنخرط بحرقة في نوبة بكاء حاد, واما ان تروي سيرة بني هلال, تبدأ من بدايتها, ولا تنتهي الا مع نهايتها, وفي اوراق الغراميات, يبدو انها اختارت الفعلة الاخيرة, وشاءت المقادير ان تفضح صاحبها, الذي جاءته, بلاغة نعيمة المقعرة, كارثة على المقاس, هاكم ما كتبت عنه, من اول يوم تعرفت عليه: (بداية قصتي مع الاستاذ اغرب من الغرابة, كنت ادور دورة واسعة في الصالون, واسلم على جميع الموجودين, قبل الاقدام على السلام عليه. اشياء كثيرة كانت تنفرني منه, اهولها نظراته الفاحصة, وآخرها ضغطة بيده الخشبية على ايدي الناس, اما ان وجد فرصة لاطلاق شائعة, او لإلقاء نكتة, فلا تسألوا عن ثقل الدم وزئبقية الملامح, ومع ذلك يجاملونه بضحكات متواصلة, وينخرط هو في استعراض مؤسف لملامحه على مسرح الحاضرين, وانا منهم, لسوء الحظ: الكرش المندلق يهتز دون رحمة مع كل ضحكة, العينان البوميتان تدوران بسرعة في محجريهما, الانف مثل ضفطع كبير جاثم فوق شفتين خاليتين من الرشاقة, ومن حين لآخر يمرر يده, وكأنه يفلي بأصابعه للاطمئنان على تسريحة تذكرني بمكنسة ريش النعام التي ترقد في سبات عميق فوق التلفاز. تقاربت زياراته لنا, ثم اصبحت يومية, وبسرعة اصبح تردده قبيل القصة بأيام, مثل الحمية الشاقة لحبوب المستشفى: واحدة صباحا, وواحدة عند الظهر, واخرى عند العشاء, وازدادت تحرشاته, ولم يكتف بهذا, بل انه على ما يبدو, ومثلما يفعل المترشحون في البلديات, فتح مكتب تسويق ودعاية له في بيتنا, وكانت امي وزبيدة جارتنا, هما مندوبتا التسويق, حيث لم يعد لهما من شغل سوى مدحه, وتسارعت الامور, وفي احد الايام, ايام الخميس, كان ابي في الجامع, وامي تعدل القناة, ولاحظت انه اصبح يحاول ان يلكز المارة بقدمة, وسمعته يتحدث عن المنحوسة حبيبته, قال انها (غزال شارد) وانها (سرقت عنق الغزيل وخطفت فم العجيلة) . عدلت امي المرئية, وجلست بيننا على الكنبة, امسكت الحديث من اخر خيط, وكأن هذا الغزل الهلالي دخل من الاذن اليمنى وخرج من اليسرى, لا من رأي ولا من سمع, اندفعت وأغلقت خلفي باب الصالون بقوة, وفي غرفتي دسست وجهي وسط الشراشف والوسائد, لكنها دخلت ورائي وامسكت كتفي بقوة: طيح سعدك انتي مهبولة, ايش بيك انتيَّا؟! ايش بيَّا, ما اسمعتي؟ هذا خطيبك يهديك ربي, خمسه واخميسه عليك. هذا خطيبي؟ اويلاه.. ايش ينقصو؟! بن عمّك. راجل محترم. فصاحي فالجريداة. راجل محترم, ما قلنا شي, صحافي, ما قلنا شي, بس انا ماهوش داخل فادماغي, يعني ماهوش رايق لي. ماشا الله, ماشا الله, صار عندك لسان, يالزايفة, يا اللي مانكش خايفة, سكري اقبل يسمع بوك خرافة امي سيسي اللي تقوليها, واكسر لك فمك, شنهي هاذي الخرافة؟ نحنا ماعندنا هالكلام. اللي نعرفو: البنت ينقال لها تتجوز معناها تتجوز, اسمعتيني واللا ايش بدك؟ لعنة الله على القرابة او عالمسلسلات. قالت: ماهوش داخل فادماغي! زين لحين تشوفي كيف يدخل او كيف يروق لك. اغلقت خلفها الباب بقوة, وبسرعة اعلنت حالة الطوارئ في البيت, فجاءت خالتي مفيدة, وزبيدة جارتنا, وحفتا بي: يا نعيمة, هنيالك, انتي محظوظة, صدقيني محظوظة: عندك ازهر. يانعيمة, بختك ايجنن, ابعد السوء اعليك ايش بيك؟ يا نعيمة افتحي عينيك لا يطير منك سعدك. المراهاذ اللي تريد: احنا النساوين الواحدة منا تجوّز, تأكل القوت, تستنا الموت. انشا الله لباس, وحدا ايجيها بن عمها او ما تحب!؟! دخلت امي, وما ان ارتسمت زهرة خاطفة بدل عينها اليسرى, حتى خرجت عني المرأتان, تحدرت دمعة سريعة, وعندما اصطدمت بالخال, شاكسها على ما يبدو, بدأت تتحدر ببطء, ووسط النشيج والدموع المتحدرة, بدأت تعدد على اصابعها: فصاحي, يعرف ما افكرو فيه الناس, الشكل ماهوش مهم, الراجل ابكمالو, لا بجمالو, ابقات حكاية دخولو فادماغك, يابنتي خليك من خرافة الحب, واكلام البطالة والمسلسلات وشلة الزنق, ريحيني يهديك ربي. خليها, نعيمة عاقلة. قالها ابي عندما دخل بهدوء, وعندما جلس الى جانبي قال (اعملي لها كاس عصير) , وفي هذه الاثناء بدأت اسمع الاصوات في الصالون تزداد, وفي كل مرة, ومع مقدم كل فوج جديد, من النساء, ترتفع الزغاريد, اذن يبدو ان الجماعة قطعوا الشك بالعرس, واخيرا دخل اخي الصغير سعدي وهو يلهث: (بابا قالولك, سيدنا المرابط جاء) . دخل سعدي الصغير وهو يحمل كأس البرتقال: نعيمة, عرفتي عندنا عرس. عرس من ؟!؟ عرس ماما, ايش بيك حاطة راسك بين ايديك, هذي لعبة جديدة؟ راسي قريب ينفجر, تعالي, ايش بيك سعدي؟ خايف راسك ينفجر عليا. خرج سعدي مسرعا قبل ان ينفجر رأسي عليه, تناولت انا الكأس, ارتشفته, اما ما حدث بعد ذلك, فأغرب من الغرابة, وليس عندي الآن, وبعد كل هذا الزمن, تفسير له, الا ان يكون سحر قد وضع في العصير, هذا اقل تفسير يمكن ان ارضى به الآن, غرابة في غرابة, واعجوبة في اعجوبة. توقفت عند هذه النقطة من اوراق نعيمة, صاحبها اذن, كرشه مندلق, عيناه بوميتان, شفتاه خاليتان من الرشاقة, اعترف لهذه السيدة الالكترونية بالقدرة على التضليل, كل الاشخاص الذين اعرفهم لا تنطبق عليهم هذه المواصفات, مع ذلك ان لم تخني الذاكرة, هذا الشخص اعرفه, انه صاحب الحمام, كنت في الطائرة, على ارتفاع اثنتين وثلاثين الف قدم, فتحت حمام الطائرة, فاجأني الشخص الموجود في الحمام, محرجا اغلقت الباب ورجعت لمقعدي, وظلت اراقب الحمام, ووصلنا, ودخلنا المطار, وغادرته, ولم يظهر لذلك الشخص الزئبقي اي اثر, يبدو انه استطاب البقاء هناك في الطائرة. عموما مازلت لم امسك به, يا ازمة اشتدي تنفجري, قلبت الصفحة: ما حدث انني وجدت نفسي مع تزايد الزغاريد, اخرج عن طوري, اصبحت في حالة انتشاء غير عادية, قفزت من تلقاء نفسي, بحثت عن الفستان الاحمر الجديد اجمل فساتيني وقفت امام المرآة امشط شعري, اكاد اقفز من الفرح, في نفسي, عتبت على امي, لأنها ذهبت لتوقع بدال مني عند سيدنا المرابط على ورقة العقد, الم يقل سعدي الصغير انه عرس ماما, كان يوم العرس طويلا اكثر مما يجب, وفي اول لقاء, ازاح طرف الفستان الابيض عن وجهي الباسم, كشر عن طاقم شبه متكامل من الاسنان المعدنية وقال (صرت لي) . لأنني على يقين شبه كامل من ان نعيمة لم تتزوج قبلي, استنتجت ان هذه الملحمة حصلت لها في الحلم, او انها تفرجت عليها في فيلم في احدى القنوات الفضائية, ومع ذلك فكل شيء ممكن, فهذه السيدة وصاحبها يمتلكان قدرة خارقة للعادة على اخفاء كل مظاهر علاقتهما, وراء مجموعة من التمويهات, والترميزات, وقواعد البيانات المشفرة, لكن رغم كل شيء, لايزال غموض كبير يحيط بشخصية صاحب زوجتي, فرغم كل الصفحات الماضية من اوراق نعيمة, مازلت لم امسك بحقيقته الزئبقية, واخيرا بدأ خيط اعترافاتها يأخذ منحنى خطيرا, بدأت الارض تدور بي, وانا اقرأ هذا الغزل المكشوف: في البداية كنت معه اسعد انسان في الدنيا, وبصمت بالاصابع العشرة على صدق ما قالت امي: (الحب لا يأتي الا بعد الزواج) , اكتشفت ان الجمال جمال الروح, وان سفينتي رست على تخوف مملكة رجل استثنائي, كريم لحد الاسراف, صريح جدا, يعيش في اجواء مريحة, يؤمن بحرية المرأة لحد ما, صاحب آراء, يأخذ من كل شيء ويعطي بمرونة, ليس يابسا فأكسره, ولا رطبا فأعصره, كان باختصار فارس احلام اية فتاة من الطراز الاول, لم تدم غفوتي على الاحلام الوردية طويلا, وشاءت الظروف ان توقظني منها اولى سلبياته التي بدأت اكتشف انها تزداد, عرفت لاحقا, انه يطرب للنكتة كثيرا وان كان روايا سيئا جدا لها, وانه يعيش في اجواء خاصة, فالحياة بهمومها ومشاكلها, ليست عنده اكثر من نكتة فجة, يعبر عن رأيه في جميع مواقفها غير المرنة, بضحكة قصيرة, مغرم بعالمه اللغوي, مستعد ان يلعق الاسفلت سبعين مرة بحثا عن كلمة طريفة مرت من هناك, مولع بالقلب والابدال, متورط في جميع المطبات والالعاب اللفظية, ويتطوف في زاويته اليومية (وخزات) لاحظوا اختار لزاويته من الاسماء هذا الاسم (وخذات) , جميع انواع الافكار, ما يخطر منها على البال. وما لا يخطر, مرة تنزل الزاوية بهذا العنوان (النظام العاطفي الجديد) ومرة (همسة في اذن مسئول اطرش) , واخيرة (دعوة لتأسيس حزب ربات البيوت) , وهكذا. ثم لاحظت انه غيور لحد الهوس, في احدى المرات ذهبنا الى شط المحيط, ووسط الجموع شققنا طريقنا بصعوبة, كانت الاشياء على منكبه وهو يصرخ: هيا وسع انت او هو.. حول رانا جايين ومعانا حريم يتحشم ياللي ما تتحشموش. انت صحافي؟ نعم. عندك مانع؟ قولي فيش انفكر انا. هيا سمعني. دفع يد الرجل, الذي عرف وجهه, من صورته التي تنشرها الجريدة يوميا, فوق (وخزات) , ولأن ذلك الرجل البسيط يظن ان الصحافي يعرف ما يفكر فيه الناس, مد يده طالبا من زوجي ان يجس نبضه ويسمعه. وعند ما تقدمنا وسط الجموع كان احد العاطلين يتبعنا بلجاجة سؤاله (كم الوقت الآن؟) ودفعا للاجراح اجبته (ليس معي ساعة) قال (ياخسارة) ابرق الاستاذ وارعد وخرج عن طوره من الغضب, وتعميما للفائدة سأورد بالمناسبة النص الحرفي لـ (وخزات) في اليوم الموالي, جاءت بعنوان (الفزاعة) وفيها كتب (كنت وما ازال من انصار العودة الى العصر الرومانسي كحل لتلوث البيئة, ذهبنا امس الى شط تيميريس, ووسط الجموع المحتفية بمقدم امواج المحيط من رحلتها الشاقة, واسراب البجع, والحان السنونو الشجية, كنت شاهدا هناك على الحوار الدائر بين انسام تيار الكناريا العذبة وريح القبلي المكفهرة, حوار الشمال والجنوب, وكان منغص الرحلة الوحيد. فزاعة تمسك بذراعي, وتجمع حولي الفضوليين وباعة اللبان ومتسكعي المواسم. ولأقرب الفكرة لأولئك الذين لم يعرفوا من تكون تلك الفزاعة, سأختصر الطريق: انه يعنيني انا, انا صرت فزاعة, وهو محق فجميع الناس ليسوا اكثر من نكتة في نظر الاستاذ, الذي استطرد في (وخزات) وفي هذه الاجواء الصوفية كنت اتفرج على صفحة الامواج, اخرجت خمس بجعات رقابهن, طاولن السماء, وفجأة اختفت البجعتان عن اليمين والبجعتان عن اليسار, وبقيت فقط البجعة الوسطى وهنا فكرت انها تسخر من تلك الجموع. بسرعة اصبحنا في البيت نعيش في اجواء الجريدة: نعيمة مدير التحرير قال, نعيمة قسم الدراسات يريدون, وهكذا: المخرج, المدخل, جماعة الصف, المصحح, سكرتيرة المدير, ومع مرور الوقت اصبحت هذه الاسماء والالقاب جزءا من حياتنا اليومية, جاريته في البداية: (الله ما احلى) وخزات (اليوم) , وهو مستمر في ضلالته, مستعد ان يهرول سبعين ميلا وراء سجعه او كلمة غريبة الاطوار يتحف بها قراء وخزات, وطال الامر واستطال, وبدأت استسلم لهذا الوضع, كما تستسلم الفلاحات, لمتجهم القسمة والنصيب, لكن حتى ذلك لم ينفعني, فهو على الارجح اصبح في الفترة الاخيرة, يعاني مصاعب في ايجاد موضوعات يكتبها في (وخزات) , وكان اهلي وبيتنا مادة دسمة لزاويته, في مرة جاءت (وخزات) بعنوان (عقدة اكترا) ,. قال انني اريده على نمط ابي, ولم يوفر ابي حين كتب (وبالطبع اصبحت افهم لماذا يصر كبار السن على اصطحاب عصي معهم, يعكزون عليها, ان غرض تلك العصى الحقيقي هو تخويف ازواج بناتهم) , وبعده جاء الدور على امي حين وخزها بحلقة كاملة (لست من انصار نظرية المؤامرة, لكن يبدو انها هي من انصاري, ومنذ زمن بعيد, كنت شبه متيقن, انني سأموت ميتة غامضة في احد شوارع العاصمة, تصطدم رأسي, رأسي هذه, بجسم طائر مجهول المصدر, لكن آخر ما كنت اتصور, ان هنالك من يخطط, في بيتي؛ بهمة ونشاط, لاغتيالي: دخلت كالعادة على رؤوس الاصابع, سمعت السيدة الحسيبة النسيبة حماتي, تنصح نعيمة, بأنه مادامت ساعة المنبه لا توقظني من سباتي, فإن افضل طريقة, لانتشالي من تحت الاحمال الساقطة بين كتفي, هي وضع قنبلة موقوتة, على التوقيت الذي ترغب فيه نعيمة, تحت وسادتي: ان كان هذا لا يعني في منطقكم, مؤامرة اغتيال, فانتم عندي بحاجة الى منطق اكثر واقعية) . وهكذا اصبحت امي احد عتاة المجرمين الذين يخططون بغلظة لتصفية الاستاذ, وكأنه ترك مكانا لأحد حتى يتآمر عليه, في يوم واحد تهجم بوخزاته على اربع جهات اعتبارية هي النقطة, ومصلحة الآثار, والبلدية, والسلاقي الرابضة بالوصيد عند مداخل نقطة الدرك الوطني. تغاضيت عن كل ذلك, مع يقيني الشديد, انه يعرض نفسه, وبالتالي يعرضنا للمخاطر, وظلت تؤرقني حكمة دائما ما اسمع امي وزبيدة جارتنا ترددانها (اللي ماسكر فمو, تنتعل امو) , تعاميت, وتعاميت, الى ان هجاني في وخزات, وبأية مناسبة؟ بمناسبة عيد ميلادي الذي رفض تمويل حفلته, وهنا وقبل ان اعبر عن موقفي من هذه الاهبة, سأورد نص وخزات) حرفا بحرف: (سيدة تقاطع كاتب هذه السطور مند ايام, ومع ان اسباب الخصومة غير واضحة تماما, الا انني لما تتبعت الامر, وجدت ان كل خيوطه تتقطع عند ليلة عيد ميلادها الاخيرة, في جانبي, نبهت الى ان موانع كثيرة تحول دون الاحتفال, فصحتنا لا تسعف لاطفاء اكثر من ثلاثين حريقا مرصوصة على منضدة واحدة كما ان الوضع المالي لهذا الشهر, لا يسمح بتأجير رتل كامل من مصلحة المطافئ, ثم حتى لو اقدمنا على مغامرة كهذه, وحضرت السيارات الحمراء, والخراطيم والزبد والمارشات, فإن الجيران الذين ستوقظهم المزامير سيحضرون ليروا ما يجري على وجه الدقة, ثم يأتي الاطفال, والفضوليون, وسيزداد الحشد, ويحضر المصورون, ومراسلو القنوات الفضائية, وعندها على الارجح, سترسل الوزارة لكم عونا للاطمئنان على الوضع, وهنا لا اضمن ان الامور لن تسير في اتجاه آخر له انعكاسات على المستوى الوطني والاقليمي والدولي. رائع؟! عيد ميلادي انا اصبح اكثر من ثلاثين حريقا على المستوى الوطني والدولي؟! استشطت غضبا لكرامتي, وفجأة فكرت ان الاستاذ لم يعد يحبني, لاشك ان اخرى دخلت حياته, ومن اجل عيونها, اصبح يمزقني على صفحات الجرائد, لكن من تكون؟ فهو من الجريدة للبيت, ومن البيت للجريدة, ولأن الجريدة ليس فيها من النساء الا الطباعات, فكرت ان احداهن تيمت زوجي, لكنه بسرعة افسد علي هذا الخيط بحلقتين متتاليتين من (وخزات) , صال فيهما وجال وهو يهجو طباعات الجريدة, تلك الزهور البرية التي ليس لأحد الفضل في رعايتها, سجلوا عندكم ما كتب: (البعض يسمي الممرضات مخلوقات الرحمة, وانا اسمي الطباعات مخلوقات العذاب, يعذبن اللغة, جلادات يجلدن النصوص, والادهى انهن يتسببن في احراجات كبيرة لادارة التحرير, مازالت الدائرة القانونية تخوض مفاوضات مضنية مع محامي رجل الاعمال الكبير الدكتور يعقوب القمحي, لاقناعة بسحب دعوى التشهير التي رفعها على الجريدة, بعد ان طبعن اسمه في الصفحة الاقتصادية (الثور عرقوب الحمقى) وكأنهن لم يصدقن ان الازمة مع فنانتنا القديرة سميرة بن رباح, قد حلت, بعد ما نشرت الجريدة صورتها بالبرواز الكبير في فقرة (فاكهة الصفحة الاخيرة) مكتوب تحتها بتبنيط 10 اسود (مسيرة في الرياح) , ولولا تدخل صديقها الذي هو ضابط, سامي, مهم جدا, للايقاع, في جوف فرقتها الموسيقية, لربما كانت الامور ستأخذ طريقا اخر, في ملفات شعبة الحزب) . وليس هذا فقط, بل انهن اصبحن بهذا الطريق, (خط انتاج اخر للغة, وبأيديهن اصبحت الاخطاء المطبعية جنسا ادبيا قائما بذاته, له مريدوه, متذوقوه, الذين يستمتعون بملامحه البلاغية المميزة, هاكم ما وقع لأديبنا الكبير ابو مداد الظامئ, لقد اتفق مع الجريدة على تجسيد حلم يراوده منذ زمن, باخراج قاموسه البيبليوغرافي الذي اسماه (معجم الاعلام الادبية) , والذي يقوم فيه اديبنا المخضرم بنوع من التواصل مع كبار الادباء الاحياء, وفيه يقوم بالواجب تجاه ادباء آخرين رحلوا عن عالمنا, وان كنا نرى الان بالكاد, اقدامهم تتدلى على كتفي التاريخ, وقد ترك لدي ادارة التحرير وقسم التوزيع, اسماء عشرات النقاد والادباء, وبعض الشخصيات الرسمية أوصى بأن ترسل لهم نسخ من (المعجم) مكتوب عليها بخطه (اليك مني: من القلب) , ولكم ان تتصوروا حيرته, حين نبهته الهواتف الى انه قد وزعت عليهم نسخ من (مجمع الالغام الابدية) , وحين قابله جماعة الملحق الثقافي اكد انه يعكف الآن على اعادة طبع (المعجم) , اما (المجمع) فقال انه هو ايضا حلم كان يراوده, وقد تحقق وفق مبدأ الاعمال بلانيات, انه فعلا مجمع الاخطاء, وهو مستوى جديد من الكتابة, انه نص مفتوح مرن يمكن ان يقرأ عموديا وافقيا, من اليمين ومن اليسار, كل هذا بفعل موقف الطباعات من التعريب, بل ان (احدى صيدليات الاعشاب دفعت اربعين الف اوقية على ان ينشر لها اعلان بالبنط العريض على الصفحة الاولى يقول (الحبة السوداء فيها شفاء) وصدرت الجريدة في اليوم الموالي باعلان بتبنيط 20 اسود يقول (الحية الودساء فنها شقاء) , وعندما احتج مندوب الصيدلية, شكلت الجنة ترميم من المصححين, وصدر الاعلان في الغد (الحية السوداء فيها شفاء) , وكان ذلك اخف الضررين) . ماهذا ياالهي؟! (هذا قليل من كثير مما تتفتق عنه عبقرية الطباعات كل يوم, طلعت فيه الشمس) . قلت: يقينا, انه لا يحب واحدة منهن, فهذا الهجاء لا مكان للغزل بعده, هذا ما في الجريدة من النساء, اما الرجال فعلى الارجح انه لا يحبهم ايضا, كاتب زاوية (مكابدات) المشهود له بالشعبية سألت الاستاذ عن رأيه فيه فقال انه (كتكوت فصيح) , وصاحب زاوية (السنارة) (يهرف بما لا يعرف) وصاحب المقالات المطولة صمود الهلالي (يعاني من اسهال فكري) . ولم يقتصر صنيع الاستاذ على هذا الحد من الشهامة والامانة, ولو فعل ذلك لسهل الامر وهان, وانما تجاوز زملاءه في الجريدة, فاذا كان ملايين المشاهدين يشهدون لنجم القنوات الفضائية صاحب برنامج (التلفزة الحقيقة) بالتميز, فانه عند الاستاذ (طبل اجوف) , وحتى عندما منحت جائزة الدولة التقديرية هذا العام لأبي مداد الظامئ عن المجمع, راح هو يعد الان في السر, ملفا عن هذا الاديب الكبير, عنوانه: (ابو مداد الظامئ: ربع قرن من السرقات الادبية, ومن ضمن الملف صفحة, رسم عليها صورة ابي مداد وهو يغمس قلمه في دماغ شخص اخر, بل ان ثمة فقرة بعنوان (ابو مداد يسرق من ابي مداد) زعم فيها ان الاديب المخضرم, درج على ان يأخذ مقالات نشرها منذ زمن, ويعيد تقطيعها, ويبيعها, يوميا للصحف اليومية, واسبوعيا للصحف الاسبوعية, على اساس انها طازجة, لقد اصبح اذن بائع جثث. الم اقل من البداية ان كرش الاستاذ مندلق؟ الان فقط عرفت سبب اندلاقه, فهو قطعا يعاني من تضخم الدلالات والمعاني في بطنه. وهو لا يحبني, ولا يحب غيري, انه يحب فقط تجميع هذه (القفشات) و(الغوايات) و(الخرابيط) التي ستظل تتجمع, وتتجمع في بطنه, والبطن ينتفخ وينتفخ, حت ينفجر في يوم ما, كما تنفجر رؤوس العذارى على وجوه الاطفال, وكيف لا تنتفخ بطنه وهو يكرر على الدوام حكمته المفضلة (المعنى في جوف الشاعر) ؟ ومن اليوم وجريا على عادته في تسمية الناس, من اليوم, فصاعدا, سأسميه (المتخم ثقافيا) , اقسم على ذلك. هنا انتصفت اوراق نعيمة, توقفت عن القراءة بعدما دار المفتاح في الباب, تصنعت النوم, اغمضت عيني, شخرت, المقعد غير مريح, رفعت عقيرتي بالشخير, دخلت نعيمة, يبدو انها اشترت طاقما جديدا للشفاه, ولما تأكدت انني نائم, جلست امام شاشة حاسوبها الشخصي: حركة, حركتان, ضغطت زرا, زران, وهنا وقع ما لا يمكن ان يصدقه احد, سمعت الهمس, واللمس, وفجأة تدلت الرجلان, الجسم, وخرج من الشاشة شخص حليق الرأس, وقف قبالتها, يا الهي! عليوة الفرطاس بشحمه ولحمه, فتحت زوجتي ذراعيها, دخل عليوة الفرطاس بينهما, وعندما شبكت يديها على كتفيه واغمضت عينيها, دارت الارض بي, وبأعلى صوتي, صرخت (لا.. لا) واحسست بهدهدة, وربت متواتر, ويد باردة على كتفي: سمي يا راجل..! جيتي, الحمد الله عالسلامة؟ سمّي ايش بيك انتا؟ شارب حاجة؟ هبّلت؟!! كاتب وقاص موريتاني