ما الذي يعرفه الناس عن كازانوفا غير أنه زير نساء لن يقتصر دور ليديا فليم الكاتبة والمحللة النفسية البلجيكية التي تعرف اليها القارىء في اعمال مميزة تتناول قضايا أكثر اهمية كالعنصرية والفرويديه على توفير اجابة لهذا السؤال. وفي كتابها الجديد (كازانوفا: الرجل الذي احب النساء بصدق) ستتعدى ذلك الى احداث صدمة لدى القارىء الذي سيتعرف عليه للمرة الاولى. كما سيتعرف على المناخات الثقافية والفكرية التي ساهمت في ابرازه وهو الدور الذي لم يتطرق اليه النقاد أو المؤرخون أو غيرهم من كتاب السيرة الذين كتبوا عن كازانوفا بشكل يكاد يكون عاملاً اساسياً في تشويه صورة الشخصية التي ساهمت بدور رئيسي مهم فيما كان يعرف بحركة التنوير الفلسفية في اوروبا. من هو كازانوفا؟ ولد الكاتب والفارس والجاسوس والدبلوماسي وامير قصص المغامرات والغرام الايطالية (جيوفاني جياكومو كازانوفا) في مدينة فينسيا الايطالية سنة 1725 لاب يمتهن التمثيل, ثم تنقل بين عواصم اوروبية كثيرة منها باريس ولندن وبرلين ووارسو وفيينا. وترك بعض الآثار الادبية النثرية والنقدية إضافة الى بعض الترجمات كترجمة الالياذة سنة 1775 الا ان اهم اعماله هو الكتابة الحية لسيرته الذاتية (من ذاكرة كازانوفا فارس سينغوليه) بين سنة 1826 و1838 التي اعيد اصدارها في سنة 1962 بعنوان (تاريخ حياتي) وهي عبارة عن تقرير مليء بالاشياء التي تصور حياة كازانوفا المنغمس في الملذات المغرم بمغازلة وإغواء النساء. كما قامت المؤلفة بعرض مقتطفات نثرية كتبها كازانوفا, في كتابها الجديد الذي يتناول قصة حياة هذا الرجل ذي الشخصية الغامضة المثيرة للجدل. الذي كرس حياته من أجل الوصول الى السعادة ثم تراجع إلى التصريح بأن المرء لايجد السعادة الا في الكتب. وبعيداً عما عُرف عن هذه الشخصية من ان دورها لم يكن مجسداً في الحقيقة إلا من خلال إغواء النساء وإيقاعهن في الحب لتدميرهن والقضاء عليهم فإن ما تراه عالمة النفس ليديا فليم يبدو مناقضا الى حد أنها تسعى مجددا إلى الكشف عن الوجه الانساني الذي لم يره الكثيرون لما عرف بين الناس بالوجه القميء السيىء لكازانوفا وهو وجه المحب للخير الذي آمن بالمساواة الفكرية بين الرجل والمرأة ولم يقطع حبل العلاقة الانسانية التي ربطته بالنساء اللاتي احبهن ثم انفصل عنهن. أما السبب في ذلك فانه كما تدعي المؤلفة الحماس الذي امتلكه كازانوفا تجاه حركة التنوير الفكرية الفلسفية الثقافية والتي آمن من أجلها بأن (المتعة هي المبدأ الاول في هذا الوجود وان السعادة الحقيقية لاتوجد في هذا العالم الا في مكان واحد هو ذاكرتنا الانسانية) . ان جولة فليم في حياة هذا الرجل المجهول تقريباً وفي ذكرياته الكثيرة تأتي في صور نثرية جميلة جذابة ومليئة بالحيوية. وتتحرك بسرعة فائقة لكن دون اهمال للجانب الفكري منها. كما ان المؤلفة بتسليطها الضوء على مذكرات كازانوفا الواقعة في 12 مجلداً والتي تحمل عنوان (تاريخ حياتي) تكون بذلك قد لجأت الى المغامرة بما يعتبره العديد من المؤرخين والنقاد مذكرات رجل سبعيني لايمكن التمييز فيها بين الواقع والخيال. والواقع أن رصد ليديا لوقائق هامة من حياة الرجل الذي يعتبر اشهر شخصية ماجنة عرفتها أوروبا يمثل في حد ذاته أروع كتابة مذكرات من نوعها واكثرها بهجة وامتاعاً للقارىء. كما أنها ستكون قد أتت في الوقت المناسب ايضاً لتزامنها مع الافراج عن النسخة غير المنقحة للترجمة التي قام بها وليلارد تراسك في سنة 1966 لنفس الكتاب. غير ان ما يجذب القارىء الى هذا الكتاب الذي يبدو بسيطا وسهلاً في مظهره هو العبارات البليغة الزاخرة بالقوة التي اختارتها المؤلفة لترصع بها كالاحجار الكريمة عملها التحليلي الفكري كهذه العبارة مثلا (ان الحب واللغة يسيران جنبا الى جنب) وهناك الكثير والكثير مما يمكن رؤيته وقراءته والاعجاب به مما كتبته فليم او اختارته بجمالية وعناية فائقة. ويبقى ما يسيطر على القارىء ويجذب تفكيره بشكل لايمكن تصوره هو تلك (الصدمة الجذابة) . لقد كان كازانوفا صادقاً في حبه للنساء ولم يكن زيراً مغرماً بمغازلتهن والتخلي عنهن وتحطيمهن بعد ذلك. انها تلك الحميمية. على الانسان كما تقول ليديا ان يعرف كازانوفا عن قرب وان يضع نفسه في محله. ولذلك فهي توفر كل شيء. تنقل المقدمة وتشيد المسرح وتعد المخدع أو الكازينو وتدعو الآخرين الى الحضور وتترك الاشياء تحدث كما هي. وشيئاً فشيئاً فان القاريء يدرك ان الكاتبة قد وقعت فعلاً تحت تأثير النص الاصلي الذي ابدعه كازانوفا من تفاصيل حياته الخاصة وأن هذا الرجل المخادع قد اغواها بقلمه لكي تقوم هي بدورها بإغوائنا نحن. فهي تترك القارىء يشم ويشعر ويستمتع بتلك الفوضى من الحب والفكر الذين يتملصان من مسألتي الزمان والمكان. ليكون العمل صالحاً والشخصية صالحة لأن تسترجع في ذاكرة كل زمان وكل مكان. ذلك هو جسر التواصل الذي يأتي في وقته ليربط بين قطبي مسافة تقدر بقرنين من الزمان وجنسين من البشر وأفقين فكريين بعيدين الى حد لايمكن تصوره. وعلى الرغم من ان المحاولة الجادة التي تبذلها المؤلفة للوصول بالكتاب الى مستوى يليق به ككتاب يؤرخ لسيرة كازانوفا تظل ماثلة امام القارىء, الا ان اجواء الدراسة النفسية التحليلية تظل هي المهيمنة على هذا الكتاب الذي يسقط الكثير من عناصره المطلوبة مثل تقسيم الوقت والادوار التي لعبها كازانوفا على امتداد هذا الوقت. مما يجعل العمل أكثر اختصاراً أو أكثر شبهاً بتسجيل الملاحظات العابرة. الكتاب: كازانوفا: الرجل الذي احب النساء بصدق تأليف: ليديا فليم الناشر: فرار ستراوس وجيروكس الصفحات: 256 صفحة من القطع الكبير