تكتبها عائشة ابراهيم سلطان احتفت بيروت بيوم المرأة العالمي, وحولته الى يوم للتضامن مع المرأة اللبنانية تحت الاحتلال وفي المعتقلات الاسرائيلية, ولأجل هذا الاحتفاء كانت استضافة السيدة بهية الحريري نائب منطقة صيدا والجنوب في البرلمان اللبناني للوفود النسائية العربية البرلمانية والاعلامية يومي الثامن والتاسع من مارس الجاري . لا تلحظ في شوارع بيروت ازدحاما في المارة او المتسوقين برغم الاعلانات التي تغطي واجهات المحلات معلنة عن تنزيلات ضخمة, لا شيء سوى البرد القارس ومنبهات السيارات التي تصم الآذان, اما حركة التسوق فتكاد تنعدم حتى في شارع الحمرا اكثر شوارع بيروت شهرة وتألقا فيما مضى من العهد اللبناني الجميل. هذا الوضع ليس له سوى تفسير واحد هو ان الوضع الاقتصادي اكثر من سيىء, وان تصل الليرة اللبنانية الى ان 1500 منها يساوي دولارا امريكيا واحدا, فذلك هو الدمار والتضخم والبطالة وقلة ذات اليد التي افرزتها الحرب واغنياؤها وكل المافيات التي افادت منها, وكما ردد احد اصحاب المحلات: (هنا الاسعار غالية جدا بسبب الضرائب التي تتراكم على كاهل هذا الشعب, ماذا بإمكان هذا الشعب ان يتحمل كي يتحمل, وبنبرة غضب اردف: مسكين هذا الشعب الكل يغتني ويكبر ويتسلق فوق اكتافه وجراحاته) . ومع ذلك يبقى اللبناني انسانا مسكونا بعشق الحياة وبشكل واضح يبدو في حديثه وتأنقه وفي تعاملاته اليومية وطريقة حديثه اللبقة وفي تعاطيه مع كل شئونه اثناء الحرب وفي فترات السلم, وعليه فالقضية ليست قضية امرأة صامدة في الجنوب ـ وان كانت تستحق كل التقدير والاعجاب والدعم ـ ولكنها قضية لبنان البلد والشعب الذي تمت تصفية كل الخلافات والاحتقانات والحسابات الخاسرة والرابحة فوق ارضه, وللاسف بمساعدة أهله وطوائفه وبعض سياسييه الذين سكبوا المزيد من الزيت على النيران واشعلوها حربا مازالت تقتات من قلب لبنان الاخضر. وعندما شعرت بأن البرد لا يطاق, وقد جئت من مناخ صحراوي لا يعترف بالبرد طيلة ايام العام, فقد اصطحبتني سيدة لبنانية طيبة الى بعض المحلات في الصباح الباكر, وحكت لي حكاية لبنان الذي كان جميلا ومنتعشا وكيف ان أهله لم يحافظوا عليه, وكيف دخلت اسرائيل في جميع المسامات, ومن كل المنافذ الطائفية والاخلاقية, وكيف تجلت لعبة او معادلة الغنى والفقر واثرياء الحرب و.. كانت تتحدث ونحن نسير في الطرقات الضيقة بصوت عال, وكان الرجال كبار السن يتدخلون في حديثها ببعض الجمل ذات الدلالات العميقة والمحزنة.. الى ان قالت في النهاية: (كل حبلى وضعت حملها في لبنان) اي ان كل من كانت لديه مصيبة القاها في لبنان ثم اشعلوها واحرقوها وجلسوا يتفرجون على دخانها بفرح او تركوها تحترق بأهلها الشرفاء الذين يعانون اليوم كل الويلات التي صنعت شقاء هذا البلد الصغير الحميم.