انها المرة الاولى التي نزور فيها مكتبة عراقية بعد مرور قرابة عامين على انطلاقة بيان الكتب . هذه الزيارة تحمل في طياتها معاني ابعد من الحديث عن النشأة والتأسيس وعدد الكتب والدوريات, وابعد من مجرد مكتبة عربية في بقعة جغرافية عريقة وحضارية كالعراق, كما تحمل بعداً انسانياً, نحن مطالبون بمناصرته والوقوف الى جانبه والدفاع عنه لاننا بذلك ننتصر وندافع ونقف الى جانب الحقيقة, والحقيقة دائماً هي الفائز الاكبر. بيت الحكمة في بغداد مكتبة عريقة جداً فهي تضم مخطوطات بعضها يعود الى اكثر من خمسة قرون وبعضها الاخر هو النسخة الوحيدة الباقية على قيد الحياة, كما تزخر مكتبة بيت الحكمة بدوريات عربية نادرة جداً بعضها صدر مطلع القرن الماضي, وبذلك يتحول دور تلك المكتبة من دور تنويري الى دور توثيقي, كلاهما مطلوب في ظل استهلاك سريع للثقافة وتهميش للمثقف. واذا اشرنا في البداية الى مسألة الانتصار لانسانية العراق فهذا يعود لمعرفتنا الاكيدة بمأساة العراق حصاراً وقهراً وجوعاً, ويعود لما لمسناه لمس اليد من تشبث المثقف العراقي بالكتاب الى درجة مساواته بالرغيف... لقد باع عدد كبير من مثقفي العراق ومبدعيه مكتباتهم على الارصفة في بغداد وعمان ودمشق, وبادل بعضهم كتابه بالكفاف, وبعضهم الاخر مات غريباً مبعداً او منفياً خارج وطنه, ويكفي ان نقول ان ثلاثة من اهم شعراء العراق, بل من ابرز شعراء العربية (محمد مهدي الجواهري وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي) ماتوا بعيداً عن وطنهم, لندرك كم ان المأساة التي طالت الانسان هناك مدمرة ولا ترحم. اننا اذ نعرض لمكتبة بيت الحكمة اليوم وفي هذا العدد فلأن الاهتمام شعبياً ورسمياً بدأ يتعاظم مع الانسان العراقي في كل الوطن العربي, فلا جريمة لهذا الشعب او لذلك الانسان سوى انه من بلاد الرافدين اعرق حضارات الارض قاطبة. ونريد من خلال هذه الزيارة الى مكتبة بيت الحكمة ان نقول ان العصرنة غائبة عن هذه المكتبة العريقة, وانها تفتقد لمقومات التحديث والاستمرارية أسوة بما في مكتبات عربية اخرى, وتعاني من الارهاق المادي والتكنولوجي, ما يجعلها عرضة للتلف او للدمار في وقت ينتقل فيه العالم بقفزات سريعة الى الكتاب المسموع والكتاب المرئي, وغيرهما من التطورات السريعة التي تجعل من الكتاب عصرياً متماشياً مع حاجات التطور السريع للبشرية. ان مكتبة بيت الحكمة في بغداد واحدة من عشرات المكتبات التي تستحق الرعاية والعناية خاصة ان جلّها يحوي مخطوطات وكتباً قيمة ونادرة تحتاج الى تقنيات جديدة للترميم والحفظ والتحقيق وغيرها مما هو متاح في هذا الجانب. فاذا كان هولاكو قد دمر مكتبات العراق قبل مئات السنين جهلاً وغطرسة, فلنسع جميعاً افراداً ومؤسسات وحكومات الى نصرة مكتبات العراق ولنحاول انقاذ ما يمكن انقاذه من براثن هولاكو جديد.