صدرت الترجمة العربية لكتاب الاسلام والسياسة والحركات الاجتماعية, وهو كتاب متعدد المؤلفين والباحثين وايضا متعدد الموضوعات والمناهج العلمية, فهو يطوف بالعالم الاسلامي من الجزائر حيث مقاومة الاستعمار الفرنسي الى السودان ثم مصر والمغرب والهند وغيرها . اصل هذا الكتاب مؤتمر علمي عقدته جامعة كاليفورنيا في (بركلي) في شهر يونيو 1981 من اجل دراسة حركات الاحتجاج الاجتماعي وحركات المقاومة السياسية في بلدان العالم الاسلامي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين, وقد اقيم هذا المؤتمر على خلفية قيام الثورة الاسلامية في ايران والتي تمكنت من الاطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي, ففي اعقاب هذه الثورة انتشرت المقالات والدراسات بغزارة في العالم الغربي التي تتحدث عن ظهور الاصولية الاسلامية بقوة, وسيطرتها على العالم الاسلامي, اما هذا المؤتمر فقد قرر البحث في الاستجابات الاسلامية المتعددة منذ القرن التاسع عشر للحداثة وللامبريالية والاستعمار الغربي.. وقد نقحت اوراق المؤتمر, واعيد كتابتها بعد المناظرات والمحاورات وخرجت في هذا الكتاب الذي بين ايدينا. ولاحظ الباحثون فيما يتعلق بالجزائر ان المقاومة للاحتلال الفرنسي كانت تختلف باختلاف السمات الاقتصادية والبيئية, ففي المناطق التي يتمتع فيها الفلاحون بالاكتفاء الذاتي قاد المقاومة ملاك الارض وزعماء القبائل الذين كانوا يعملون على الاحتفاظ باوضاعهم في مواجهة المحاولات الفرنسية للانتقاص من سلطتهم, وكان هذا هو الحال في ثورة ( المقراني) الكبرى عام 1871/872 او ثورة عام 1901 وكانت كلتا الثورتين في حاجة الى دعم من التحالف الواسع بين سكان الجبال وسكان الصحراء الذين ثم اجتذابهم على ارضية الدفاع عن الاسلام. اما الفلاحون والبدو في المناطق الجبلية والصحراوية فانهم لم يتمكنوا من الاكتفاء الذاتي, لانهم كانوا قد تجاوزوا الطاقة الاستيعابية للارض الزراعية, فكان عليهم ان يتبادلوا بعض المنتجات مثل زيت الزيتون والعسل والقمح والحيوانات وفي مثل هذه الظروف كان التجار والفلاحون على استعداد لان يحاربوا دفاعا عن حرية وصولهم الى طرق التجارة الحيوية والاسواق. وهذا يفسر انخراط اهل القبائل في ثورة المقراني في وقت لم يتعرضوا فيه لضغط مباشر من الحكم الفرنسي, ولكنهم كانوا قد تأثروا من الناحية الاقتصادية, وبنفس الطريقة اتخذ سكان جبال الاوراس موقف المقاومة الصريحة للفرنسيين عندما عينوا جباة الضرائب من الخارج, فقد اصبحوا بذلك معرضين لخطر عزلتهم عن الاسواق, كذلك فان البدو من رعاة قطعان الضان والابل في جنوب الجزائر, وهم احوج الى تأمين سيطرتهم على الواحات وضمان سيطرتهم على طرق الوصول الى الاسواق, وجدوا ان الفرنسيين اخذوا يقيدون تلك الحرية, ويعوقون حركتهم لذا فانهم بحثوا عن الزعماء مثل, سي سليمان, وابن العباس من اجل اضفاء الشرعية على مقاومتهم المسلحة. وعموما هناك موقعين من دور الاسلام في الثورة الجزائرية.. الاول يقوم على ان المصالح الاقتصادية والسعي وراء الرزق هو السبب الاساسي للمقاومة وان الزعماء المسلمين في المناطق الصحراوية والجبال عاونوا فقط على اضفاء شرعية دينية على عمليات المقاومة, وقدموا غطاء ايديولوجيا للدوافع والاهداف البراجماتية باختصار كان الاسلام مشجعا على الثورة. اما الفهم الثاني فيقوم على ان مقاومة الامبريالية الفرنسية كانت لدوافع اسلامية محضة, وفي هذا اجرى التركيز على الطرق الصوفية خاصة الطريقة الرحمانية وشيخها العظيم (مصطفى بن عزوز) المتوفى عام ,1866 وقد امدت هذه الطريقة المجاهدين بالمعلومات المتعلقة بالعدو ووسائل الاتصال وقبل كل ذلك تزويدهم بالمؤن العسكرية عبر علاقات القرابة والاخوة في الطريقة والزوايا والتكايا الصوفية. اذا تركنا الجزائر واتجهنا الى السودان فاننا نجد نسقا سياسيا وثقافيا مشابها, فهو مجتمع الجماعات القبلية المبعثرة التي تعيش على امل ظهور ولي او زعيم يقودها نحو الامان. ويكثر الرجال الاتقياء في السودان الذين يتجولون في الاقليم, وفي اواخر القرن التاسع عشر كان السودان يجتاز تحولات عنيفة ومهمة ناشئة عن فرض نظام الدولة المركزية عقب الفتح المصري العثماني للسودان, وفي مواجهة ذلك قام المهدي بتوحيد شتى الجماعات لكي يتصدى للنظام الجديد ويقيم دولته الخاصة, وقد تأسست الحركة المهدية على الاهمية المتنامية للطرق الصوفية, وفي نفس الوقت الذي كان يقوم فيه المهدي بذلك, كان هناك بدارفور ثورة اخرى يقودها احد الاولياء المحليين بالمنطقة وهو الشيخ ابو جميزة ضد الدولة المهدية ومن اجل الاستقلال الذاتي للاقليم. وفيما يتعلق بالجزائر والسودان كان الاسلام له دور مهم في تحديد وتنظيم الجماعات الصغيرة, الاسرة والعشيرة والقبلية ليرمز لها ويعبر عنها. اما الحالة الفلسطينية فانها تعد نموذجا آخر لمجتمع يتولد عن حاجته الجديدة الى تنظيم سياسي, وقد اتخذ مجتمع الفلاحين الفلسطينيين في القرن التاسع عشر شكل الوحدات العشائرية او الافخاذ وساعد الاحساس الاسلامي على التغلب على تمزق المجتمع. وكان الاحتفال بالمناسبات الدينية مثل مولد النبي فرصة لاظهار المشاعر المعادية للصهيونية ولبريطانيا وابداء مشاعر الود نحو العرب, وتمثل ثورة 1936/1939 حركة فلاحين حقيقية توحي بالخاصية الانتقالية للهوية الفلسطينية وللتنظيم السياسي, فقد عبئت حركة المقاومة الفلسطينية بشكل جزئي عن طريق الافكار العشائرية القديمة وايضا بواسطة المصلحين الاسلاميين , كما هو الحال بالنسبة للشيخ القسام وجمعية الشبان المسلمين. كان القسام يعمل (مأذونا) شرعيا, كما كان قائدا منظما للعمل الفلاحي, وعنصرا اساسيا في انفجار المقاومة الفلسطينية, اما الجيل التالي من المثقفين والذي يمثله حزب الاستقلال وآخرون فكان يقوم في نفس الوقت على صياغة القضية الفلسطينية بمعايير وطنية عربية. ويذهب المؤلف الى ان عوائق وصعوبات المحافظة على حركة فلسطينية منظمة لا يرجع فقط الى قوة المعارضة اليهودية والبريطانية, بل ايضا الى الصعوبة الملازمة لعملية اكتشاف رموز التوحيد الدينية الاسلامية او الوطنية في مجتمع لا يزال غير كامل الاندماج وذي قيادة سياسية متعددة. بالنسبة لمصر يتوقف الكتاب امام الصراع بين جماعة الاخوان المسلمين والشيوعيين للسيطرة على عمال النقابات, ويثبت فشل الاخوان لانهم لم يقدموا ايديولوجية تعبر عن صالح العمال. ويتوقف الكتاب امام الثورة الايرانية مطولا, ويعتبرها حالة خاصة جدا فيما يتعلق بمشكلة تحديد الهوية الثقافية والممارسة السياسية في مجتمع يتغير, ولاسباب عديدة ترسخت الهوية الوطنية الايرانية جنبا الى جنب ومتجاوزة الروابط القبلية وروابط النسب, ويتم التعبير عن هذه الهوية بمصطلحات علمانية وسياسية ومحلية وتتزامن تلك المصطلحات مع محيط ديني شيعي, ولم تكن المشكلة في ايران ابداع وحدة جديدة من التنظيم بل في تحديد القيم والرموز التي سوف تنتشر في المجتمع. ويذهب الكتاب الى انه بينما لعب الليبراليون واليساريون دورا طليعيا, فان الانتصار النهائي كان لآية الله خميني والحزب الجمهوري الاسلامي, ويعكس هذا الاهمية المركزية للرموز الدينية الاسلامية والقادة الاسلامية على وجه الخصوص. ويضم الكتاب فصلا خاصا عن المفكر الايراني الذي اغتاله السافاك ( علي شريعتي) فقد حاول شريعتي ابداع مركب من الاشتراكية والمذهب الشيعي كي يقدم مفهوما ايرانيا عن الثورة معاديا للامبريالية والرأسمالية, وكان شريعتي يبشر بمقولة مفادها ان ايران في حاجة الى ثورة مزدوجة: ثورة وطنية لتمحو الحكم الاجنبي وتحيي الهوية الوطنية, وثورة اجتماعية تنهي الاستغلال وتبني مجتمعا لا طبقيا. ونظر شريعتي الى المذهب الشيعي باعتباره تعبيرا عن هوية ايرانية وعقيدة راديكالية للنضال ضد الظلم بشكل جوهري ولم يكن المذهب الشيعي لدى (علي شريعتي) مجموعة معتقدات دينية وممارسات وطقوس بالمعنى التقليدي, بل كان رمزا للحركة الثورية الايرانية. ويجد قارئ الكتاب نقصا في المعلومات هنا وهناك, وغياب ابعاد عديدة من الصورة عن المجتمعات الاسلامية موضع الدراسة, لكن الملاحظ عدم توحيد الفترة التاريخية التي تتم دراستها, ففي الجزائر توقف الباحثون عند منتصف القرن التاسع عشر, وفي السودان اواخر القرن التاسع عشر وفي مصر وفلسطين النصف الاول من القرن العشرين, وفي ايران نهاية القرن العشرين. كذلك فان زوايا البحث لم تكن متشابهة ولا واحدة ليصح القياس, ففي ايران ركز على الثورة وفي الجزائر اهتم بالمقاومة وفي فلسطين اهتم الكتاب بعلاقات وحدات المجتمع, ولم تكن مقاومة الخطر الصهيوني هي الاساس لديه باعتبارها النقطة المحورية في النضال الفلسطيني, وفي مصر اهتم بالصراع بين الاخوان والشيوعيين داخل النقابات قبل ,52 ولم يهتم ـ مثلا ـ بالعنصر الاسلامي في مقاومة الانجليز واحتلالهم لمصر. الكتاب: الاسلام والسياسة والحركات الاجتماعية تحرير: ادمو بيرل وايرا لابيدوس ترجمة: محروس سليمان الناشر: مكتبة مدبولي ـ القاهرة 2000 الصفحات: 497 صفحة من القطع الكبير